العنوان الظاهرة الإسلامية والتحديات المركبة
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 06-مارس-2010
مشاهدات 0
نشر في العدد 1892
نشر في الصفحة 29
السبت 06-مارس-2010
مقال
الظاهرة الإسلامية والتحديات المركبة
عبد الرحمن فرحانة
إحدى تجليات النشأة للظاهرة الإسلامية أنها ولدت كإفراز لعودة الخطاب
الثقافي للحقيقة الإيمانية، بعد أن تسيدت ظاهرة التناقض الوهمية بين حقيقة العلم
والحقيقة الإيمانية: إذ كان ذلك التناقض نتاجًا لثقافة التغريب المغرقة في العلمنة
التي أغرقت المنطقة قبل وبعد الحملة «الكولونيالية» الغربية التي غزت المشرق
العربي والإسلامي.
الظاهرة جاءت أيضًا كطاقة إحيائية للهوية باعتبار الدين أكبر مكون
للهوية في الحالة الإسلامية - كرد على حالة الاستلاب الثقافي التي أفرزتها موجة
التقريب التي تغلغلت في النسيج الثقافي للأمة، وهي بدورها المركب قدمت وتقدم كذلك
الوقود الحيوي لقوى المقاومة التي تناهض الهيمنة الأجنبية بأدواتها المختلفة؛ فهي
الطاقة الحيوية للمقاومة والممانعة في مواجهة القوى الأجنبية، كما أنها في ذات
الوقت تتحمل أعباء الإصلاح والتغيير في مجتمعاتها، مما يجعلها في تناقض مزمن مع
الأنظمة السياسية القائمة، بالإضافة إلى التناقض الرئيس مع قوى الهيمنة الخارجية.
وهي اليوم تقف كمشروع بناء
حضاري وجبهة دفاع أمام عدو خارجي، وضمانة هوية داخلية؛ ولهذا كله فهي مستهدفة من
كل القوى التي لا ترغب بميلاد أي مشروع نهضة في منطقتنا.
وكنموذج من بين آلاف النماذج التي تستهدف هذه الظاهرة: يقول الصهيوني «بار
شامويل» مدير شؤون الدراسات بمعهد السياسة والاستراتيجية التابع لمركز هرتزيليا:
الذي عمل على مدار ٢٠ عامًا بالاستخبارات «الإسرائيلية» ومتخصص في دراسات الأمن
الإقليمي يقول: إنني أرفض افتراض البعض أن التعاون مع الإسلاميين «المحافظين» ومشاركتهم
بالعملية الديمقراطية داخل العالمين العربي والإسلامي سيدفعهم للمشاركة بالعملية
السياسية؛ الأمر الذي سيؤدي حتمًا إلى تعديلهم لآرائهم كي تتواءم مع احتياجات
جماهيرهم الانتخابية، بمعنى أنه يحرض على عدم قبولهم في الحياة السياسية في كل حال،
ويقدم «شامويل» توصيات خطيرة تشمل طيفًا واسعًا من الأدوات والآليات والبرامج،
هدفها القضاء على الظاهرة أو إضعافها، أكثر من ذلك فإن الدولة العظمى التي تحكم
العالم اليوم تضع على رأس أجندتها وفي قلب استراتيجيتها تحييد الظاهرة الإسلامية
وإضعافها، أو تدجينها واللعب في تركيبتها الداخلية، وإعادة إنتاجها عبر أدوات
مختلفة.
إشكالات وتحديات
ونظرًا لتناقضات الظاهرة الإسلامية مع الداخل والخارج فإن الإشكاليات
والتحديات التي تواجهها تتولد من البيئة الداخلية التي تتفاعل معها، ومن خارجها
على حد سواء، فضلًا عن التحديات داخل الذات، وهي كلها تحديات تحتاج لحصانة ذاتية،
وصلابة في الإرادة، واتساق في الخطاب، وتوفر للرؤية الإستراتيجية، واعتماد البرامج
الناضجة لتنفيذها للتغلب على الصعاب، ومراكمة الإنجازات لبناء مشروع النهوض.
من التحديات المباشرة التي تواجه الظاهرة الإسلامية «إسرائيل»: إذ إن
أصل وجود هذا الكيان مقاومة أي مشروع نهضة للأمة والعمل على إجهاض أي نوية لمحاولة
نهوض، ولذلك يقتضي هذا التحدي أن تعمل قوى الظاهرة الإسلامية على إسناد بؤر
المقاومة بشكل أكثر فاعلية لتعزيز المقاومة كأداة حماية لذاتها كمشروع نهضة،
ويستلزم ذلك أن ترتقي في دورها وخطابها تجاه المقاومة من حالة النصير إلى حالة
الشريك، والشراكة لها أدوات تختلف عن حالة النصرة والمؤازرة بطبيعة الحال.
يأتيها تحد آخر من الغرب الذي يتحسس من الصحوة الإسلامية؛ خوفًا على
مصالحه، وهي مدعوة لبلورة مقاربة تخفف من ثقل هذا التناقض عبر الحوار وأدوات أخرى
يتعين ابتداعها لحل هذه العقدة الكبيرة، فطالما بقي الغرب المهيمن على المنطقة
متناقضًا معها بوتاثر عالية فستزداد العقبات وستأخذ أشكالا أكثر تعقيدًا.
استراتيجية شاملة.
تحتاج الظاهرة الإسلامية لبناء توافق بين أطيافها على منهج التغيير
المعتمد، ولحل هذه الإشكالية فمن الضروري أن تجري حوارًا داخليًا معمقًا ومستمرًا
بين تياري الإصلاح والعنف للوصول إلى حل لهذا التناقض الداخلي، للوصول إلى استراتيجية
شاملة للتغيير بناء على توافقات مشتركة، ويلزمها كذلك بلورة رؤية استراتيجية
وبرامج عمل زمنية لتعظيم الإنجاز ومراكمته بنائيًا، ولا يصلح العمل الكثيف والمنوع
دون صوغه في استراتيجية شاملة ومنسقة للوصول للأهداف المنشودة، بمعنى أن التخطيط
الإستراتيجي أصبح ضرورة ماسة في العمل الإسلامي لتكتيل الجهود وتصويبها نحو الهدف،
فإذا كانت مصانع الأغذية تعتمد التخطيط في عملها.. فكيف بمشاريع النهضة؟! ولعل
تجربة العمل الصهيوني شاهد ماثل على قدرة التخطيط والمهارة في إدارة التنوع
والتناقضات للوصول للأهداف الكلية والحكمة ضالة المؤمن.
وكون الظاهرة الإسلامية هي العمود الفقري في مشروع التغيير؛ فهذا
يحملها أعباء القوة القائدة، ولأن المشهد الذي تعمل فيه شديد التعقيد بمركباته
الثقافية والاجتماعية والسياسية؛ فنحتاج قوى الظاهرة لصياغة خطاب تجميعي يعتمد
التنوع في الخطاب والشراكة في الأداء بين كافة القوى في الفضاءات الاجتماعية
والثقافية والسياسية.
الظاهرة الإسلامية بحاجة إلى
إيناس الفئات المتوجسة من خطابها ومشروعها، وعليها ألا تكل من طرح التطمينات لهذه الفئات
والتعاون معها ودعوتها لبناء المقاربات التشاركية، بل يتعين عليها أن تشرك هذه
الفئات في مشروعها، وتتوافق مع القوة المؤثرة فيها على قواسم عمل مشتركة وتتبادل
أو تتكاتف معها أدوار العمل حسب القدرة والحاجة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل