; الظاهرة الاستشهادية وثقافة الجهاد في فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان الظاهرة الاستشهادية وثقافة الجهاد في فلسطين

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 16-مارس-2002

مشاهدات 131

نشر في العدد 1492

نشر في الصفحة 24

السبت 16-مارس-2002

 الغريب أن المُستشهد يُعتبر عند بعض الحكومات العربية إرهابيًا.. وهي صفة أشد إيلامًا من وصف المنتحر.

كنت أظن أن الفرق بين الاستشهاد في سبيل الحق -الذي يفترق افتراقًا بينًا عن الانتحار- أمر بدهي لا يختلف عليه اثنان، ولذلك أفزعني حرص الصهاينة في البداية على زعم أن هذه العمليات الاستشهادية هي عمليات انتحارية، وأن يستكتب بعض الأقلام الإسلامية لتأكيد هذا المعنى، فيذيع الشك في شرعية هذه العمليات أصلًا.

ومما زاد البلبلة والاضطراب، ما أدلى به شيخ الأزهر من أن المدني في كل من فلسطين و«إسرائيل» مهما كانت جنسيته، يتمتع بحصانة خاصة، ولا يجوز النيل منه تحت أية ذريعة، وإن عاد الرجل وأكد صفة الشهادة لمن يقوم بهذا العمل.

ثم ظهرت عقبة ثانية لا تقل إحباطًا عن السابقة، وهي إقدام عدد من الحكومات العربية بما فيها السلطة الفلسطينية على إدانة هذه العمليات، ومفهوم أن دافع الإدانة هو ألا تسجل هذه الحكومات اعترافًا رسميًا بشرعية قتل المدنيين، ولم يغير من ذلك أن هذه العمليات وجهت إلى العسكريين الصهاينة؛ علمًا بأن التمييز بين المدني والعسكري ليس ورادًا إلا في صراع مسلح شبه متكافئ، وفي ميادين القتال، ومع عدو يفهم هذا التمييز ودواعيه، وفي حالة طرف لديه من الأدوات والوسائل ما يمكنه من التأثير على قوة العدو، دون حاجة إلى الاستشهاد أو استهداف المدنيين.

يُضاف إلى ما تقدم، أن المدني الإسرائيلي لا يختلف عن العسكري الصهيوني، فكلاهما طرف في مشروع صهيوني، ويعمل لنصرته، كما أن المدني هو مصدر الشرعية المتزايد لشارون وسياساته، وبصرف النظر عن أن بعض الضباط الاحتياط قد أعلنوا ما يجب أن تستمع إليه حكومة شارون، بأنهم لن يشتركوا في عمليات في الأراضي الفلسطينية، ولن يشاركوا في إذلال شعب بأكمله.

ثم ظهرت عقبة ثالثة تطور إليها الموقف المحيط بالشعب الفلسطيني، وتتمثل في أن الاستشهاد والمنظمات المشجعة له والداعمة لمسلكه أصبح في المذهب الإسرائيلي -ثم الأمريكي والأوروبي، وأخبرًا العربي، ولو على استحياء- عملًا إرهابيًا يتعين وقفه وتعقب المسؤولين عنه، وتفكيك المنظمات الفدائية وتجميد أرصدتها وتجفيف منابع الدعم المادي لها، ووقف الدعم المعنوي لمنطقها ومسارها، بما في ذلك قرارات القمة العربية المؤيدة للانتفاضة، والتي لم تحدد بشكل خاص العمليات الاستشهادية.

فإذا كانت العمليات الاستشهادية -عندنا- عملًا من أعمال المقاومة المشروعة، حتى لو ارتكبت ضد السكان المدنيين -مادامت إسرائيل والمستعمرون الصهاينة يستهدفون المدنيين الفلسطينيين ولا يقيمون وزنًا لأرواح البشر- فإنه من المفيد أن نعالج الفوارق الحاسمة بين الاستشهاد والانتحار في هذا المقام:

فمن ناحية أولى، ومن الناحية الشرعية والقانونية، لا مناص من التأكيد على أن المستشهد له مكانته الخاصة في الدنيا والدين، وهو بنص القرآن الكريم حي عند ربه يجري عليه رزقه، ولكن المستشهد في القانون يعامل معاملة الميت من حيث الآثار القانونية المترتبة على الموت في مجالات التركة والآثار الاجتماعية وغيرها، فضلًا عما تلحق سيرته من التكريم والإعزاز الوطني، على أساس أن الشهداء هم الصف الأول المدافع عن قضية عامة في الأغلب الأعم.

وعلى الجانب الآخر، فإن المنتحر يظل مذمومًا في مجتمعه؛ ما دام قد تحدى إرادة الله وقرر أن الموت بيده وليس بيد الله، وما دام قد تمرد على قدرة الله، وقرر الخلاص من الدنيا بأسرها ناقمًا عليها، راغبًا في التخلص منها، مُدعيًا أنه تحرر من قيود الحياة وعبوديتها له، غير أن المنتحر الذي يثور اللبس حول ظروف انتحاره، وما لم يقرر هو بنفسه أنه مات منتحرًا، لم تجرؤ التشريعات البشرية على أن تعامله معاملة خاصة في الأغلب الأعم من التشريعات، غير أن المنتحر مادام خارجًا على مقتضى الدين وتعاليمه، فقد جفلت التشريعات عن محاسبته واعتباره في حكم المرتد، بحيث تنطبق عليه قانونيًا آثار الارتداد، وترك محاسبته لله وحده الذي يعلم ما توسوس به النفوس.

والغريب أن المستشهد يعتبر عند بعض الحكومات العربية إرهابيًا، وهي صفة أشد إيلامًا من وصف المنتحر، لأن المستشهد ينال من سلامة أرواح أو أجسام المستهدفين بالعمل الاستشهادي، بينما المنتحر لا يضر أحدًا ولا يوجه عمله ضد أحد، مما يدل على أن مركز المستشهد عند هذه الحكومات أسوأ بكثير من مركز المنتحر.

غير أننا يجب أن نشير من ناحية ثانية، إلى أن نفسية المنتحر تختلف اختلافًا فارقًا عن نفسية المستشهد، فالأول مصاب بالإحباط، مريض نفسيًا، كارة للحياة ومظاهرها، مدبر عنها، أما الثاني: فهو سليم معافى، ينبض بالحياة، لا يفر من الحياة، وإنما يسخرها لخدمة قضية لها في ميزان الشرع حقها وحظها من التقدير، فهو يفر من الدنيا إلى الآخرة، وهو يستجيب لنداء الله سبحانه في القرآن الكريم، ﴿إِنَّ اللّهَ اشْترَى مِنَ الْمُؤْمِنين أُنفسهمْ وَأَمْوالَهُم بأنَّ لَهُم الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجيلِ وَالْقُرآنِ﴾ (التوبة: ١١١)، فهو واثق من وعد الله، ولذلك قرر أن يبيع نفسه لله، وليس للشيطان كما يفعل المنتحر الذي يخسر الدنيا والآخرة بعمله.

وفي ضوء ذلك يبدو لنا أن المستشهد الذي يقرر الخروج في سبيل الله يخرج حينذاك من الدنيا حتى قبل استشهاده، ويرى الجنة رأي العين، كما ثبت في الأثر، فهو لا يرى أمامه سوى هذه النهاية، ويستعذب في سبيلها كل الصعاب.

والخلاصة: أن المنتحر والمستشهد يفترقان. الأول: مذموم مصيره النار، والآخر: محمود يمثل قيمة عليا في أي مجتمع، ومصيره الجنة كما وُعد، وهو حي عند ربه كما ورد في القرآن الكريم، ولكن الذي أثار اللبس وشبهة التماثل -كما زعمت إسرائيل- وغاب عمن ذكرنا في صدر المقال أمران:

الأمر الأول: أن الاثنين يخرجان من الدنيا بالموت.

والأمر الثاني: أن كلًا منهما مسؤول عن إزهاق روحه، ولكن الفوارق الدينية والسياسية والاجتماعية والنفسية على النحو السابق توضيح أن لا علاقة بين الاثنين، وأن ما يجمع بينهما لا يسري بينهما أو يصلح حتى للمقارنة بينهما.

والحق أن الاستشهاد يثير حمية الوطنية ونخوة الجهاد، ويقدم نموذجًا ومثلًا يحتذى بين الشباب، وأعظم درجات الشهادة الموت في سبيل كرامة الوطن والدفاع عن الدين، فلا شك أن طابور الشهداء الفلسطينيين الذين سجلوا ظاهرة جديدة في تاريخ النضال من أجل الحرية، في ظروف بالغة السوء، سيظل علامة مضيئة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية.

ودلالة الشهادة في فلسطين أن الشعب يتمسك بأرضه وكرامته في مواجهة الغصب، وهذه الدلالة مهمة من زاوية أخرى، حيث تشير إلى أيهما أولى بالأرض، رغم التفاوت الهائل بين قرارات الطرفين: الفلسطيني الذي وضع في ظروف بالغة البؤس والضعف مقابل الطرف الإسرائيلي الذي يلقى مساندة أقوى قوى العالم.

وقد سجلت انتفاضة الأقصى ظاهرة الشهادة متفردة في تاريخ الصراع، وهذه الظاهرة لو قُدر لها الاستمرار، فسوف تكون سلاحًا ناجعًا ومصدرًا لإفزاع إسرائيل، وإشعار الصهاينة بأن أمنهم لا يمكن أن يقوم على إبادة الشعب الفلسطيني.

وقد يكون سبب اللبس بين الاستشهاد والانتحار راجعًا إلى: الإطار الثقافي والانتماء إلى ثقافات تنظر إلى الموت من أحد الطريقين نظرة واحدة مادام الموت نهاية للحياة، بصرف النظر عن القضية، أو الطريقة التي لابست هذا الموت.

فالثابت لدى كل الثقافات ذات الخلفيات الدينية أن الموت دون الوطن أو دفاعًا عن حق أو قضية نبيلة يعني الشهادة تمامًا مثلما مات البعض لمجرد انتمائهم إلى دين معين على النحو الذي نراه في التطهير العرقي لأسباب دينية في البوسنة وكوسوفا، وكذلك شهداء الاضطهاد الديني على مر العصور، ومثلهم شهداء الحركات الوطنية الذين ماتوا وهم يدافعون عن حقوق شعوبهم في الحياة الحرة الكريمة.

ومعنى ذلك أن مفهوم الشهادة قد ينبثق من أصل ديني، كما قد يستند إلى أسباب غير دينية، لكنها على الجملة تميز بين المستشهد والمنتحر الذي يتخلص من حياته هروبًا من مواجهة الواقع ويأسًا من رحمة الله وتحديًا لقدره وحكمه في خلقه.

وقد اعترف الكثيرون ممن تأملوا ظاهرة استشهاد الفلسطينيين أن هذا المسلك له أسباب سياسية أيضًا أهمها: الاحتجاج على العجز في مواجهة الظلم، والإجحاف والبطش الإسرائيلي والإذلال اليومي للشعب الفلسطيني.

الاستشهاد خلاف «الكاميكاز»

كما لاحظ المراقبون أن هذا هو نفس سلوك اليابانيين الذين ألقوا بأنفسهم على الآليات الأمريكية، وهذا يختلف عن أسلوب الكاميكاز الذين عبروا عن احتجاجهم على استسلام اليابان للولايات المتحدة والانصياع لسياسة الإذلال والتهذيب التي فرضتها واشنطن وطبقها الجنرال ماك أرثر.

وبهذه المناسبة، فمن الظلم أن يتم تشبيه الكاميكاز الياباني في وسائل الإعلام بالاستشهاد الفلسطيني، بحيث استخدم لفظ كاميكاز للدلالة على الاستشهاد، ولم يعتن الإعلام العربي والإسلامي ببيان الفارق في البعد الثقافي والمعرفي بين الاستشهاد والكاميكاز- وهو انتحار بكل معنى الكلمة، لأنه إقدام الإنسان على قتل نفسه بطريقة معينة صارت علمًا على حالة الانتحار ذاتها، احتجاجًا على موقف حكومته ويأسًا من القدرة على تعديله، ويلحق بهذه الحالة القتل الإشفاقي الذي أباحته بعض التشريعات الأوروبية للمريض الذي لا يُرجى برؤه ويشق عليه وعلى ذويه استمرار مرض لا شفاء منه، فكلاهما: الكاميكاز، والقتل الإشفاقي، انتحار لا يلتقي أبدا مع نيل الشهادة وعظم قدرها.

مشاهد ثلاثة من فلسطين

من مشاهد البطولة والفداء التي نراها تتجدد كل يوم على ثرى فلسطين الجريحة، حيث تهز المرء مواقف وكلمات، تكاد تقتلعه اقتلاعًا، وليتها تفعل، لتنزعه من تشبثه بالطين وترفعه نحو عمل يرجو الله أن يرفعه به أعلى عليين، كما ندعو لأبطال فلسطين أن ينالوا من رب العالمين:

المشهد الأول لحسين أبو كويك أحد مجاهدي حماس في الضفة الغربية والذي قصفت مروحية صهيونية سيارته، لكنه لم يكن فيها، بل كانت فيها زوجه وأبناؤه الثلاثة: محمد وعزيزة وبراءة فقتلت الأم وأبناءها كما قتلت رجلًا آخر وابنه. حسن وقف جلدًا صابرًا محتسبًا وقال: الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم.

المشهد الثاني كان في مدينة طولكرم، شمال الضفة الغربية، حيث شيع جثمان الشاب عمر حسين نمر قعدان «٢٥ عامًا».

كان قعدان قتل في المنطقة الصناعية في بلدة بيتونيا إثر قيام مروحية صهيونية بقصف السيارة التي كان يستقلها، مما أدى إلى استشهاد ثلاثة فلسطينيين من المطلوبين لقوات الاحتلال، من بينهم مهند أبو الحلاوة أحد قياديي كتائب شهداء الأقصى، وفوزي مرار من أفراد القوة ١٧، وعمر قعدان الذي يعمل أيضًا في صفوف القوة ١٧ ومن عناصر كتائب شهداء الأقصى. كان عمر على موعد للزفاف في اليوم التالي لمقتله، ومع ذلك لم يمنعه الزواج من القيام بواجبه في المقاومة. وحين انطلق موكب التشييع من مستشفى طولكرم باتجاه بلدة الشهيد شمال طولكرم، كان جسده ملفوفًا بالعلم الفلسطيني وببدلة الزفاف التي اشتراها استعدادًا لحفل زفافه الذي لم يتم، نسأل الله أن يزوجه من الحور العين في الجنة.

المشهد الثالث كان لسيدة فلسطينية فقدت اثنين من أبنائها فقالت: إذا كنت قد فقدت أبني ولم أعد أضمهما إلى صدري، فعزائي أن أرض فلسطين تضمهما وهي أم جميع الفلسطينيين.

ما شاء الله.. لقد حفظ التاريخ مقولة الخنساء قرونًا عدة حين صبرت واحتسبت وقالت حين بلغها مقتل أبنائها في معركة واحدة: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم جميعًا، وفي أيام التقاعس والنكوص التي نعيشها من المهم أن نقدم للناس نماذج لخنساء جديدة، عسى أن نرتفع ولو قليلًا عن الطين الذي تحول وحلًا نكاد نغرق فيه.

الرابط المختصر :