العنوان الافتتاحية- الطواف بالبيت الأبيض!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
مشاهدات 66
نشر في العدد 738
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
يُكثر أصدقاء
البيت الأبيض الأمريكي من الزعماء العرب في هذه الأيام هجومهم على السياسة
الأمريكية الخارجية وموقفها من القضية الفلسطينية، ومسألة مصالحة الأنظمة العربية
مع نظام الكيان اليهودي في فلسطين المحتلة.
فبعض هؤلاء أكد
مرارًا أن الولايات المتحدة لم تثبت أية مصداقية حتى الآن في موقفها من أصدقائها
في المنطقة العربية. وبعض آخر من أصدقاء الولايات المتحدة يتهم البيت الأبيض بأنه
ليس أكثر من غرفة عمليات تديرها الوكالة الصهيونية. وحكام آخرون أعلنوا أن
الولايات المتحدة تشترك في لعبة مع الاتحاد السوفياتي ضد هذه الأمة وضد شعوب
العالم الثالث.
أما إذا كانت
العواصم العربية ذات علاقة متميزة مع أمريكا والغرب عمومًا- كإذاعات مصر وتونس
والمغرب والأردن وغيرها- فإنها تصر اليوم من خلال تعليقاتها الرسمية على اتهام
الولايات المتحدة بالتحيز الكامل للطرف اليهودي.
ومع كل هذه
التصريحات التي تشخص أحيانًا توظيف القدرات الأمريكية لمصلحة العدو الإسرائيلي..
فإن العجب يأخذ بتلابيب الشعوب عندما تشاهد تنافس أصدقاء أمريكا من العرب على
الالتصاق بها، فما هي قصة هذا اللصوق لدى أصدقاء الأمريكان بالبيت الأبيض؟
وللإجابة على
هذا السؤال لا بد من الإلمام بالبداية عندما دخلت أمريكا معترك التنافس الاستعماري
عام ١٩٤٥ في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وقد سلكت الولايات المتحدة مسالك شتى
في استعمار المنطقة العربية وغيرها من دول العالم الثالث. فكانت تشتري العملاء
بالمال في صفوف العسكر ومراكز القوى الحزبية في الشارع السياسي العربي.. لتدفع من
ثم بهؤلاء العملاء الخُلّص إلى السلطة عبر انقلابات عسكرية، بدأتها عام ١٩٤٩ في
سورية بانقلاب حسني الزعيم، الذي تبعته سلسلة من الانقلابات العسكرية في معظم
البلاد العربية، وقد تفوقت الولايات المتحدة على منافسيها الاستعماريين في صنع
نماذج ثورية، كعبد الناصر في مصر وعبد الكريم قاسم في العراق وجعفر نميري في
السودان، وغيرهم من الزعماء الثوريين.
لقد رتبت أمريكا
أوضاع أصدقائها على أسس تضمن عدم انفلاتهم من بين أصابعها، ومن تلك:
1- القدرة على هز أصدقائها من الحكام في الوقت
المناسب. وقد قدمت أمريكا لأصدقائها من حكام العالم نماذج متعددة، فأطاحت بحاكم
كشاه إیران بعد أن ضمت عملاء جددًا دستهم في صفوف الثائرين على الشاه، وذلك كما
ثبت في وثائق السفارة الأمريكية في طهران، بعد أن احتلها الطلاب وكشفوا أوراق ثوري
قيادي كبير هو صادق قطب زاده، الذي ساهم مساهمة فعالة في إسقاط الشاه لأنه عميل
أمريكي، ومعروف أن قطب زاده وهو أحد أصدقاء أمريكا تسلم أكثر الأجهزة حساسية في
إيران بعد الثورة.. إلى أن قتلته الصداقة الأمريكية في مسألة غامضة. وأمريكا عندما
تفعل ذلك بهذه النماذج العميلة أمام أصدقائها من حكام العالم، فإنها تعطي بذلك
الدرس اللازم للأصدقاء، وينسحب هذا الدرس على أمثال كل من العميل سوموزا والصديق
جعفر نميري مؤخرًا.. وهو الذي وضع كل أوراقه في سلال البيت الأبيض.. ومع ذلك فإنه
لم يستطع العودة إلى بلاده لأن الولايات المتحدة لم تعد راغبة به.
إن البيت الأبيض
الذي يعامل أصدقاءه بهذه الطريقة يجعل هاجس الخوف ملازمًا لجميع الأصدقاء؛ الأمر
الذي يدعو هؤلاء بالتالي إلى مبايعة مطلقة للأمريكان، وذلك خوفًا من مصائر غير
محسوبة كمصير الشاه وسوموزا ونميري.
۲- ربط
بعض مراكز قوى الأحزاب والتجمعات السياسية وضمنها أحزاب المعارضة بأجهزة
الاستخبارات الأمريكية؛ وذلك لتحريك هذه القوى الحزبية في أي وقت يراه البيت
الأبيض مناسبًا. وهذه الحقيقة برزت في كثير من بلدان العالم الثالث حيث هددت
الولايات المتحدة أصدقاءها بمعارضيهم وأسقطتهم مستبدلة الصديق بآخر.. تاركة هاجس
القلق في نفوس جميع أصدقائها.. ليزدادوا التصاقًا بها وبسياستها رغم كل أفاعيلها
بهم وبشعوبهم.
على أن المنطقة
العربية التي تشهد هذا التعامل الأمريكي مع أصدقاء البيت الأبيض تعاني من هذه
السياسة.. ولعل معظم المعاناة العربية المعاصرة تعود إلى سياسة الأمريكان مع
أصدقائهم في المنطقة.
ولكن...
لماذا لا يفكر
الخائفون على مواقعهم بحل جذري يخلصهم من الأفعوان الأمريكي وخطره عليهم وعلى
شعوبهم؟
لقد ثبت للجميع
أن الولايات المتحدة قد تصنع البطولات الوهمية من بعض أصدقائها، لكنها توقعهم في
مصيدة الموت في الوقت الذي تريد أن تتخلص منهم.. وإذا كان الأمر كذلك.. لماذا لا
يفكر الخائفون غدر الصديق الأمريكي بالانعتاق الأبدي منه؟
إن الشعوب هي
القوة الحقيقية التي يمكن لها أن تحمي الحاكم المخلص.. وإن إخلاص الحاكم لشعبه
ولقضيته ولدينه هو ما يزكيه لدى شعبه ويحمل مواطنيه على أن يفدوه بأرواحهم.
فهل يفكر أصدقاء
أمريكا بالانعتاق من الأفعوان القاتل في أمريكا؟ وهل يكف هؤلاء عن الطواف بالبيت
الأبيض الذي ثبت للجميع أنه بيت من بيوت الشيطان؟ هذا ما نأمله.