العنوان الطفولة المدمرة في فرنسا
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1994
مشاهدات 107
نشر في العدد 1130
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 20-ديسمبر-1994
● 50 ألف حالة
سوء معاملة للأطفال و600 حالة وفاة
● الأطفال
في فرنسا يقضون أمام التلفزيون 1200 ساعة سنويا بينما لا يقضون في المدارس سوى 900
ساعة
● التفكك الأسري
وما يبثه التلفزيون له دوره التدميري على حياة الأطفال في الغرب
الطفل في الغرب بضاعة نادرة ومحل اهتمام خاص في
الظاهر، لكن الوجه الآخر المتمثل في الطفولة المدمرة قلما يثار كإشكالية قائمة
ومتفاقمة، وفي أوروبا وبالتحديد في فرنسا، يعاني قسم هام من الأطفال مآسي مؤلمة
تعبر عن أزمة المجتمع وفقدان المرجعية واختلال التوازن في النسيج الفكري
والاجتماعي.
ظاهرة متفاقمة
ومن مؤشرات تفاقم ظاهرة الطفولة المدمرة كثرة
الجمعيات والمنظمات المدافعة عن حقوق الطفل والمهتمة بقضاياه على المستوى الرسمي
والخاص. ومن بين المنظمات الرسمية "معهد الطفولة والعائلة"،
و"المساعدة الاجتماعية للطفولة"، و"المرصد الوطني للعمل الاجتماعي
اللامركزي" والإدارة على مستوى المحافظة للتضامن والعمل الاجتماعي المهتمة
بالطفولة في حالة الخطر، والقائمة بمهمة منظمة المساعدة الاجتماعية للطفولة التي
خصصت لها ميزانية تفوق 18 مليار فرنك وتتصرف على ضوء قانون الأسرة والمساعدة
الاجتماعية.
إلى جانب ذلك تم سن قوانين للحد من هذه الظاهرة ومن
أهمها قانون 10 يوليو 1989م، المعروف بقانون "دولهاك" والخاص بالوقاية
من سوء معاملة الأحداث دون سن الرشد ورعاية الطفولة.
كما تم إحداث ما يسمى بـ"المصلحة الوطنية
للاستقبال الهاتفي الخاص بالطفولة التي يساء معاملتها".. وهذه التجربة مستقاة
من التجربة الإيطالية حيث يوجد ما يعرف بـ الهاتف الأزرق، وانطلقت في عهد وزيرة
العائلة "دولهاك" عام 1989م.
وعلى رأس المشاكل التي تعاني منها الطفولة في فرنسا
سوء المعاملة، وتشهد بذلك ارتفاع عدد المكالمات الهاتفية لأطفال وكبار يحتفظون
بهويتهم، ويرى مسؤولو أهم جمعية مهتمة بهذا الموضوع أن المكالمات في ازدياد و61%
منها مختصرة، وتتفق جل الإحصائيات على حالات سوء المعاملة تقارب 50 ألف حالة
والمعدل هو 5 على كل 10 آلاف طفل وهناك ما بين 400 و600 حالة وفاة بسبب سوء
المعاملة أي بمعدل طفلين كل يوم.
التعنيف في المحيط الأسري
وتعتبر حالة التعنيف والضرب المبرح من المظاهر اللافتة
للانتباه، وذهب بعض الخبراء إلى أن المسألة مرتبطة بعقلية فرنسية متغلغلة. وتقول
صحيفة لوموند التربية، في يونيو 1991م إن العنف مع الأطفال عادة في فرنسا، وذكرت
بأن القانون الذي يعطي للأبوين الحق بتأديب أبنائهما لم يتم إيقافه إلا عام 1934م،
وهذا القانون كان يسمح لأحد الوالدين تأديب ابنه أو ابنته بسجنه شهرا كاملا إذا
كان أقل من 16 سنة، ومن شهر إلى 6 أشهر إذا كان أقل من 21 سنة.
وأمام تفاقم ظاهرة التعنيف وسوء المعاملة نظمت
الإدارة الفرنسية بإشراف وزيرة الشؤون الاجتماعية والتضامن الوطني "جورجينا
دي فوا" حملة عام 1985م تحت شعار "التحدث بشأن ظاهرة سوء المعاملة هو
نوع من التحرك ورد الفعل". وتؤكد بعض الإحصائيات خطورة المسألة بالنظر إلى
صغر سن الأطفال المتعرضين للتعنيف؛ هذه الإحصائيات تشير إلى أن 10% منهم أقل من
سنة، و28% من سنة إلى خمس سنوات و20% من 5 إلى 12 سنة.
المجلة الطبية "جينير الست"، عدد 1020
قدمت إحصائية جاء فيها أن 40% من الأطفال الذين تساء معاملتهم رضع وأقل من سنة و80%
أقل من 3 سنوات.
وهذه بعض الشهادات التي تناقلتها وسائل الإعلام
الفرنسية:
- البنت
لوتيسيا (4) سنوات ماتت جوعا بسبب إهمال والديها لرعايتها.
- الطفل
فريديرك "سنتان ونصف" ضرب وأحرق حتى الموت بحمام ساخن.
- الطفل
جيروم (14) شهرا ضرب وأحرق بولاعة سجائر- المسؤول عن ذلك والده المخمور.
- الكسندرا
(8) سنوات تتم تربيتها باللكم والضرب بمفك براغي ووثاق الكلب من طرف عشيق
أمها.
- سيفرين
(6) سنوات (معاقة) بعد 4 سنوات من التعنيف.
- كاتي
(7) سنوات وساندرين (5) سنوات عذبتا بالسيجارة من طرف زوج الأم.
- كريستال
(11) سنة تزن 19 كيلو جراما بسبب سوء المعاملة.
- ستيفان
(سنتان) اختنق بحبل حديدي مقيد به عندما حاول فك قيده.
- رافائيل
سُجن حتى كبر في قفص لأنه طفل صعب المراس.
- فريديريك
(11) سنة مريض بمرض لويستاين "وهن العظام" عذبه زوج أمه وأمه، وذهب
إلى مركز الشرطة في مدينة ترينييه حيث يسكن ليشتكي من سوء معاملته، اكتُشف
لديه 17 كسرا لكن لم يتلق معالجة طبية ويزن 20 كلغ، وضع زوج أمه وأمه في
السجن وتحول فريديريك وإخوته الخمسة إلى مركز رعاية للطفولة.
- طفل
رضيع (5) أشهر مات بعد أن أهمل دون أكل أو رعاية.
- رضيع
وجد في سلة المهملات.
طفل الخزانة
والقائمة تطول، وقد صدرت بعض الكتب يروي أصحابها
حالات سوء المعاملة التي تعرضوا لها عند الطفولة والشباب.
ومن الأمثلة المعروفة جيدا قصة دافيد بيتون، الذي
أطلقت عليه الصحافة اسم «طفل الخزانة»، دافيد تعرض منذ 4 سنوات من عمره إلى أشد
أنواع التعذيب والتنكيل من طرف أمه وزوجها، حيث تم تقييده مدة سبع سنوات بأشكال
عديدة؛ مرة إلى خرطوم الحمام ومرة إلى سرير أمه، وتعرض للحرق في يديه، ولكن الأدهى
والأمرّ أنه بقي مدة سنة كاملة مغلقا عليه في خزانة حائط لا يرى النور ولم يذهب
إلى المدرسة حيث كان لا يقرأ ولا يكتب ولم يتمكن من الخروج من هذا الجحيم إلا عن
طريق الفرار، وبقي تحت رعاية خاصة من أطباء النفس وأصدر كتابا بعنوان "الطفل
وراء الباب" بمعية طبيبة النفس "إيفا جيلين دي شونان".
كما أن الفتاة كريستين روت في كتاب بعنوان "من
سيرميني بأول حجارة"، الظروف القاسية التي عاشتها بسبب إهمال رعايتها في
صغرها في مسكن تابع لإدارة المساعدة والتضامن الاجتماعيين، فاضطرت إلى الفرار
وسقطت في الزنا والسكر وتعرضت إلى الاغتصاب وحاولت الانتحار.
ويبدو من خلال العديد من الأحداث التي تتناولها
وسائل الإعلام أن المسار الذي شهدته حياة كريستين ليس خاصا بها وحدها، وإنما يكاد
يكون هو المصير نفسه للعديد من الفتيات والشبان الذين تعرضوا لسوء معاملة في فترة
من حياتهم وخاصة طفولتهم.
البيئة الاجتماعية والعنف
لكن مسألة تعنيف الأطفال غير مقتصرة على المحيط
العائلي، فقد تحدث جون كلود دولاري صاحب التقرير عن مظاهر العنف لدى الشباب، أمام
القناة التلفزيونية الإخبارية LCI يوم 15/
8/ 1994م عن هذا الموضوع موضحا بأن مصدر العنف لا يقتصر على الكهول، بل إن هناك عنفا
آخر مصدره الشباب على الأطفال سواء في الطريق أو المدرسة حيث رصدت حالات عديدة من
عمليات السلب التي تعرض لها الأطفال والأحداث من طرف أنداد لهم منحرفين يعمدون إلى
السرقة خاصة من أجل الحصول على ما يحتاجون إليه من المخدرات، إلى حد أن بعض مديري
المدارس ينصحون أولياء الأمور بعدم إكساء أبنائهم لباسا من ثياب الموضة نتيجة لذلك.
وذكر دولاري بأن المشكلة هي أن الأطفال والأحداث لا يريدون في عدة حالات إعلام
الإدارة والسلطات بما حصل لهم نتيجة سوء الثقة بين الشباب والمؤسسات.
وأثار صاحب التقرير موضوعا خطيرا يتعلق بالمخدرات
والعنف وأوضح بأن إيقاف بائعي المخدرات يدفع إلى انتشار ظاهرة تعاطي هذه السموم
تحت الأرض، بما يسبب ارتفاع حالات الإصابة بالإيدز عن طريق تبادل آلات الحقن،
وكذلك بسبب إيقاف البائعين في انتشار ظاهرة الاعتداءات من أجل شراء البضاعة، التي
يقل رواجها، ويشارك في ذلك أحداث قصر، وحذر من تصاعد المافيا، عن طريق مدخل
المخدرات.
كما ركز صاحب التقرير على ضرورة وضع حد لظاهرة
الخوف التي سادت الرأي العام وكذلك قانون الصمت السائد في المجتمع الفرنسي أمام
حالات العنف خاصة العنف الجنسي الذي يتعرض له الأطفال والشباب، لكن الإدارة شريكة
بتسيبها وصمتها حسب رأي دولاري، وذكر حالة اعتدى فيها مدرس على تلامذته جنسيا
وعوقب بأن عين في مدرسة أخرى.
الزنا بين الأقارب
ومسألة الاغتصاب هي الشكل الرئيسي الثاني بعد
التعنيف الذي يدخل في إطار سوء معاملة الأطفال، ومن بين الحالات التي اهتم بها
الرأي العام قضية سيلين الفتاة التي اغتصبت ثم وجدت مقتولة في منطقة «موت دوكاره».
وتعرض طفل (11) سنة يعيش مع أمه "عازبة" في منطقة غرب فرنسا إلى الاعتداء
عليه بالفاحشة من رجال يتعاطون علاقات غرامية مع أمه وبموافقتها.
ولكن القضايا الأكثر إثارة وخطورة ما يتعلق بمسألة
الاعتداءات الجنسية على الأطفال من طرف محيطهم العائلي أو ما يسمى بسفاح القربى أو
الزنا بين الأقارب، وهي ظاهرة منتشرة في الغرب وفي فرنسا أيضا.
وأمام تفاقم هذه الظاهرة ارتفعت الأصوات بضرورة
معاقبة مرتكبيها ونظمت ندوات وملتقيات لدراستها، كمثال على ذلك نظمت المجموعة
المحلية لمنطقة «بروفانس الألب» من أجل العمل وإعلام النساء والعائلات، بمرسيليا
في شباط 1990م، ندوة حول مشاكل الطفولة جاء فيها: إن فرنسا متخلفة عن عدة بلدان في
مجال حماية الأطفال. وتم التركيز خلال الندوة على الزنا بين الأقارب، وحسب فريدريك
غويار مؤسس أحد مراكز رعاية الطفولة في باريس – بأن هذا النوع من الجريمة هو عملية
قتل نفسي وعواقبه وخيمة على المدى القصير أو الطويل مثل السقوط في تجارة الجنس
والانتحار والمخدرات والتشرد والخوف وتكرار التجاوزات للجيل اللاحق.
وعلى ذكر النقطة الأخيرة تبين بالفعل أن الأولياء
أو الأقارب الذين يعتدون على فتيات أو فتيان من محيطهم مروا بدورهم - بالنسبة
لأغلبهم - بأنواع من التجاوزات أو الاعتداءات من نفس الصنف أو ما يشابهها أثناء
طفولتهم أو شبابهم. لكن هناك اتفاق على أن السكْر وكذلك التفكك العائلي، وتوتر
المناخ في العلاقات الأسرية من الأسباب التي تساعد على تفاقم هذه الظاهرة التي لا
تقتصر على الأوساط الفقيرة أو الضعيفة الدخل أو التي تعاني من البطالة كما يتبادر
إلى الذهن عادة، وإنما تتجاوز ذلك إلى الأوساط الغنية، بل اتضح أن هذه الأوساط
تنتشر فيها حالات الزنا بين الأقارب بصفة كبيرة، لكن يتم التعتيم عليها بطرق
مختلفة أهمها شراء الذمم بالمال من أجل أن تدفن القضية.
وتروي الكتب التي تعالج مشاكل الطفولة قصصا مروّعة
عن هذه الجريمة النكراء، من ذلك أن طبيبة مطلقة تعرفت على دبلوماسي ومارست معه
الفاحشة وتقول هذه المثقفة بأن صاحبها أقنعها بإشراك ابنتها "4 سنوات"
في إباحيتهما، وبالفعل تمكن الدبلوماسي من الاعتداء على البنت بحضور أمها.. فتاة
أخرى يختلي بها أبوها في الوقت الذي تكون أمها في العمل وتبقى على هذه الحالة
سنوات عدة دون أن تعلم أمها بذلك، وفتاة ثالثة تذهب إلى القاضي لتشكو اعتداء زوج
أمها عليها فيكذبها القاضي ويرجعها إلى أهلها حيث تتعرض إلى الاعتداءات الجنسية من
جديد إلى أن تفر من البيت وتعيش حياة التشرد.
التلفزيون يبني ويهدم
ويذهب العالم النفسي روناي سالينجار والخبير لدى
محاكم باريس إلى أن العديد من عمليات اغتصاب الأحداث تتم بعد مشاهدة أفلام الجنس
الخليعة.
وتطرح هذه المشكلة تأثير التلفزيون على الطفولة
سواء في مسألة العنف أو الجنس. ففي عملية متابعة لبرامج التلفزيون لمدة أسبوع واحد
أحصت مجلة «لويوان» الفرنسية 670 عملية قتل و15 حالة اغتصاب و20 مشهدا جنسيا و27
مشهد تعذيب. وإذا تم الأخذ بعين الاعتبار الإحصائية التي تقول بأن الأطفال يقضون
1200 ساعة في السنة أمام التلفزيون (معدل 22 ساعة في الأسبوع) مقابل 900 ساعة في
السنة المدرسية، تبين الدور الذي تلعبه شاشة التلفزيون في توجيه عقول الأطفال
والشباب نحو العنف والجنس - دون إنكار الدور الإيجابي التثقيفي والترفيهي - ولكن
ما يبنى في هذا الجانب يهدم من الجانب الآخر.
وقد ارتفعت أصوات عديدة للحد من العنف التلفزيوني
مثل السيدة روايال النائبة في البرلمان والباحثة في المعهد الوطني للبحوث العلمية
ليليان لورسا التي كتبت كتابا بعنوان: «الطفل أمام المظاهر التلفزيونية»، بناء على
تحقيق عمیق استنتجت من خلاله أن الأطفال من سنتين إلى 7 سنوات يتعلقون بالصور
الغريبة والسخيفة، وترى بأن العنف بجرعة قوية يقود المشاهد إلى التنفيذ. ومنع
المجلس الأعلى السمعي والبصري، "مؤسسة مراقبة البرامج الإذاعية والتلفزيونية"
في مايو 1991م، بعض الصور العنيفة من الأفلام المتحركة Super
Boy Dragon Ba علما بأن فرنسا هي
المستورد الأوروبي الأول للصور المتحركة اليابانية (21%) مقابل 36% من المستوردات
الأمريكية كما جاء في لوموند للتربية، في سبتمبر أيلول 1991م.
من جهته يرى كزافيه كوتير - مسؤول وحدة الشباب في
إحدى القنوات التلفزيونية سابقا - بأن الخطر في التلفزة الحالية ليس في جعل
الأطفال عنيفين، وإنما في جعلهم جامدين وفي حالة من الغياب أو الغيبوبة، وهذا
الأخطر في نظره. لكن يبقى الحوار والجدل كبيرا حول دور التلفزة وتأثيرها على
الأطفال بين مؤيد قوي مثل فرانسو ماربيه، صاحب کتاب "دعوهم يشاهدون التلفزيون"،
متعللا بأن المدرسة هي التي يجب أن تكون الحصن الأول والأهم لثقافة الطفل ويجب
التركيز عليها وعدم إسقاط أزمة المجتمع على التلفزيون، وبين معارض مثل العديد من
الأولياء والشباب المتفوقين في دراستهم الذين يعتبرون البرامج التلفزيونية هزيلة.
بيد أن الإشكال يبقى مطروحا خاصة بالنسبة لأبناء
المسلمين المقيمين في فرنسا وكذلك لعدد من الفرنسيين المحافظين؛ ذلك أن عصر الصورة
تم توظيفه بشكل كبير في البلاد الغربية نحو تمييع المجتمعات أو تهميش دورها
الريادي في التغيير والطفولة هي بالدرجة الأولى لضعف ملكة التمييز في صفوفها.
وبالرغم من الجهد الذي يبذله الأولياء الواعون بأهمية التربية النظيفة، يظهر أن
التيار التغريبي هو السائد ويهدد الأجيال اللاحقة خاصة بالنظر إلى فلسفة الاندماج
عبر المدرسة أو الثقافة التلفزيونية أو غيرها التي تنتهجها الإدارة الفرنسية في
عملية صهر كل الفوارق الاجتماعية والثقافية في نمط غربي موحد وقوالب مرجعية معينة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل