العنوان الطاعون.. الموت الأسود
الكاتب د. عادل الزايد
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1994
مشاهدات 65
نشر في العدد 1120
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 11-أكتوبر-1994
كان الأطباء ولأسابيع قليلة مضت يعتبرونه شيئًا من الماضي، يدرس في
كليات الطب للتدليل على أن التخلص من هذا المرض هو أحد انتصارات الطب في مراحل
تقدم هذا العلم، وفجأة ودون مقدمات يحل ذلك المرض ضيفًا ثقيلًا على العالم، تناقلت
أخباره كافة وسائل الإعلام، وانتظرها الجميع بخوف ورهبة، كيف لا وهذا المرض يعيد
إلى أذهان كبار السن تلك الصور المأساوية التي ما زالت تعشش في أذهانهم منذ الصغر
عندما داهم هذا المرض بلدتهم فصرع الأخ والأب والجيران، بل إنه أيضًا لم يترك
الصغار من الأصدقاء والأحبة، كيف لا يثير هذا المرض الرعب وعودته تعني للأطباء
هزيمة جديدة في معركة الصراع مع الأمراض؟ ولم لا يثير أيضًا الرعب عند الشباب
والأطفال وهم يرون صور قتلاه وقد اتشحت بالسواد عبر كافة وسائل الإعلام؟
لم يكن ذلك المرض سوى الطاعون أو الموت الأسود الذي داهم الهند
مبتدئًا بذلك حلقة جديدة من حلقات وباء الطاعون الذي عرف على مر التاريخ.
ويبقى السؤال: ما هو الطاعون؟ وما هي حكايته مع البشرية؟ ولكي نجيب
على هذا التساؤل كانت هذه الرحلة:
تاريخ الطاعون
ليس معلومًا على وجه التحديد الموطن الأصلي لهذا المرض ولا بداية
ظهوره، ولكن يعتقد أنه في وقت ما وقبل مئات السنين كانت تجمعات من الفئران الحاملة
والمصابة بالمرض في شمال الهند وراء ظهور المرض لأول مرة بين البشر، وبما أن
التجارة كانت مزدهرة في تلك البلاد في ذلك الوقت وأن قوافل التجار كانت دائمًا
متواجدة في الهند لما كان يذخر به هذا البلد من أطيب الصناعات وأجودها، فعن طريق
هذه القوافل انتقل المرض إلى الشرق الأوسط والصين، ولكنه لم يظهر بصورة وبائية في
الصين إلا بعد عام 1330م.
وعن طريق جيوش المغول والتجار الصينيين انتقل المرض إلى ما يعرف اليوم
بالجمهوريات الروسية وأوروبا، والوباء الذي أصاب أوروبا كان أسوأ وباء عرف في
تاريخ الطاعون حيث حصد ما يزيد على 25 مليون من القتلى من النساء والرجال، في حين
أن الحرب العالمية الأولى لم تحصد أكثر من 8.5 مليون قتيل.
ومنذ ذلك الوقت أخذ الطاعون يظهر بين فترة وأخرى في دول أوروبا
المختلفة مخلفًا وراءه الرعب والموت، وبقي الحال كذلك حتى بدايات القرن الثامن عشر
عندما اختفى هذا المرض فجأة من أوروبا دون أن يستطيع العلماء وإلى هذا اليوم أن
يجدوا تفسيرًا علميًّا واحدًا لهذا الاختفاء المفاجئ.
واختفاؤه من أوروبا لا يعني أنه اختفى من العالم، بل إن وباء الطاعون
ظل يضرب دولًا مختلفة من العالم مثل تركيا، ومصر، واليونان والشرق الأوسط، بل إنه
في عام 1855م، وعلى وجه التحديد عصف وباء خطير بالصين، وظل هذا الوباء متوقدًا
ويزحف من بلد إلى آخر، فأصاب روسيا عام 1878م، واستمر في زحفه إلى أن وصل إلى
موانئ هونج كونج في عام 1894م، وكما يقول العرب: رب ضارة نافعة، فكان هذا الوباء
الذي عصف بهونج كونج هو السبب -بفضل الله تعالى- في اكتشاف البكتيريا المسببة لهذا
المرض عن طريق العالمين ألكسندر يرسين وشيباسابورو كيتاساتو كل على حدة، وهي
البكتيريا المعروفة باسم: "Yersinia Pestis". وهكذا أصبحت
هونج كونج ليس فقط مصدرًا لتصدير هذا الاكتشاف الجديد، بل أصبحت مركزًا لتوزيع هذا
المرض إلى العالم بأسره عن طريق السفن التي ترسو في موانئها فتحمل الفئران المصابة
بالمرض مع تحميلها للبضائع.
ومن هذا انتقل المرض إلى أمريكا الشمالية والجنوبية وجنوب إفريقيا إلى
دول لم تعرف هذا الموت الأسود من قبل، وباستثناء أستراليا، فالفئران تعتبر المخزن
الرئيسي لهذا المرض أصبحت متواجدة في كافة قارات العالم إن لم يكن كافة الدول.
ولم يتمكن الإنسان من تحقيق شيء من التقدم في مواجهة ذلك الإعصار
المسمى بالطاعون حتى بدايات القرن العشرين عندما تقدمت طرق التخلص من النفايات،
واستحداث نظم صرف المجاري الحديثة، فأدى ذلك -بعد فضل الله- إلى تقليص أعداد
الفئران المسببة للمرض، فبدأ يختفي هذا المرض شيئًا فشيئًا من العالم حتى كان شهر
سبتمبر من عام 1994م، وإذا بالموت الأسود يعود ليسجل لنفسه مكانًا جديدًا في
التاريخ.
ما هو الطاعون؟!
كما عرفنا من خلال العرض التاريخي للمرض فإن الطاعون مرض بكتيري تسببه
البكتيريا المعروفة باسم "Yersinia Pestis" والتي اكتشفت
في أواخر القرن التاسع عشر عندما أصاب المرض هونج كونج.
المرض في أصله هو مرض يصيب الفئران، ولكنه ينتقل إلى البشر عن طريق
قرص البراغيث التي تكون في الأساس قد تغذت على دم فأر مصاب بالمرض، وهكذا تنتقل
البكتيريا المسببة للمرض إلى الإنسان فتؤدي إلى إصابته بمرض الطاعون، وبالتحديد
بمرض طاعون الغدد اللمفاوية "Bubonic Plague". وتحتاج
البكتيريا من عدة ساعات إلى عدة أيام حتى يبدأ ظهور أعراض المرض على الإنسان بعد
أن يتعرض لقرصة برغوث ملوث بدم فأر مصاب، وتتلخص أعراض مرض طاعون الغدد الليمفاوية
في التالي:
1- حرارة
مرتفعة جدًّا.
2- تضخم
في الغدد الليمفاوية.
3- طفح
جلدي.
4- تغير
في قراءة ضغط الدم.
المريض المصاب بالطاعون يصبح ناقلًا للعدوى عن طريق الكحة والتنفس،
وانتقال المرض بهذه الطريقة يصيب الشخص الآخر بالطاعون الرئوي أو بالتسمم الدموي،
وإن كانت كافة أنواع الطاعون تعتبر خطيرة وقاتلة، فإن التسمم الدموي بالطاعون
يعتبر أخطرها على الإطلاق، وقد يؤدي إلى موت المصاب خلال ساعات.
والثورة العلاجية ضد مرض الطاعون تحققت -بفضل الله- بعد اكتشاف
المضادات الحيوية؛ حيث يعتبر المضادان الحيويان "Tetracycline Streptomycin" أفضل تلك
المضادات في مواجهة ذلك المرض.
ولكن لن يتم فناء هذا المرض من العالم ما لم يتم القضاء على الفئران
والبراغيث الناقلة لهذا المرض، وتقوم منظمات الصحة الوقائية في الدول المختلفة
بجهود مضنية في هذا المجال، كما أن التطعيم ضد مرض الطاعون عند زيارة الدول
المتواجد بها هذا المرض أحد الوسائل المتبعة في مكافحة الإصابة به.
لماذا اسم الموت الأسود؟
عرف مرض الطاعون هذا الوباء الكريه عبر التاريخ باسم كريه كذلك وهو
الموت الأسود، فلماذا هذه التسمية؟!
جاءت تسمية الطاعون بهذا الاسم من اللون الأسود الذي يكسو وجه ضحاياه،
فعند وفاة المريض المصاب بمرض الطاعون سرعان ما يكسو وجهه لون أسود زاد من حدة
الرعب العالق بالقلوب من هذا المرض.
سورات والطاعون
ولعل ما لفت الأنظار مع انتشار الأخبار عن مرض الطاعون في الهند هو
اسم مدينة سورات التي عصف بها المرض ثم انتقل منها إلى باقي مدن وولايات الهند
وإلى دول أخرى في العالم، ومدينة سورات ذات الأغلبية الهندوسية كانت قبل ثلاث
سنوات محط أنظار العالم، ولكن ليس بسبب الطاعون وإنما بسبب قيام الهندوس المتعصبين
بهدم مسجد بابري الذي يعتبر من أقدم المساجد بالهند وبناء معبد هندوسي على أطلاله،
ولم تتحرك حكومة الهند لتغيير الوضع القائم، لكن ابتلاء المدينة بالطاعون أعادها
مرة أخرى مع قضية المسجد البابري إلى واجهة الأحداث، والعبرة لمن اعتبر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل