; الضمير الحي بين «هايتي» و «غزة» | مجلة المجتمع

العنوان الضمير الحي بين «هايتي» و «غزة»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 30-يناير-2010

مشاهدات 70

نشر في العدد 1887

نشر في الصفحة 3

السبت 30-يناير-2010

رأي المجتمع

عاش العالم مؤخرًا كارثة إنسانية في بلد من بلدان العالم، وهي كارثة هايتي التي تقع في أمريكا الوسطى من هذا العالم، تداعى لها العالم بإنسانيته المتحضرة، وإمكانياته المتقدمة، ولبى نداءات الاستغاثة التي تفرضها عليه القوانين والشرائع والضمير الحي، وتكافل العالم بأديانه المختلفة وثقافاته المتعددة، وهيئاته ومؤسساته العالمية المتضامنة في نصرة هذا الشعب المصاب. 

وهو عمل يؤكد حيوية الإنسانية في إخلاصها تجاه مبادئها ونصرتها للمحتاج، لقد دمر الزلزال الرهيب الافًا من المباني، وحصد مئات الألوف من الأرواح، وشرد الملايين، وضاعت معالم المدنية في هذا البلد، وتبدد نظامه الاجتماعي والسياسي في فوضى الخوف والرعب وقلة الحيلة. 

وإذا وقف الإنسان عاجزا أمام أقدار الله، ونظر في العبر من هذه الأحداث وتفكر في عجزه وضعفه كإنسان، لكنه في الوقت نفسه اختبار للإنسانية والعالم لتفعيل الصدق مع النفس بالالتزام بمبادئ النصرة للإنسان وإغاثة الملهوف والمسارعة في النجدة، والالتزام بالاتفاقيات الدولية، وإحياء دور المنظمات العالمية، وعلى رأسها هيئات الأمم المتحدة في القيام بواجباتها تجاه الإنسان والبلد المنكوب.

 وقد اختبر الإنسان في هذه المأساة فوجد أنه قد بذل جهدًا في إطلاق الحملات الإنسانية للنصرة والمساندة وجمع التبرعات، وتذليل كل الصعوبات لإنقاذ الإنسان في «هايتي»، وقد تصدر رؤساء أمريكيون وأوروبيون وأسيويون وعرب وغيرهم لحملات الدعم والمساندة، واستنفرت مؤسسات إعلامية واجتماعية وإغاثية جهودها وطاقاتها لذلك، وتنادوا لبذل الجهود والإمكانيات لتفعيل الضمير الحي بين الأمم لنصرة إخوانهم من بني الإنسان، وما زالت الجهود تبذل المزيد من الدعم وإعادة الحياة إلى مجراها الطبيعي في هذا البلد المشتعل بالنكبة والكارثة. 

لكن هذا العالم المتحضر هو نفسه المتخاذل عن مبادئه وضميره الحي وهو نفسه الذي يحاصر غزة، ويمنع عنها الدواء والماء والطعام والشراب، وكل الاحتياجات الإنسانية، وأن قيادة هذا العالم هي نفسها التي تزود إسرائيل وتساندها بالسلاح وأدوات الحصار والضغط.

 ما يقارب المليونين من البشر محاصرون منذ ثلاث سنوات، وقد مورست عليهم الحرب المجنونة وضمير هذا العالم غائب وتائه بين السياسة والظلم والنفاق ومعايير الطغيان السياسي، دونما شفقة أو رقة أو إنسانية بالأطفال والنساء، وكبار السن الذين يعانون من الأمراض والأوبئة وحتى الحصول على المياه النظيفة.

 وإذا كانت كارثة الزلزال في هايتي هي نقطة اختبار للضمير الحي الإنساني إلا أن غزة المحاصرة كانت اختبارا حقيقيا لإظهار الزيف المتخفي وراء إنسانية مريضة لدى بعض دول الاستكبار وهيئاتها، فضمير هذه الدول والهيئات مازال يقبع تحت إسار المصالح السياسية والعنصرية البغيضة والاستكبار العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها من أجل مصالح الصهيونية و «إسرائيل». 

إن الإنسانية الحقيقية والضمير الحي تتطلبان أن يفك الحصار الجائر عن الشعب الفلسطيني في غزة، وأن تستنهض كل المؤسسات الحية في العالم الإغاثة هذا الشعب، ومد يد العون له، وأقلها تلك الحملات الإغاثية لشريان الحياة لغزة وإيقاف كل الأدوات والوسائل التي تمنع وصول المواد الغذائية والاحتياجات المادية والبشرية للشعب الفلسطيني في غزة. 

إن الضمير الحي والإنساني هو في محنة اختبار وصدق عند غزة لا في هايتي وحدها. 

الرابط المختصر :