العنوان الضغوط الأوروبية في مجال الصيد البحري.. نموذج لمنطق الاستعمار الجديد
الكاتب مصطفي الخلفي
تاريخ النشر السبت 07-أبريل-2001
مشاهدات 54
نشر في العدد 1445
نشر في الصفحة 32
السبت 07-أبريل-2001
الضغوط الأوروبية في مجال الصيد البحري.. نموذج لمنطق الاستعمار الجديد
«جراد البحر» الإسباني يجرف المصالح المغربية ويهدد سيادتها الإقليمية على مياهها
استؤنفت مؤخرًا المفاوضات الأوروبية - المغربية حول قضية الصيد البحري على خلفية السماح للأساطيل الإسبانية بالصيد في المياه الإقليمية للمغرب. ويمثل هذا النزاع الذي ظل صامتًا أحد التجليات البارزة لاستمرار المنطق الاستعماري في علاقات الغرب بدول العالم الإسلامي، إلا أنه لم يأخذ حظه من الدراسة، والمتابعة، والتحليل لفهم الصيغ الراهنة لما اصطلح عليه «بالاستعمار الجديد».
أحد المفاتيح الأساسية في فهم السلوك الدبلوماسي المغربي في محيطه المتوسطي يرتبط بتحليل تطورات النزاع المغربي - الإسباني في مجال الصيد البحري وخصوصًا منذ منذ أواخر نوفمبر ۱۹۹۹م، عندما انتهى سريان مفعول الاتفاقية الموقعة بين المغرب والاتحاد الأوروبي في هذا المجال، وكان يتم بموجبها السماح لما يزيد على ٤٠٠ سفينة صيد أوروبية جلها إسباني باستغلال المصايد المغربية في مقابل تعويض مالي بخس قيمته ٥٠٠ مليون يورو (نحو ٥٠٠ مليون دولار) موزعة على أربع سنوات ١٩٩٥-١٩٩٩م. ومنذ ذلك التاريخ والضغوط الإسبانية - المستقوية بالاتحاد الأوروبي - تعمل على استدراج المغرب لتوقيع اتفاق جديد بشروط مذلة.
في نوفمبر 1995م عندما وقعت سادس اتفاقية بين البلدين (الاتفاقيات الخمس السابقة وقعت في سنوات 1969، 1977، 1983، 1988، 1992م) تم الاتفاق على أن تكون الأخيرة على أساس أن يعمل الجانب الآخر على هيكلة أسطوله البحري في قطاع الصيد طيلة السنوات الأربع للاتفاقية. وهو الشيء الذي لم تلتزم به إسبانيا، مراهنة على اعتبار المصايد المغربية مجالًا مستباحًا، ويكفي تشديد الضغط السياسي والاقتصادي على المغرب حتى يتراجع عن مواقفه بشأنها، وهو ما حصل مع اتفاقية 1995م، فقد اضطر المغرب بعد سبع جولات تفاوضية؛ لأن يوقع على الاتفاق.
يكتسب قطاع الصيد حساسية بالغة في إسبانيا، فهو يوفر نحو 78 ألف فرصة شغل مباشر، و350 ألف فرصة شغل غير مباشر، وتعد إسبانيا أول قوة اقتصادية على صعيد صيد الأسماك في الاتحاد الأوروبي، إلا أن نقطة ضعفها تتمثل في كون ثلثي مناطق صيدها هي مصايد خارجية، تقع غالبيتها في المياه الإقليمية للمغرب - والأرجنتين، وهذه الأخيرة ترفض تجديد اتفاقية الصيد معها، إزاء ذلك، فإن المناطق الجنوبية من إسبانيا -وخصوصًا الأندلس- مهددة بانهيار شبه كلي لاقتصادها؛ لأن عملية إعادة هيكلة الأسطول البحري جد مكلفة ما (يناهز ملياري دولار)، وعندما انتهى العمل باتفاقية 1995م، اضطر الاتحاد الأوروبي إلى صرف تعويضات شهرية للبحارة المشتغلين في مراكب الصيد العاملة في المياه المغربية، وفي آخر اجتماع للمجلس الأوروبي انتزعت إسبانيا الغلاف المالي المخصص لتعويض المغرب عن السماح بالصيد في مياهه 125 مليون يورو، وحولته لقطاع الصيد الإسباني.
عناصر النزاع متعددة، ويمكن تركيزها في إصرار إسبانيا على استباحة المجال البحري المغربي، وفي المقابل، رفضها القبول بجعل السماح بالصيد مشروطًا بتفريغ الكميات المصطادة بالموانئ المغربية، حتى يسهل مراقبة النوعيات المصطادة والتأكد من عدم استهداف الأنواع النادرة أو التي في طور الإخصاب (يسمي الصيادون المغاربة الأسطول الإسباني باسم «جراد البحر» للدلالة على نهبه الشرس للثروة السمكية).
في المقابل، يحرص الطرف الإسباني على توظيف قضية الصحراء في الضغط على المغرب عبر تكثيف الدعم المدني -غير الرسمي لجبهة البوليساريو- بل والذهاب إلى حد اعتبار المياه الإقليمية للصحراء المغربية غير مندرجة في الاتفاقية، والتهديد باللجوء إلى الأمم المتحدة للتفاوض معها على ذلك، كما يعمل أيضًا على استعمال ورقة المهاجرين المغاربة بإسبانيا، والمقدر عددهم بما يزيد على 250 ألف شخص، يعملون في مجالات مختلفة، ويمثلون مصدرًا مهمًّا للعملة الصعبة.
هذا مع الإشارة إلى أن إسبانيا تعد شريكًا اقتصاديًّا مهمًّا للمغرب، ولها ثقل بالغ في الاستثمارات الأجنبية فيه ولا يمثل هذا ا إلا جزءًا يسيرًا من العوامل المساعدة على الابتزاز الإسباني للمغرب والمحكوم بهواجس الحروب الصليبية، فقد سبق أن عارضت إسبانيا بقوة مشروع امتلاك المغرب لمحطة نووية لتحلية مياه البحر للزراعة في الجنوب المغربي، ورغم أن الصين وافقت على المشروع إبان زيارة الرئيس الصيني للمغرب في أكتوبر 1999م، إلا أن المغرب تراجعت عنه، في مقابل وعد إسباني بتحمل نفقات مشروع تحلية مياه البحر دون اللجوء للصناعة النووية، هذا في الوقت الذي تتوفر فيه إسبانيا على صناعة نووية متطورة تهدد نفاياتها شمال المغرب.
كما أن إسبانيا لا تنفك ترفض أي نقاش حول مستقبل المدينتين المحتلتين في شمال المغرب -سبتة ومليلية- ولو كان مجرد تفكير موكول للجنة لا تترتب عليه التزامات سياسية للطرفين، بل إنها لا تتردد بين الفينة والأخرى في التأكيد على سيادتها الأبدية، واعتبار الحدود الأمنية للحلف الأطلسي، هي حدود سبتة ومليلية في التراب المغربي.
خلاصة القول: إن النزاع المغربي – الإسباني هو جزء من حرب حضارية متجددة ومعقدة، يرفض الطرف الإسباني إدارتها بمنطق الحوار والتعايش واحترام المصالح المشتركة والخاصة؛ وهو ما ظهر جليًا في سلسلة المفاوضات حول توقيع اتفاقية مذلة بخصوص الصيد البحري، وتمكن الاتحاد الأوروبي من انتزاع تراجع المغرب عن رفض إجراء اتفاقية بين الطرفين وانتقلت القضية من نزاع حول مبدأ تجديد الاتفاقية، إلى خلاف حول قيمة التعويض المالي ومدة الاتفاقية، وشروط الصيد فكيف حصل هذا الانتقال وما الأبعاد الكامنة وراءه.
مسيرة التحول
عندما نعود إلى أجواء شهري نوفمبر - ديسمبر 1999م، نلاحظ حدوث تحولات جذرية في الموقف المغربي تجاه تجديد اتفاقية الصيد البحري، فآنذاك كان الخطاب الرسمي يتحدث بلغة حاسمة رافضة لتوقيع اتفاقية جديدة، ومعتبرًا أن الثروة السمكية للمغرب مهددة بكارثة إيكولوجية، تفرض راحة بيولوجية لمدة طويلة، فضلًا عن أن المخطط الخماسي للبلاد، يطرح آفاقًا واعدة، ورهانات كبرى للنهوض بقطاع الصيد البحري واستثماره في محاربة البطالة (توفير ما يزيد على 100 ألف فرصة شغل) وتوفير مداخيل من العملة الصعبة (قدرها بعض خبراء القطاع بنحو مليار و200 مليون دولار) كما كان يحتج بأن اتفاقية 30 نوفمبر 1995م، اعتبرت آخر اتفاقية، وحصل التفاهم في حينها على عدم تجديدها، ولهذا كان قطاع الصيد الأوروبي مدعوًا إلى إعادة هيكلة أسطوله قبل انتهاء العمل بالاتفاقية. هذا مع التأكيد على أن المغرب بلد ذو سيادة على مياهه الإقليمية، وله حرية التصرف فيها.
بموازاة ذلك، وكبديل عن الاتفاقية، كان يتم تقديم صيغ جديدة للتعاون في إطار مخطط جديد للشراكة بهدف حماية الثروات السمكية المغربية وبقي هذا الموقف صامدًا، رغم توالي الزيارات الأوروبية الضاغطة، وتصاعد حدة الاحتجاجات والتحركات العدائية الإسبانية، والتي بلغت أوجها في الأحداث العنصرية في إلخيدو، واعتراض سبيل الصادرات الفلاحية المغربية لأوروبا، والتي بلغت أوجها في يناير 2000م، فضلًا عن التصريحات العدائية تجاه المغرب إبان الانتخابات الإسبانية في فبراير 2000م.
إلا أنه منذ أواخر سبتمبر 2000 بدأ الضغط الأوروبي يؤتي أكله، وأخد الموقف المغربي يتراجع تدريجيًّا لصالح بحث مشروع اتفاقية جديدة.
فمنذ 28/ 29 سبتمبر 2000م إلى 20/21 فبراير 2001م، انعقدت إحدى عشرة جولة من المباحثات وانطلق المغرب في هذه المباحثات بخلفية البحث عن أشكال جديدة للتعاون توازي الجهود المزمع الانخراط فيها على صعيد المخطط الخماسي (حماية الثروة السمكية، تأهيل الموارد البشرية، تنمية البنيات التحتية، تطوير البحث العلمي، في قطاع الصيد البحري...) بحيث تكون الاتفاقية أداة لدعم جهود المغرب.
الرد الأوروبي على هذا التوجه المغربي كان معارضًا، حيث اعتبر فرانز فيشلر -المفوض الأوروبي - المكلف بالصيد البحري، أن هذا التوجه غير كاف وغير مقبول، ورغم ذلك استمر تتالى عقد الجولات التقنية ومن جولة إلى أخرى، أخد الموقف المغربي يلين تدريجيًّا، ولم يعد يفصله عن الانخراط في مناقشة مشروع اتفاقية إلا اتخاذ قرار سياسي في الموضوع، وبرز ذلك بوضوح في ختام الجولة السابعة (22/12/2000م) التي انتزع فيها الطرف الأوروبي موقفًا مغربيًّا صريحًا في الأمل في إبرام اتفاق، وتم فيها الإيحاء بضرورة بذل جهد سياسي لاحتواء النقط الخلافية بين الطرفين.
المهاجرون المغاربة في إسبانيا ورقة ضغط علي حكومة الرباط
وانخرطت وسائل الإعلام من الجانبين في حملة تبشيرية بقرب توقيع الاتفاق، وخصوصًا أن الاستعداد كان آنذاك جاريًا لعقد جولة من المباحثات التقنية، ورغم ذلك، لم يوقع الاتفاق بسبب حدة الخلاف بين الطرفين حول:
- مدة الاتفاقية، حيث يحرص الاتحاد الأوربي على توقيع اتفاق مدته 4-5 سنوات، في حين يصر المغرب على اتفاق من سنتين.
- المقابل المالي: الذي يصر الاتحاد الأوروبي عليه، يقع تخفيضه عن سقف 125 مليون يورو (نحو 125 مليون دولار سنويًّا)، وهو المقابل المالي نفسه للاتفاقية السابقة (1995) - (1999م). ويضيف الاتحاد الأوروبي، أنه ينبغي تبرير هذا المقابل المالي الممنوح حتى يكون مكافئًا لحجم الكميات المصطادة.
- إمكانات الصيد وعدد البواخر المسموح بها والجوانب التقنية المرتبطة بمراقبة مراكب الصيد الأوروبية، ومراقبة المصايد بالأقمار الاصطناعية، ومطلب تفريغ الكميات المصطادة بالموانئ المغربية، هذا فضلًا عن القضايا التي تهم التعاون في دعم قطاع الصيد البحري المغربي.
لا يمكن بحال الاستهانة بهذه النقط الخلافية التي تعكس في العمق رؤيتين متعارضتين لمنهج التعامل مع المصايد المغربية، بين رؤية تعمل على الحد من الاستنزاف الحاصل فيها، وبالتالي ضمان استمراريتها كثروة سمكية ينبغي الحفاظ عليها، وبين رؤية لا هم لها إلا حل أزمة قطاع الصيد الأوروبي عمومًا، والإسباني خصوصًا، ولو كان ذلك على حساب مصالح المغرب وحقوقه السيادية.
إلا أن هناك مسألة ينبغي دراستها لفهم التحول الحاصل في الموقف المغربي، وبما يساعد على استيعاب خلفيات استثمار الطرف الأوروبي لهذا التحول عبر انتهاج أسلوب المماطلة في الإسراع بتوقيع الاتفاق من أجل دفع المغرب لتقديم أكبر قدر ممكن من التنازلات، إن هذا التحول يجد مرجعه في أربعة عناصر تتمثل في:
- الخوف من تأثر باقي برامج الشراكة الموقعة مع الاتحاد الأوروبي، والتي تتضمن مبالغ مالية تتجاوز حجم التعويض المالي المقترح في اتفاق الصيد البحري، وقد برز هذا الهاجس بوضوح في زيارة المفوض الأوروبي رومانو برودي في بداية يناير المنصرم، والتي وقعت على إثرها ثلاث اتفاقيات مالية مع المغرب.
- الحاجة لتخفيف الضغط والإحراج الإسباني للمغرب في عدد من القضايا التي يفوق بعضها أهمية ملف الصيد البحري، مثل ملف الاستثمارات الإسبانية المتنامية بالمغرب ملف الهجرة السرية، وازدياد أعداد العمال المهاجرين، تجارة المخدرات القادمة من الشمال المغربي، فضلًا عن ملف الصحراء المغربية، والدعم غير المباشر الذي يلقاه البوليزاريو من بعض المنظمات الإسبانية، وفي مختلف هذه الملفات، نجد أن إسبانيا تمتلك أوراقًا ضاغطة على المغرب، بحيث يصعب معه الاستمرار في موقفه المتصلب؛ لأن ثمن ذلك فتح جبهات أخرى هو في غنى عنها، ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن أسبانيا ستتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي في السنة المقبلة.
صعوبة تجاوز الممر الإسباني من طرف المصدرين المغاربة، حيث يعتبر السوق الأوروبي المستقبل الأول للصادرات المغربية، وتقدر نسبة الصادرات الموجهة لأوروبا بما يزيد على 75 سنويًّا، من مجموع الصادرات المغربية، كما أن الاتحاد الأوربي يمثل المورد الأول للاحتياجات المغربية؛ إذ يستورد المغرب منه ما يفوق 65 سنويًّا، من مجموع وارداته الخارجية، وهو ما يجعل الاتحاد الأوروبي المصدر الأساسي للعملة الصعبة بالنسبة للمغرب.
- تفاقم أزمة التوازنات المالية في المغرب، مما يفرض البحث عن مداخيل إضافية تبرمج في الميزانية المقبلة بهدف تغطية العجز القائم في الموازنة العامة للدولة في ظل تفاقم المديونية الداخلية.
الخلاصة: هي أن مجموع الحيثيات الآنفة تفسر التحول الحاصل في الموقف المغربي إزاء الموضوع، والذي نحا إلى طرح مقترحات تفاوضية من أجل التوصل إلى اتفاق.
فما آفاق ذلك؟
بعد فشل الجولة قبل الأخيرة التي أبانت أن الحرص الأوروبي على استدراج المغرب لطاولة المفاوضات ليس إلا مقدمة لبدء سلسلة التنازلات المطلوبة من المغرب بما يؤدي إلى خدمة مصالح الطرف الأوروبي، وهو ما بدا في الحملة الإعلامية المواكبة للجولة الأخيرة التي انعقدت يوم 25 مارس الماضي.
برز ذلك بوضوح في المقابل المالي والذي کشف فرانز فيشار أن أقصى ما يمكن دفعه هو 70 مليون يورو في السنة الأولى، و60 مليون يورو في السنة الثانية، و40 مليون يورو في السنة الثالثة، هذا في الوقت الذي يطالب المغرب بـ 90 مليون يورو سنويًّا.
كما أن مطلب إفراغ حمولة الكميات المصطادة بالموانئ المغربية، واجهه الاتحاد الأوروبي بسلسلة من الاعتراضات التقنية، مع بقاء المطلب الأوروبي بخصوص مدة الاتفاقية قائمًا، أي مدة أربع -خمس سنوات- وهو ما يعني أن المغرب لم يستفد إلا تخفيضًا بسنة واحدة بالمقارنة مع الاتفاقية السابقة.
حصيلة المواقف المعبر عنها في الجولة الأخيرة يكشف عن وجود مشاريع خطيرة للالتفاف على المصالح المغربية، وأن مطلب الإنهاء الكمي للصيد الأجنبي في المياه المغربية أصبح بمثابة حلم.