العنوان حوار مع الشيوعيين (27) الضريبة والزكاة.. ليستا سواء
الكاتب عبدالحليم خفاجي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1973
مشاهدات 10
نشر في العدد 154
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 12-يونيو-1973
خصائص تفردت بها الزكاة.. مصدرًا وباعثًا وتوجيهًا
• فريضة من الله.. لا ضريبة من البشر
• باعثها العبادة ورعاية حق الإخاء
• لامركزية في التحصيل.. والتوزيع والإنفاق
• تتضمن معنى الملكية.. فلا زكاة بلا ملكية
إنسان الحضارة الغربية يضع مصلحته المادية فوق كل اعتبار ويعيش دائمًا في سبيل غريزته وأهوائه.. وهذا الإنسان بهذا السلوك هو نموذج معرفة النظام المالي بكل صوره المرذولة في البلاد الرأسمالية.. وتكثر وتتعدد الحلول الاقتراحات لحل مشاكل المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، ولا أحد يفطن إلى الجانب البعيد الكامن في نفس الإنسان العربي، أو بمعنى آخر لا يستطيع أحد من مفكري العرب -حتى لو فطن أو أراد- أن يعالج موطن الداء لأن الطبيب والمادة هو المريض بنفسه..
الدائرة المرذولة:
أ - برغم إدراك بعضهم بأهمية أن تشمل الضريبة الدخل
ورأس المال بحيث تتناول ثروات الأفراد وتدفع الثروات دفعًا للحركة في ميدان
الإنتاج وذلك من المزايا إلا أن السلطات عجزت عمليًا عن فرضها على رأس المال
واكتفت بفرضها على الإيرادات والدخول ولم تستطع أن تصل إلى رأس المال إلا في حالة
وفاة الفرد حيث يمكن حصر التركات..
سبب العجز هو أن الفرد الذي يدخر من دخله أو إيراده
حتى يتكون لديه رأس مال لا يرضى أن تكون مكافأة السلطة له على ذلك هو أن تمتد
أيديها إلى هذه المدخرات بالضرائب في الوقت الذي كان بوسعه أن ينفق دخله كله
ابتداء وهو من أجل هذا ولثقته المفقودة في أجهزة الدولة يجد لنفسه ألف طريق للهروب
برأس ماله من الخضوع للضريبة.. تستطيع السلطة أن تراقب إيراداته ودخوله لأنها في
المنطقة المنظورة ولكن عندما يدخل إلى جيبه يستطيع بدوره أن يزوغ بها بشتى الطرق،
وعند حلول موعد الضريبة يَدَّعِي أنه لا يملك أي رأس مال وليس لديه سوى هذا الدخل
المراقب سنويًا من السلطة..
وحتى هذا الدخل تكثر حوله المناورات والحيل التي لا
تنقطع..
ب- أدركت السلطات وأدرك الاقتصاديون أنه طالما لا
يحرك الأفراد الاقتناع الذاتي بإخبارهم طائعين عن كل عناصر ثروتهم من رأس مال
ودخول فإنه يستحيل عمليًا القيام بذلك من جانب السلطات، ومن ثم لا يكون هناك بد من
أن يكون وعاء الضريبة هو الإيرادات والدخول حيث يمكن ضبطها بكل أشكال الرقابة
والحساب..
جـ- وإذ أمن الناس شر السلطة وتحققوا من عجزها عن
ملاحقة رؤوس أموالهم وانحصرت مناوراتهم معها في تلك الدائرة المنظورة دائرة الدخول
والإيرادات.. إذا بظاهرة الاكتناز تصيب رؤوس أموالهم لعدم وجود وسيلة لتحريك هذه
الثروة المكتنزة في المجتمع..
د - وهنا ينشط وسطاء الشر مستغلين ما عليه الكثيرون
من فقر وفاقة وما لدى أرباب الأموال من مال مكتنز فيهيئون لأصحاب رؤوس الأموال
دخولًا مضمونة لا تعرض رأس المال لأي مخاطرة عن طريق الربا ويتطور هذا الوسيط
البسيط بين الغني والفقير في هذا اللون من المجتمعات المنتكسة ليصبح في المستقبل
مؤسسة مالية كبيرة تقوم بنفس العملية الربوية كوسيط بين أرباب الأموال وأصحاب
المشروعات وهذا هو جوهر عمل البنوك في هذا اللون الشاذ من المجتمعات.. ولا تجد
البنوك مفرًا من فكرة سعر الفائدة وهو تعبير مهذب للربا ليكون أداة تحريك الثروة
للقضاء على الاكتناز.
ه-- والمعاملات الربوية تؤدي بدورها إلى حدوث
الأزمات الاقتصادية وإلى كل ما يعانيه الاقتصاد الرأسمالي من أزمات وضياع ومشاكل
ومضاربات حتى لتظهر المعاملات الطبيعية كفقاقيع صغيرة فوق أمواج متلاطمة من
المعاملات الأخرى كما يقول كينز.. وتصوير القرآن الكريم للذين يأكلون الربا بأنهم
لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس هو خير تعبير لحالة الفرد
النفسية وحالة المجتمع الاقتصادية.
● إذن لقد أفضت العقائد الفاسدة
إلى السلوك الأناني والمادي لدى الأفراد، وهذا بدوره أدى إلى استحالة فرض ضريبة على
رأس المال فحدثت ظاهرة الاكتناز فنشط الوسطاء لتحريك الثروة عن طريق الربا.. فكانت
البنوك الربوية.. فكانت الأزمات الاقتصادية فالصراع الطبقي فالأحزاب السياسية التي
تعكس هذا الصراع.. إلى آخر ملامح الحياة الرأسمالية، ونشط المفكرون الاقتصاديون في
تقديم الحلول للقضاء على الربا باعتباره السبب القريب في أمراض المجتمع..
1 - نظرية هايك الذي يرى تثبيت كمية النقود.
2 - نظرية إرفنج فيشر الذي ينادي بجعل الاحتياطي
100٪.
3 - نظرية دوجلاس الذي يرى تأميم جميع البنوك.
وعيب هذه النظريات أنها لا تمنع ظاهرة الاكتناز، أي
إحجام أرباب الأموال عن استثمار أموالهم.
4 - وجاءت اللمحة الذكية ممن فكروا بفرض الضريبة
على رأس المال ولكن هيهات أن تنجح الفكرة مع الإنسان الغربي فنجد آرثر لويس يقول: «وفرض
ضريبة على رؤوس الأموال ليس عملًا يسيرًا كما أنه ينطوي على صعوبات فنية ضخمة،
فإذا أرادت الدولة فرض هذه الضرائب بطريق نزيهة فإنها لا تستطيع أن تفرضها فجأة..
إنها ستحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد لتقدير رؤوس الأموال التي يمتلكها الأفراد».
ويقدم الأستاذ سيلفيو جيزيل اقتراحًا عمليًا
"بوضع طابع على النقود يلزم أصحابها وضعه على ورق البنكنوت على فترات مما
يؤدي إلى وجود تكاليف اكتناز النقود. كذلك بفرض ضريبة على الودائع بقدر حجمها مما
يؤدي إلى زيادة الاستثمار ونموه"، وكان يرى جيزيل أن تكاليف الاكتناز هذه
ستدفع أرباب الأموال إلى سرعة التخلص منها.. إلا أن هذا الاقتراح قد صادف صعوبات
عملية عندما حاولوا تطبيقه في إحدى مدن النمسا، فضلًا عن أنه لا يحول دون أن يتحول
الناس بمدخراتهم إلى أشكال أخرى من الثروة كالذهب كما أن عبء الضريبة سيقع على
الفرد الأخير.. وأخيرًا تحققوا من العجز عن فرض هذا النوع من الضرائب وبالتالي من
القضاء على ظاهرة الاكتناز إلا بأسلوب الربا بكل مساوئه.. فالربا من ثم يعتبر
ضرورة من ضرورات النظام الرأسمالي، وليس ضرورة عصر كما فهم بعض المصلحين خطأ.
● وعندما تقوم الزكاة -باعتبارها
فريضة تتناول رأس المال أيضًا- بمهمة القضاء على الاكتناز في المجتمع المسلم الذي يتبادل
الصدق ويَسْعَى في أرجائه السعادة والمصدقون وليس يسعى مأمورو الضرائب والمفتشون.
● من العرض السابق اتضح لنا
لماذا كان وعاء الضريبة في التشريعات الوضعية هو الإيراد وحده..
أما الزكاة فلها طابع خاص فهي:
1 - بالنسبة إلى رأس المال الثابت تعتبر فريضة على
الإيراد لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «لا زكاة في المال الضمار».
2 - وهي بالنسبة إلى رأس المال المنقول تعتبر فريضة
على رأس المال والإيراد معًا، فإذا تعطل رأس المال عن الكسب فإن الزكاة لا تلبث أن
تقضي عليه بعد 41 سنة الأموال التي تقدر زكاتها بربع العشر. فالزكاة بذلك تتلافى
كل العيوب وتجمع كل المزايا..
ويمكن بعد ذلك أن نجمل أوجه الخلاف بين الزكاة
والضريبة فيما يأتي:
1 - في التسمية؛ فالزكاة عبادة ونماء وبركة، أما
كلمة الضريبة فتحمل طابع عهود الظلم بما فيها من ضرب وإجبار.. كما تسمى الزكاة
أيضًا بالصدقات من تبادل الصدق؛ فالذي يدفعها مصدق والذي يجمعها مصدق أو ساع..
2 - في الباعث على الأداء فهو في الزكاة ذاتي
لكونها ركنًا من أركان الدين يستشعر مؤديها معنى العبادة وصلة الأخوة؛ ولذلك يسن
لدافع الزكاة أن يقول «اللهم اجعلها مغنمًا ولا تجعلها مغرمًا» ويحمد الله على
التوفيق لأدائها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
«إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا اللهم اجعلها مغنمًا ولا تجعلها
مغرمًا»، وعنه صلى الله عليه وسلم «لا تقوم الساعة حتى تعود الزكاة مغرمًا».. كما
يسن لعامل الزكاة أن يدعو بالخير والبركة لدافعيها..
عكس هذه الروح تمامًا تقابلنا بين الممولين ومأموري
الضرائب لفقدان الباعث الذاتي على الأداء رغم كل محاولات زيادة الوعي الضريبي.
3 - الزكاة فريضة من الله وليست ضريبة من بشر؛ لذا
فهي مقدار محدود من مال مخصوص يُصرف في مصارف معينة.. أما الضريبة فهي محرومة من
هذا التحديد وهذه الدقة في المقدار والأموال والمصارف؛ فكانت فرص الأهواء فيها
كثيرة وكانت مدخلًا لكافة التقديرات الشخصية التي لا يسهل معها توفر ثقة الأفراد
في الأحكام لا في مقدارها ولا في إنفاقها.
4 - وعاء الضريبة هو الإيراد، أما وعاء الزكاة فهو
رؤوس الأموال المنقولة وإيرادها وإيراد الأموال الثابتة.. لذلك كان الربا هو وسيلة
القضاء على الاكتناز وتحريك الثروة باعتباره ضرورة نظام رأس مالي.. وكانت الزكاة
في المجتمع المسلم هي وسيلة القضاء على الاكتناز وتحريك الثروة.. ولا لقاء بين
الوسيلتين في ظل اختلاف الأصول والغايات.. ومن هنا كان فشل جميع الحلول الجزئية
التي تكشف عن هزيمة نفسية أو عجز عن النظرة الشاملة على أحسن الفروض..
5 - قصور الضريبة عن التدرج مع الجهد الإنساني
المبذول مثلما تفعل الزكاة، وهو في نفس الوقت قصور عن العدل.
6 - من الناحية الإدارية فاللامركزية في التحصيل
والإنفاق من أصول الزكاة، وفي هذا إبعاد لسلطة الحاكم عن التحكم في الأرزاق
والحريات فهو لا يعطي أحدًا ولا يمنع أحدًا فيكون الله هو الرزاق بضمانات شريعته
العظيمة، ولذلك كان علي بن أبي طالب يقول من وحي هذه التربية لمن يجاهرونه بالعداء
من الخوارج «لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم حقكم في المساجد ولا حقكم في الجهاد ولا
حقكم في الصدقات» هذا فضلًا عن أن المحلية وبأسلوب الزكاة بالذات تدفع إلى روح
الإخاء بين أفراد كل بيت وأسر كل حي وأجزاء كل قرية أو مصنع فينمو الحب والتعاون نموًا
طبيعيًا متسقًا مع سنة النمو في الأحياء من القاعدة إلى القمة وليس قسرًا بقرارات
ثورية.. وهذه المحلية تؤدي إلى محلية غيرها من الأوضاع وتحصر ما تدعو إليه الحاجة
من نفقات أخرى غير الزكاة في حالات الضرورة فلا يقدم الحاكم علينا إلا على بينة من
دواعيها فلا يستطيع الحاكم أن يميل بمصاريف الزكاة عن أغراضها ولا أن يستنزف
الثروات بفرائض فوق الطاقة.. أما الضرائب فهي تبدأ دائمًا من السلطة المركزية
فتزداد بها تسلطًا وقهرًا وعقمًا إداريًا وعجزًا عن التكافل الاجتماعي فتلجأ على
مضض لترقيعات لا مركزية تحت وطأة المشاكل ولكن بلا جدوى..
7 - الزكاة حلقة في سلسلة من الحلقات يقوي بعضها
بعضًا تشكل في مجموعها الملكية الإسلامية تبدأ الحلقة الأولى بالقيام المشروع ثم
الحركة المشروعة داخليًا بمبدأ المشاركة وخارجيًا بالالتزام حدود السير من أوامر ونواهٍ
شرعية وبأداء حقوق السير في صورة الزكاة..
والضريبة حلقة في سلسلة من الحلقات يضعف بعضها
بعضًا تشكل مجموعها الملكية الرأسمالية تبدأ الأولى منها بقيام الملكية قيامًا
قلما يكون مشروعًا ثم تقوم الحركة الداخلية على الاستغلال ثم زوال الكثير من
ضمانات السير على ما سبق ذكره.. فكل من الزكاة والضريبة علامة على شكل مختلف عن
الآخر من أشكال الملكية الخاصة..
البيئة الجديدة:
هي جديدة على علمنا بها رغم قيامها قبل ذلك وستكون
جديدة على هذه المجتمعات المريضة يوم أن تقوم على أصولها، وفيها لا تجد آفة الربا
جوًّا فاسدًا تتنفس فيه وتتخلى عن مكانها في هدوء القرض الحسن. تلك الأداة بين
أرباب الأموال والمشروع وستقوم دواوين الزكاة بدور المؤسسات المالية التي ستدفع
حركة المشاركة في المجتمع الإسلامي.. وتبرز لنا الآيات الكريمة ملامح هذا المجتمع
الجديد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا
اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (الحديد: 18)،
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًّا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ
فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ
اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الروم: 39). فالزكاة والقرض الحسن في
هذه البيئة الجديدة يحققان ما نرجوه من أهداف اقتصادية وإنسانية كذلك.. ولن نحتاج إلى
دراسة الربا في البنوك الحالية وكيفية التخلص منها لأنها دراسة جزئية وعقيمة وتغفل
أساس البناء الاقتصادي كله، ذلك الأساس الذي عندما يتغير من الملكية الرأسمالية
إلى الملكية الإسلامية ستتغير داخله كل الأجهزة المالية وتتغير طبيعة عملها..
• فالزكاة والقرض الحسن رايتان ترفرفان على ما تحتهما
من بيئة إسلامية، والضريبةُ والربا رايتان منكستان تعلنان الحداد على ما تحتهما من
موات.. وإقامة البناء يسبق في الزمن إقامة الراية عليه، ولعل هذا يفسر لنا لماذا
كانت آيات تحريم الربا من آخر الآيات نزولًا. ففي خطبة الرسول في حجة الوداع سنة
10هـ فقال: «أَلَا إِنَّ كُلَّ ربًا مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ
رِبًا أَضَعُهُ رِبَانَا، رِبَا العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِالْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ
مَوْضُوعٌ كُلُّهُ»، وعن ابن عباس في عمدة التفاسير قال: «آخر ما نزل على رسول
الله صلى الله عليه وسلم آية الربا»، وروى أحمد أن عمر قال: «آخر ما نزل آية الربا
وإن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قُبض قبل أن يفسرها لنا فدعوا الربا والريبة»..
والآن علينا أن نرى مصداق هذا الإطار التشريعي في مجال التطبيق داخل الجزيرة العربية حيث الأرض العُشرية وفي خارج الجزيرة بعد الفتوحات حيث الأرض الخراجية (أو الملكية العامة).