العنوان الضرب في المدارس
الكاتب أحلام علي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
مشاهدات 64
نشر في العدد 1269
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
المجتمع الأسري
هل يمكن أن يكون ضرورة تربوية؟
الممارسة التربوية تتم بالود والهدوء النفسي.. وتقويم الطالب يكون بالقرب والملاينة
مبدأ الترغيب والترهيب أو الثواب والعقاب أمر يُقره الإسلام، ولكن هل ضرب الطلاب في المدارس يمثل ضرورة تربوية لتقويم سلوك طالب العلم؟! وهل الضرب يمكن أن يكون بلا ضوابط وحسبما يهوى المعلمون والمربون، أم له قواعد تتبع لكي يسير في مساره الصحيح القويم؟! هذا ما يحاول التحقيق التالي الإجابة عنه من خلال آراء عدد من ذوي الخبرة والاختصاص.
يقول عبد الحميد عدلان الزناتي، موجه اللغة العربية: إن سياسة الثواب والعقاب تناسب الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها؛ لذا ورد ذكر الثواب للطائعين والعقاب للعاصين كثيًرا في القرآن الكريم وذكر العقاب، خاصة الضرب في القرآن والسنة والغرض منه التربية والتهذيب، يقول رسول الله ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع»، ومن خلال هذا الحديث الشريف يتبين لنا أن الضرب إذا كان بشروطه المشروعة بغرض التأديب والتهذيب لا غبار عليه ولا اعتراض، فالمعلم بالنسبة لتلميذه بمنزلة الأب لابنه وإذا توثقت رابطة الحب بين الطالب ومعلمه فلن يشعر الطالب بغضاضة أو إهانة عندما يضربه معلمه لأنه واثق من أن معلمه يحب له الخير ويريد أن يجعل منه رجلًا نافعًا لنفسه ولوطنه ولأمته.
وسيلة التأديب وطبيعة المرحلة التعليمية
ويرى المربي سيد زكي أنه لا بد أن تتفق وسيلة التأديب مع طبيعة المرحلة التعليمية، فما يصلح لطالب المرحلة الثانوية أو المتوسطة قد لا يتفق مع طالب المرحلة الابتدائية، فالضرب والعقاب ليس هو الوسيلة التربوية الناجحة للطالب في مراحل التعليم الأولى، لأنه إذا اتبع أسلوب الضرب والرعب في هذه السن سوف يكره المدرسة والمدرس ولا يتقبل أي شيء منهما، لكن البديل يكون باستعمال وسيلة تشجيعية ونغرس في نفس الطفل ووجدانه أنه من يجدّ ويهتم بواجباته سوف يحبه الله ووالداه ومعلمه وسوف يعلق اسمه في لوحة الشرف.... وبهذه الطريقة التربوية البسيطة نكسب صداقة الطفل ونجذبه للمدرسة ويحب معلمه وننزع من فكره العنف والتهديد والأسلوب اللاتربوي.
ويضيف سيد زكي قائلاً: لذا أنصح إخواني المعلمين في المرحلة الابتدائية بأن يتحلوا بالصبر والأناة والعزيمة القوية وسعة الصدر مع الطفل، وأن ينزل المعلم إلى مستوى الطفل أثناء الشرح أيضًا، ولا بد أن تكون هناك علاقة بين المعلم وأهل الطفل من خلال مذكرة الواجبات حتى يتفهم المعلم نفسية الطفل وبذلك يتلقى العلم بطريقة تربوية صحيحة.
ويتفق مع هذا الرأي رفيق عبد السلام، وكيل بالقسم الابتدائي، مؤكدًا أن كثيرًا من الحالات التي يتم فيها معاقبة الطالب بالضرب يغيب عنها إلمام المعلم بخصائص ومطالب النمو في مراحله المختلفة وحاجات الطالب النفسية والتربوية في كل مرحلة دراسية وفق أعمارهم فليس لديه دليل لتفسير السلوك أو الأمراض النفسية أو المشكلات التي يمر بها الطالب في مراحله المتنوعة وبالتالي يكون الضرب هنا وسيلة للإفساد لا للإصلاح، فيجب أن تتنوع الوسيلة التربوية بتنوع المراحل الدراسية وتتفاوت كذلك من طالب الآخر، وحديث الرسول يضع أيدينا على طبيعة المرحلة التي يعيشها الطفل في سن العاشرة ومدى إدراكه لحقائق الأمور في هذه السن، فأسند الأمر لسن السابعة بينما أسند الضرب لسن العاشرة، ولكن بعض المعلمين لا يدرك خطورة وأهمية المرحلة التي يعيشها الطالب سواء كانت طفولة مبكرة أو متأخرة أو مرحلة مراهقة، فالأسلوب هو نفس الأسلوب في الشدة والغلظة، والضرب هو بداية العلاج ولا يتخذ بعض المعلمين غيره، ويبقى هو السمة الغالبة في تعاملهم مع الطلاب أيا كانت طبيعة المرحلة التعليمية.
ويؤكد عبد السلام على ضرورة التدرج في وسائل العقوبة، فإجراء الضرب كوسيلة علاجية أمر أقره الإسلام ولكن ترتيبه في السياق القرآني والسنة النبوية يشير إلى التدرج في العلاج، فالله عز وجل يقول: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (النساء: ٣٤) أي أنه لا يجوز الانتقال من وسيلة إلى أخرى إلا بعد استيفاء كل مرحلة من العلاج المقرر لها، فما لا يتم إصلاحه بالثواب قد يصلحه العقاب على أن تظل السمة الغالبة هي الرحمة والرفق والبدء بالمسامحة، ثم التدرج في العقوبة.
ویرى عبد المنعم ساري، موجه سابق بالتعليم: أن كثيرًا ما يأخذ الضرب شكلا غير تربوي، وذلك حينما يبدأ به المعلم كوسيلة علاجية مع الطلاب... لذلك لابد من التدرج في استخدام الوسائل التربوية العلاجية؛ فالضرب ليس هو الأسلوب الأمثل للتربية كما أنه لا يمثل طرق العقاب كلها، فالحرمان من الثواب مثلاً شكل ناجح من أشكال العقاب، يحث عليه علماء النفس فيكون أحيانًا بعدم الرضا أو الحرمان من المكافأة أو من بعض الامتيازات التي كان سيحصل عليها الطالب... أيضًا من أنواع العقاب اللوم والتأنيب والعقاب البدني وآخر الدواء الكي... وليحذر المعلم من اتباع العقاب على طالب بريء لأنه يترك في نفسه شعورًا بالمرارة والاضطهاد، والطالب حينما يحس بالعدل يكون مستعدًا لقبول العقاب حين يؤمن بأنه مذنب، ولذلك ينبغي أن يشرح المعلم للطالب ذنبه وأن يذكره بالقواعد التي طولب بالتزامها، وأن يبين له لماذا سيوقع العقاب عليه.... ولا يلجأ المعلم للضرب كبداية للعقوبة مباشرة.
الضرب إجراء تأديبي يهدف للإصلاح
أما محمد سيد أحمد وكيل، مدرسة ثانوية، فيرى أن عقوبة الضرب هي إجراء تأديبي يهدف للإصلاح إذا خلا استخدام هذه الوسيلة من هوى المعلم، وكان حريصًا بالفعل على مصلحة الطالب؛ لأن عدم وجود وسيلة العقاب البدني في المدارس أدى إلى انتشار نوع من عدم الانضباط لدى الطلاب وعدم احترام أنظمة ولوائح المدرسة واهتزاز صورة المعلم بشكل كبير عما كان عليه الحال في الماضي؛ فالآن إذا حدثت أدنى عقوبة بدنية للطالب يذهب لإحضار ولي أمره ويفتعل مشكلة مع المعلم وتحدث ضجة وغوغاء ما كانت لتحدث لو أن ضرب الطلاب كان غير ممنوع كما نرى الآن، ولا سيما أن الطالب يعلم أن الضرب ممنوع ومن أمن العقوبة أساء الأدب مع معلمه ومع زملائه وحتى مع تجهيزات المدرسة.. كما أن الضرب كأسلوب تربوي أقر به القرآن الكريم كمرحلة أخيرة من وسائل التأديب مع الزوجة الناشر فمن باب أولى أن يطبق ذلك مع الطالب العاصي، وما حديث الرسول ﷺ «مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر» إلا مؤشر حيوي لوجود هذه الوسيلة التربوية كإحدى وسائل الإصلاح والتهذيب.. وتفضل بعض الدول المتقدمة «تعليميًّا» تطبيق عقوبة الضرب في المدارس حيث أثبتت الإحصائيات أن الدول التي تطبق العقوبة البدنية في المدارس يحقق فيها قطاع التعليم أعلى مستويات من النجاح عما عليه الحال في الدول التي لا تطبق هذه العقوبة..
وفي بريطانيا طرحت مؤخرا قضية عودة العقاب البدني للطلاب في المدارس.
ويقول الشيخ فتحي الخولي، أحد خبراء التعليم: قد يكون الضرب أحيانًا وسيلة تربوية ناجحة يقرها القرآن والسنة في بعض مراحل التربية والتأديب، فبعض الزوجات مثلًا قد يصلحهن الضرب في مرحلة من مراحل الإصلاح بعد الوعظ والهجر، وفي بعض المراحل أيضًا يأمر الوالد أبناءه بالصلاة في سن سبع ويضربهم عليها في سن عشر إذا اقتضى الأمر ذلك، وبعض الناس بصفة عامة لا تصلح لهم إلا العصا «والحر تكفيه المقالة» فرفع العصا لازم في بعض الأحيان، وكيف ننكر أمر الإسلام بالجلد والتعذير مثلًا؟ إن أحدًا لا ينكر دور العصا في بعض الأمور..
أما منع الضرب في المدارس فللوزارة فيه رؤية مثالية تتفادى بذلك أمورًا كثيرة وتبعد الطالب عن أي صورة من صور الإذلال أو الخضوع بالقوة في أماكن تربية العزة والمنطق والحوار، ومع ذلك فإن منع الوزارة الضرب في المدارس لا يلغي مبدأ الضرب بصفة عامة عندما لا يوجد علاج سواه.
الطريقة المثلى للضرب
ويشير رفيق عبد السلام إلى الطريقة المثلى التي يجب أن يؤدى بها الضرب والضوابط التي يجب أن تراعى عند الأخذ به فيقول:
يجب أن يكون العقاب البدني إجراء وقائيًّا وتقويميًّا للسلوك المنحرف، وذلك للمبادرة بإصلاح النفس لا لزيادة إفساد النفس وملئها بالبغض والكراهية أو المذلة أو انهزام المعاني الخيرة فيها واستصحاب معاني الرحمة والشفقة، كل ذلك يمنع أن يكون الضرب تعذيبًا أو إهانة أو إذلالًا وتحقيرًا.
فلا بد أن يكون ضرب تأديب مصحوبًا بعاطفة المؤدب المربي كما يزاوله الأب مع أبنائه، ومن المؤسف أن كثيرًا من الحالات التي تتخذ فيها وسيلة الضرب للعلاج تعتريها ممارسات خاطئة يغيب عنها الفهم الشامل والأداء المتميز ويمارسها الكثيرون دون وعي وإدراك لعواقب تلك الممارسة الخاطئة.
الجفوة بين المعلم والطالب
يقول عبد الحميد عدلان الزناتي: لا شك أن كثيرًا من المعلمين يسيئون استخدام وسيلة العقاب بالضرب هذه الأيام بسبب الجفوة بينهم وبين طلابهم، لذلك حرص العلماء المختصون في التربية وعلم النفس على منع عقوبة الطالب بالضرب؛ لأن هذه العقوبة خرجت عن الغرض المشروع لها.. أما إذا توثقت رابطة الأبوة بين الطالب ومعلمه وشعر الطالب بحرص معلمه على مصلحته وحبه له فلا مانع من استخدام عقوبة الضرب للطالب الذي يتكرر منه الخطأ حيث إنه سيشعر بحرص معلمه على مصلحته.
ويقول رفيق عبد السلام.. لقد أثبتت الدراسات النفسية أن ممارسات التربية والتعليم تتثبت وتنمو في ظل الحب والود والهدوء النفسي حيث التهيئة النفسية للمتلقي وهذا ما تألفه الطبيعة الإنسانية وتميل إليه وهي في طريق التعلم، وفرق كبير وشاسع بين أن يعاقب طالب بالضرب وهو محب لأستاذه ومقدر لشخصيته ومتأثر بقدوته الحسنة وسلوكه الطيب وبين الطالب الذي يعاقب بالضرب ولا يرى في أستاذه إلا التسلط وحب التعالي، فتقويم الطالب يتم بالقرب والملاينة وفي الحديث الشريف «لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه».
الأبناء أمانة بين يدي المربين
يقول الشيخ سيد سابق «صاحب فقه السنة»: الأبناء أمانة وضعها الله بين يدي المربين وهم مسؤولون عنها فإن أحسنوا إليهم كانت لهم المثوبة، وإن أساءوا تربيتهم استوجبوا العقوبة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: ٦) أي أدبوهم وعلموهم.. وقال رسول الله ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
فيجب على المربي سواء كان أبًا أو معلمًا الأخذ بالتربية الدينية لأن الدين بما له من تأثير على النفوس وسلطان على القلوب هو الذي يوقظ حواس الخير ويوجه إلى المكارم ويبعث على الفضائل ويحيي الضمير، والضمير- كما يقول علماء الأخلاق- هو: الشعور النفسي الذي يقف من المرء موقف الرقيب.. وهذه اليقظة الروحية هي حقيقة الإيمان وجوهره..
والإسلام له طريقته الخاصة في إصلاح الأولاد وتربيتهم فيجب أولًا: أن يلجأ المربي إلى الملاطفة بالوعظ؛ فعن عمر بن أبي سلم رضي الله عنه قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله له وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ: «يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»..
ثانيًا: على المربي أن يلجأ إلى هجر الولد؛ فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن الحذف «رمي الحصي بالسبابة والإبهام»، وقال: «إنه لا يقتل صيدًا ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين ويكسر السن».
ثالثًا: الضرب.. قال رسول الله ﷺ «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم وهم أبناء عشر سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع».. فلا يجوز للمربي أن يلجأ للضرب إلا إذا عجز عن جميع الوسائل الإصلاحية، فلا بأس بعد هذا أن يلجأ إلى الضرب غير المبرح ولا يكون على الوجه، عسى أن يجد المربي في هذه الوسيلة إصلاحًا للنفس وتقويما للسلوك حال اعوجاجه... وهذه المراحل في التأديب إذا كان الولد في سن الطفولة إلى المراهقة؟ أما إذا بلغ سن الشباب فيجب أن يبدأ أيضًا بالإقناع والوعظ والإرشاد.. ثم الهجر الدائم ما دام مصرًا على فسقه قال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (المجادلة: ٢٢).
والغاية من التربية الدينية أن تتهذب نفس الإنسان وتتكامل ليستطيع القيام بواجبه نحو الله ونحو أسرته ونحو إخوانه في الإنسانية وأن يقول الصدق ويحكم بالحق وينشر الخير بين الناس.. وهذه درجة الصالحين التي يريدها الله للذين يتمسكون بالدين ويحرصون عليه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل