الثلاثاء 20-يوليو-1976
الضائعة
... في بحار الليل المظلمة وقد أرخى السكون سدوله عليها بأنواع الهموم إذ تمطى شبح الظلام فراغ الحجرة الباردة وأخذ بين عيونها يزيل كل محاولة يائسة لمداعبة النوم الذي ودّع كيانها العليل.
وجيوش جرارة من الأفكار المرتبكة تغزو فكرها لا تجد مقاومة غير دموع تحاول استعطافها لتكف عن عملياتها التي فتت كل كيانها المنهار ولم تعد الذاكرة قادرة على إعادة الفكر إلى صوابه وتعالى صوت بالبكاء يحاول الكتمان ولا تزيده المحاولة انفلاتًا يحطم سكون ما خشع على جنبات السرير في تشابك أذرع الظلام المخيف. وتعود العاصفة الثائرة إلى هدوئها وتكف الأمواج المتضاربة عن الصراع وينقطع سيل الدموع وينتهي تقدم جيوش الأوهام عن الهجوم فتنطوي الحائرة في لحد فراشها الذي اتسعت جنباته عن جسمها النحيل وتغط في سبات عميق. وتقترب من السرير المحتضن شيخة عجوز أثقلتها السنون تتفقد وحيدتها التي ودعتها باكرًا عند أول ملامسة الليل لنور النهار المتقطع.
وتقع يدها على رجلها التي أثلجها البرد فتلقي عليها لحافها في عطف وحنان وأمومة تنسيها ثقل ما على عاتقها من السنين الطوال. وتنسحب بخفة إلى الباب تسترق الخطا خوفًا من إحداث صوت قد يحدث من ارتطام رجلها بأدوات ابنتها المبعثرة في أرجاء الغرفة.
وتنقطع الحركة حين خروجها تاركة السكون يعود إلى أمنه واستقراره وخشوعه.
ولقد هدأ الليل واطمأنت أجفانه وكأنه قد استحكم في الكون بعد صرعة للنهار ولكنّ نذيرًا للصباح جاءه عاجلا يستدرك خطأ حكمه وينذره بالرحيل، ولما استدرك قوة خصمه الذي استجمع قوته التقط أنفاسه واستعد للرحيل ثانية إلى ديار أخرى يغزوها ويشتت جموع النهار ويطارد فلوله فيها، وعاد النصر ثانية لأشعة الصباح الدافئة وبدأت روائح الأزهار تفوح عطرة تملأ الدنيا انشراحَا وبهجة. والتقت الوالدة الحنون بابنتها وأخذت ترمقها وتركز النظر فيها دون أن تشعرها بذلك، وقد لاحظت اصفرار وجهها وانتفاخ مقلتيها فأدركت حقيقة تظن كل أم حاجة ابنتها إليها وهي وجود مؤنس لها يسد عليها فراغها فاتخذت طريقها وبدأت تمهد لمفاتحتها بهذا الموضوع الذي تسر له وتفرح. ولكن فراستها كانت سهامها غير مصيبة هذه المرة؛ إذ إنه سرعان ما اتضح للأم خطأها في تقدير ظروف أحاسيس وحيدتها الغالية فأطرقت إلى الأرض إطراقة لم يرفعها سوى صوت طرق خفيف على الباب وإذا بضيوف يبدو أنهم كرام يفاجئونهما بزيارة خاطفة، وإذا بالجواب يأتي عاجلاً شاب مسلم متدين يتقدم للابنة العزيزة، وإذا بالرد يأتي عاجلاً بالقبول وتعلو الجميع فرحة ونشوة تطير بجوائحهم وتفجر مكنونهم بالسرور فيتعالى الحديث وتنفتح القلوب بالصراحة والوضوح.
وتسارع الفتاة الحائرة على مستقبلها إلى غرفتها خجلاً وحياءً ممزوجًا بفرح وقد بات لسانها يردد شاب مسلم متدين، إنها أمنية لم تكن تحلم بها وتسارع في حركتها تمحو كل آثار الماضي فتحرق المجلات الخليعة التي أربكت حياتها من الماضي كل صلة وتعود سجادتها إلى القبلة تفترش الأرض ويعود الركوع والسجود يملأ جنبات الغرفة التي انتعشت مظاهرها ويعود أنين التلاوة يطرد جيوش الظلام التي كانت تحاول الغزو بجيوشها الضعيفة المنهزمة أمام تيار الإيمان الجديد. وتعود الأم سيرتها تتفقد راحة فلذة كبدها ولكنها تفاجأ بنور ينبعث من زجاج الباب الذي تسكن فيه وحيدة كما أسمتها فتدفع الباب الذي كشف التحول العظيم في حياة أنيستها إذ ألفتها ساجدة تهمهم بأدعية لا تكاد تفصح عن معانيها فتخر الأم ساجدة معها تشكر الله الذي هدى ابنتها ووفّقها لنور الإسلام، ويبقى الليل واضعًا يده على خده عاجزًا عن اقتحام المنزل السعيد وقد طوى أوراق الحزن ونثرها هنا وهناك فاقدًا كل أمل بالعودة ثانية إلى دنيا السعادة دنيا الإيمان والنعيم والخلود في الجنات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل