; الصين وتايوان حرب.. أم مصالحة؟ | مجلة المجتمع

العنوان الصين وتايوان حرب.. أم مصالحة؟

الكاتب وحيد حمزة هاشم

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أبريل-1996

مشاهدات 67

نشر في العدد 1194

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 02-أبريل-1996

▪ الإصرار الصيني على استعادة تايوان بأية وسيلة كانت ولا زالت المحور الرئيسي للخلاف مع أمريكا.. لماذا؟

الأزمة التايوانية- الصينية، التي بدأت منذ أكثر من ثلاثة أسابيع أخذت بُعدًا سياسيًا وعسكريًا جديدًا بعد فوز الرئيس التايواني لي دينج هوي بأغلبية أصوات الناخبين مما يصعد من احتمالات المواجهة الصينية- التايوانية- الأمريكية المحتملة في مضيق تايوان، ولربما على أراضي الجزيرة التايوانية «فورموزا كما سماها البرتغاليون».. وهي أزمة إقليمية- دولية جديدة تعد من أهم ما يشغل بال الرأي العام العالمي والإقليمي نظرًا للمخاطر الجسيمة والمكلفة فيما لو اندلعت حرب محدودة أو شاملة في تلك المنطقة.

ولقد بلغت الأزمة أشدها في ضوء التصعيدات الصينية العسكرية في مضيق تايوان ونتيجة لطول فترة تلك المناورات والاستخدامات العسكرية الصينية فيها لأحدث الأسلحة في الترسانة الصينية وخصوصًا أجهزة توجيه الصواريخ المواجهة طويلة المدى، وفي ضوء الحشد الأمريكي العسكري الهائل في المنطقة والذي لم يسبق وأن حشدت أمريكا مثله منذ الحرب الفيتنامية.

والسؤال الأول الذي يتداعى هنا منطقيًا هو ما هو الهدف من إجراء المناورات العسكرية الصينية في ذات الوقت الذي تجري فيه الانتخابات الرئاسية التايوانية؟ ومن ثم يتداعى منطقيًا من ذلك السؤال، السؤال التالي: هل من الممكن أن يؤدي تصعيد التوتر في مضيق تايوان إلى إجبار الحكومة التايوانية على الدخول في مفاوضات لتحقيق الوحدة مع الصين، ويقودنا هذا السؤال إلى تساؤل آخر هو هل هناك احتمال ولو ضئيل لحدوث صدام عسكري بين الصين وتايوان ولو عن طريق الخطأ؟

لا شك أن نظرتنا إلى الإجابة على هذه التساؤلات لا بد وأن تكون نظرة موضوعية تحليلية شاملة ومجردة لتطورات الوضع الحالي للمنطقة وحقائقها في إطار أحداث الماضي التي أفرزت هذه التطورات وهذا الواقع بكامل معانيه وحقائقه وتداعياته، فالأحداث الخطيرة التي تجري اليوم بين الصين وتايوان ما هي إلا امتداد للأحداث المشابهة لها بالأمس، والتي غلب عليها العداء والمواجهة منذ انهيار الإمبراطورية الصينية في عام ۱۹۱۱م، واندلاع الحرب الأهلية الصينية «التي تعد أطول حرب أهلية في التاريخ» بين طبقة البورجوا- الرأسمالية بقيادة «شيانج كاي تشيك» والعناصر الشيوعية التي تعددت قياداتها لترسو أخيرًا على الزعيم الصيني «ماوتسي تونج».

وبعد حرب طويلة تمكن ماوتسي تونج من إلحاق الهزيمة بقوات شيانج تشيك الذي هرب مع مؤيديه وأعوانه إلى جزيرة تايوان وأقام فيها حكمًا سياسيًا ديكتاتوريًا يمينيًا لا يختلف عن الحكم الشيوعي لماوتسي تونج اليساري، وبعد ذلك الهروب أو الاستسلام غير المباشر تمكن ماوتسي تونج من السيطرة الكاملة على الصين لتصبح معقلًا من معاقل الشيوعية الحديثة.

▪ أطماع دولية

والصين اليوم كما كانت بالأمس عرضة للأطماع الدولية للدول الكبرى التي تنافست في بسط نفوذها بهدف السيطرة عليها، ففي الماضي تعرضت الصين للأطماع اليابانية من الشرق وللأطماع الروسية ومن ثم السوفييتية من الشمال، ومن جميع الاتجاهات من قِبل الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية التي كانت ترتع بعثاتُها العسكرية والتبشيرية والتجارية في جميع أنحاء البلاد الصينية.

إذًا فإن المصالح والأهداف القومية العالمية وخصوصًا المصالح الأمريكية الحيوية والاستراتيجية في الصين بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى- وبشكل أكثر عمقًا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت تعد المحرك الرئيسي للسياسة الصينية والإقليمية والدولية وخصوصًا إبان اندلاع الحرب الكورية في عام ١٩٥٠م.

وتجلت بوضوح أهمية الصين الوطنية عندما اندلعت الحرب الكورية ومن ثم الحرب الفيتنامية وذلك في التحالف الأمريكي- التايواني في مواجهة العدو العقائدي- والسياسي، والاقتصادي المشترك لهما وهو التنين الصيني أو كما يسميه البعض في الغرب العملاق الصيني الذي كان نائمًا في ذلك الوقت ولكنه كان مدعومًا من قِبل حليفه الاتحاد السوفييتي النشط والمتحفز للانقضاض على المصالح الأمريكية في جميع أنحاء العالم.

وفي الحقيقة فإنه لولا الأساطيل الأمريكية التي دفعت إلى المنطقة عام ١٩٥٠م والدعم العسكري والمادي الأمريكي للصين الوطنية لضمت الأخيرة إلى الصين الأم بالإكراه منذ زمن بعيد، بل وساهمت أهمية الصين الوطنية الاستراتيجية والحيوية للمصالح الأمريكية القومية في أن تفرض أمريكا تايوان على العالم كله لمدة عشرين عامًا وخصوصًا في مجلس الأمن الذي كانت تايوان عضوًا من الأعضاء الخمسة الدائمين فيه.

إلا أن التغيرات الحيوية الرئيسية والاستراتيجية في العلاقات الأمريكية الصينية الشيوعية منذ عام ۱۹۷۰م، نتيجة لصحوة العملاق النائم وظهوره على الساحة الإقليمية والدولية كقوة نووية يحسب لها ألف حساب تهدد جميع المصالح الغربية في جميع أنحاء منطقة شرق وشمال وجنوب آسيا مهدت الطريق لحدوث تغيرات جوهرية في السياسية الأمريكية- الصينية الوطنية.

نتيجة لذلك وبهدف احتواء القوة الصينية وتحييد مخاطرها لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دورًا كبيرًا في طرد الصين الوطنية من منظمة الأمم المتحدة ومن جميع المنظمات الدولية وأحلت محلها الصين الشيوعية، وذلك نتيجة لسياسة «البينج بونج» التي تتوجت بزيارة نیكسون للصين في عام ۱۹۷۱م وانفتاحها على العالم.

وعلى الرغم من التحالف الصيني «الشيوعية»- الأمريكي والانفتاح السياسي والاقتصادي فيما بينهما، إلا أن الإصرار الصيني على استعادة تايوان وضمها إليها بأية وسيلة كانت ولا زالت محورًا رئيسيًا للخلاف الأمريكي- الصيني.

▪ سياسة خارجية مستقلة

وفي إطار ذلك استمرت الصين في اتباع سياسة خارجية مستقلة عن الولايات المتحدة الأمريكية وفي بناء قوتها العسكرية التقليدية والنووية، وفي الضغط من وقت لآخر على الصين الوطنية ملوحة لها بسياسة العصا والجزرة، فإما الوحدة سلميًا أو بالقوة، وخصوصًا عندما أعلن الرئيس الحالي «والذي كان مرشحًا للانتخابات الرئاسية الماضية» لي تينج هوي بأنه «سيعلن استقلال تايوان التام عن الصين فيما لو أعيد انتخابه مرة أخرى، وهو وضع خطير سوف يترقبه العالم كله باهتمام في الأيام القادمة.

ولذلك فإن المناورات العسكرية الصينية في مضيق تايوان وعمليات إطلاق الصواريخ الموجهة كانت ولا زالت رسائل حاسمة وأخيرة إلى الرئيس «هوي» بعدم التفكير في إعلان الاستقلال، إلى جانب أنها كانت دعمًا وتأييدًا سياسيًا وعسكريًا لمنافسه زعيم الحزب الجديد «لين يانج كانج» الذي دعا في حملته الانتخابية إلى إعادة توحيد تايوان مع الوطن الأم.. إلا أن تلك السياسة العسكرية الصينية ساهمت بشكل مباشر في حدوث رد فعل شعبي سلبي تجاهه وإلى فوز «هوي» في تلك الانتخابات على الرغم من مخاطر الغزو الصيني للجزيرة.

ولا شك أن تصعيد التوتر في مضيق تايوان سيؤدي إن استمر على نفس الدرجة وبنفس القوة والإرادة والتصميم الصيني إلى أن تجبر تايوان على الدخول في مفاوضات لتحقيق الوحدة مع الصين، وخصوصًا فيما لو تراجعت الولايات المتحدة الأمريكية عن التزامها بالدفاع عن تايوان، وهو أمر محتمل ووضع قد يصبح حقيقة فيما لو أعلن الرئيس «هوي»، عن استقلال تايوان عن الصين الأم، ونفذت الصين الشيوعية تهديدها وقامت بالفعل بهجوم عسكري مباغت على الجزيرة التايوانية حفاظًا على مصداقيتها السياسية والعسكرية إقليميًا ودوليًا.

وبذلك ستوضع السياسة الأمريكية والمصداقية الأمريكية على المحك الحقيقي والاختيار الصعب مرة أخرى في تلك المنطقة من العالم، فهل ستغامر أمريكا في الدخول في حرب تقليدية «ولربما تتطور إلى نووية» مع الصين الشيوعية من أجل عين تايوان «الصين الوطنية»؟ وهل سيقبل الرأي العام الأمريكي تلك الحرب، وهل سيوافق الكونجرس الأمريكي على تلك الحرب؟ وهل سيغامر الرئيس كلينتون في حرب قد تفقده حلم الانتخاب للفترة الرئاسية الثانية؟

الإجابة على هذه التساؤلات تكمن في أسلوب التحليل العلمي الموضوعي للحدث اعتمادًا على أحداث الماضي ووقائع الحاضر، وعلى معرفة الأهمية الاستراتيجية والحيوية لتايوان اليوم «والتي تختلف قطعًا عما سبق وما أوضحناه عن أهميتها بالأمس» في إطار المصالح الأمريكية القومية العليا وما تمثله من مخاطر على الأمن القومي الأمريكي.

ولحسن حظ الصين الشيوعية، ولربما لسوء حظ تايوان فإن انحسار الشيوعية في الصينية وانهيارها في روسيا بل وانفتاح الصين من الشيوعية على العالم سياسيًا واقتصاديًا، هذه الأمور لعبت دورًا كبيرًا في هبوط الأهمية الاستراتيجية المصالحية للصين الوطنية في ميزان المصلحة الأمريكية القومية والأمنية.

إضافة إلى أن دخول القوات الأمريكية في معركة عسكرية مع القوات الصينية ترتبط بالقرار السياسي الأمريكي، الذي يرتبط بالأمن والمصالح الأمريكية العليا، وبالرأي العام الأمريكي، وبالكونجرس الأمريكي.. وجميعها لا يمكن أن تنسى ذكرى الحرب الكورية وتدخل الصين الشيوعية فيها، أو ذكرى الحرب الفيتنامية ودعم الصين للثوار الفيتكونج وما أدت إليه هاتان الحربان من خسائر جسيمة في القوات العسكرية الأمريكية، بل وفي المصداقية السياسية والعسكرية الأمريكية.

▪ المواجهة العسكرية

ولذلك فإن حدوث مواجهة عسكرية عن قصد أو عن خطأ سيكون فيما بين القوات الصينية التايوانية، والصينية الشيوعية التي تتفوق كمًا ونوعًا على القوات التايوانية، ولكن وعلى الرغم من احتمالات حدوث ذلك السيناريو، إلا أن الواقع العسكري وحقائقه قد يختلف عما يدور في الخاطر السياسي لصانعي القرار السياسي في بيكين، فالقضية ليست بهذه السهولة، والغزو العسكري ليس برحلة استجمام أو ترفيه والموانع الاستراتيجية تلعب دورًا كبيرًا في الهجوم أو منعه فتايوان تبعد عن الصين الشيوعية بحوالي مائة ميل والمشكلة الكبرى للصين الشيوعية تكمن في انعدام القدرة العسكرية السريعة على شحن القوات «وسائل النقل والمواصلات العسكرية» وسرعة إنزالها على شواطئ تايوان فالصين الشيوعية لا زالت تفتقر إلى وسيلة الإيصال والنقل العسكرية السريعة للجنود والمعدات والأسلحة والذخائر،

وإلى المحافظة على خطوط الإمدادات العسكرية.

ولذلك وفي حالة تصاعد الأحداث وانفلات محيداتها وضوابطها السياسية «فيما لو أعلن الرئيس لي تينج هوي استقلال بلاده عن الصين ولم يتراجع عن ذلك»، إلى مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة، فإن أمريكا ستترك الأحداث تأخذ مجراها الطبيعي في تلك المنطقة من العالم كما فعلت عام ۱۹۷۱م عندما طردت الصين الوطنية من هيئة الأمم المتحدة، وكما فعلت في فيتنام في أواخر عام ١٩٧٤م، وذلك تمشيًا مع مصالحها القومية وأمنها القومي، وحتى لا تعيد إلى أذهان الشعب الأمريكي والعالم كله تجربة فيتنام المؤلمة- المرة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8