العنوان الصيام والدوافع الفيزيولوجية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1980
مشاهدات 69
نشر في العدد 490
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 22-يوليو-1980
يلح علماء النفس على أهمية الدوافع الفيزيولوجية «الوظيفية» في الإنسان ويعتبرونها المحرك الحيوي لمجمل نشاطاته، ولقد بالغ السلوكيون منهم فاعتبروا حياة الإنسان لا تخرج عن هذه الدوافع في حوافزها وإلحاحها ثم في سعي الإنسان لإشباعها وإروائها، واعتبروا أن كل مشاكل الإنسان تنشأ عن كبت هذه الدوافع وعدم القدرة على تلبية حاجاتها، وهذه الدوافع تتطلبها طبيعة الجسد الإنساني وهي حسب -أهميتها وقوتها: دافع العطش ودافع الجوع ثم الدافع الجنسي، ويؤكد هذا الترتيب كثير من التجارب قام بها علماء النفس التجريبي والتربية على الإنسان والحيوان.
ولا يستطيع أحد إنكار الدور الحيوي لهذه الدوافع وأهميتها في حياة الإنسان، ولكن التقدم الجديد لعلم النفس أظهر لنا عدة أمور منها: أولا: أن إرضاء هذه الدوافع الفطرية واتباعها أمر قابل للتهذيب والتربية وتغيير الأشكال، على نطاق واسع جدًا وليس هنالك نمط واحد حتمي لدى كل البشر -كما عند الحيوان- ولذلك نقول: الإنسان يجوع و يسعى لسد جوعه، ولكنه لا يأكل من الأرض كالحيوان ويختلف سلوك البدائي عندما يأكل عن سلوك المتمدن.
وهنالك تحكم آخر في هذا الدافع، فالمسلم مثلًا يغسل يديه قبل الأكل، ويأكل باليد اليمني، و يأكل مما يليه، ولا يشرب الخمر ولو عطش، ولا يأكل الميتة والمآكل النجسة ولو كانت لذيذة ولو كان هو جائعًا ما لم يتعرض لخطر الموت، ولا مانع عنده من استعمال الشوكة والسكين ولكنه لا يشرب أو يأكل في أواني الذهب والفضة، بينما ترى غير المسلم لا يبالي بشيء من ذلك كله وتحكمه عادات أخرى، ومثل ذلك قل في بقية الدوافع.
ولأجل ذلك استبعد علماء النفس المحدثون -محقين- كلمة «غرائز» من طبائع الإنسان واستعملوا بدلًا منها كلمة «دوافع»، واقتصروا بمفهوم الغرائز على الحيوانات، وعرّفوا الغريزة بأنها سلوك فطري غير متعلم، كغريزة السباحة عند بعض الحيوانات والطيران عند بعضها الآخر، وأما الدافع فاقتصروا به على الإنسان لأن هذه الحوافز الفطرية عنده تُرضى بأشكال مختلفة، قابلة للتعلم والتهذيب، وهذه هي ميزة الإنسان على الحيوان، ومن هنا تعمل التربية..
ثانيا: أن الدافع الجنسي ليس أهم هذه الدوافع -كما كان يدعي فرويد وأذنابه- وإنما هو آخر الدوافع ترتيبًا من حيث الأهمية والضرورة والإلحاح، نعم، قد تجعل ظروف مثيرة معينة الدافع الجنسي ماثلًا بشكل مُلِح دائم في ذهن فرد أو مجموعة من الناس، ولكن هذا الاهتمام الخاص لا يعني أبدًا أنه أهم من دافع العطش أو الجوع، فالإنسان يموت إذا لم يشرب أو يأكل ولكنه لا يموت إن لم يتزوج، وكثيرون اختاروا العزوبة والعفة لفترات طويلة من الزمن -مختارين أو مضطرين- ولم يؤثر ذلك في سلوكهم أو نفسياتهم تأثيرًا سيئًا كتأثر المكبوت بدون فهم.
ومن هنا أيضًا بحث علماء التربية وعلم النفس في تصعيد الدوافع وإعلائها وتحويلها في بعض الأحيان، فالذي لا يستطيع الزواج لسبب ضيق اليد - مثلًا، لا ينفعه أبدًا أن يجلس طول النهار يستمع الأغاني الماجنة ويقرأ الكتابات المثيرة و يطالع الصور العارية، ولا ينفعه مخالطة رفاق السوء ولا حتى من الجنس الآخر، بل ينفعه أن يصرف اهتمامه بشكل قاصد متعقل عن هذا الدافع مؤقتًا حتى يتمكن من إرضائه بشكل طبيعي مشروع، ولا شك أن هذا التصرف إرادي يمنحه عزيمة وطاقة يمكن أن يفيد منها كثيرًا في بناء مستقبله، وأن يتجاوز كثيرًا من العقبات التي تسحق غيره.
وهكذا نرى الشباب الذي تلقى تربية إسلامية صالحة منذ صغره أدرك معها قيم «الطهارة والعفة والحلال وصيانة الجسد والمسؤولية عنه» واستبعد أشكال «الأنانية والجشع الشهواني العاجل والحرام وحب الاستحواذ والتسلط»، إن مثل هؤلاء الشباب يمرون بفترات المراهقة والشباب بكل أمن وسلام نفسي و ينجحون في دراستهم وحتى في البلاد الأوروبية ومجتمعاتها المتساهلة ويبنون أسرًا سعيدة مستقرة ويتفوقون في سن باكرة، بينما نرى زملاء لهم يقضون أعمارهم وهم يتسكعون في الشوارع والفصول الدراسية دون تفوق أو تقدم، وهم يبرزون أشكال الفشل الشائعة..
ثالثا: ومن هنا وجد علماء النفس والتربية أن هنالك دوافع بالغة الأهمية تفوق أهمية الدوافع الفزيولوجية موجودة عند الإنسان، وهي الأساس التحكم حتى في سلوكه الفزيولوجي، فدوافع الشرف والأمومة والفضيلة والعقائد الدينية، كلها تصوغ طريقة إشباع الإنسان لدوافعه وطريقة تعامله وتصرفه في الحياة؛ ولذلك نرى كثيرين يفدون إسلامهم وعرضهم وأوطانهم بأرواحهم وهي أغلى ما يملكه الإنسان، فأين إذن نظریات السلوكيين وفرويد وأشكالهم ممن شوه صورة الإنسان ومسخه حيوانًا؟ وذلك لغاية خبيثة في نفوسهم يريدون بها تهديم المجتمع البشري عن طريق الإباحية والشهوانية والفساد وبسحق جميع القيم وإبعادها عن ساحة الوعي والشعور، وهذا ما تبنته النظم الفاسدة التي جوعت الشعب، وحرمته الأمن والهدوء لتقتل راحته وتفكيره وتجعله لا يفكر في غير معدته وإملائها وقلما يتيسر له ذلك بشكل كريم...
وإذا كان الإنسان قابلًا للتهذيب والتربية وإعلاء الدوافع وتنظيمها، فإنه يحتاج في ذلك إلى وسائل معينة، منها التعليم ومنها العقيدة السليمة ومنها القدوة الصالحة والبيئة المساعدة ومنها التربية النفسية والروحية، ذلك أننا في (الإنسان)، أمام حشد هائل من الإمكانيات والقدرات والدوافع والشهوات، فلا بد من تقوية جانب ليكون هو الغالب المؤثر، فيصدر السلوك عندئذ عن طبع وإرادة قاصدة غالبة غير متكلفة، وهذا ما يسمى بالخُلُق.
والصوم هو من أهم الوسائل التربوية الإسلامية العالية في تهذيب النفس وتقوية الإرادة، فالإنسان الذي يمسك عن الطعام والشراب وممارسة الجنس -أي عن الدوافع الفيزيولوجية كلها- لفترة طويلة كل يوم - على مدى شهر كامل كل سنة أو تطوعًا في أيام أخرى، إنما يفعل ذلك عن قصد (نية) وإدراك واع لذاته ودوافعه وهدفه، فهو لا يصوم للجوع والعطش لذاتهما وإنما يحتمل الجوع والعطش في سبيل غاية سامية وهي إرضاء الله تعالى وتنفيذ أمره، وهكذا يقوى جانب (الإرادة) لديه فيقوى على نوازع الشر والشهوات الفاسدة، وقد قوي على ما هو أقوى منها عندما احتمل الجوع والعطش في الحر أو القرّ لفترة تدريبية كافية من الزمن - هذا إذا أُدِّيَ الصوم على شكله الإسلامي وبآدابه وتعاليمه التي أشار إليها الدين الحنيف وإلا فكثيرون من الكفار يصومون أكثر من المسلمين وبعضهم يضرب عن الطعام وبعضهم يؤثر الموت جوعًا تقربًا إلى المثالية وآلهته المزعومة -كما يدعون-
فالصوم الإسلامي مدرسة حقيقية، تتجلى فيها عدة أمور:
1- تقوية الإرادة الدينية وتعميق معنى الإخلاص والنية (إيمانًا واحتسابًا)، وذلك لأن الصوم لا يحتمل المظهرية وهو عبادة تتطلب صبرًا وجهدًا وهي سر بين المرء وربه، ولذلك فهو عبادة فريدة وتجربة ذاتية فيها معاناة حقيقية تعمق معنى الصلة بالله تعالى في النية والإمساك والإفطار والسحور وقيام الشهر المبارك والإكثار من الصدقة والبر وقراءة القرآن.. الخ
ولذلك يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». (متفق عليه) وهكذا نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن في السحور بركة وأن للصائم فرحتان، فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه، وهكذا نجد من دعاء الصائم عند فطره: «الحمد الله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت ذهب الظمأ وابتلت العروق يا واسع الأجر اغفر لي».. فهل هنالك أقوى وأدق وأجمل من هذه الرياضة الروحية الجسدية..
2- الصوم علاج مثالي لحسم الشهوات الفاسدة أو جموح الدوافع الفزيولوجية وذلك من ناحيتين:
أولاهما: الامتناع القصدي الإرادي (الإمساك) عن الأكل والشرب والجنس وغيرها من المفطرات لفترة من الزمن وفي ذلك تقوية للنفس على هذه الدوافع وتدريب على الاعتدال فيها وحتى الحرمان المؤقت منها.
ثانيهما: إن الصوم بإذابته لشحوم البدن وطرحه لفضلاته وإشعاره بالجوع والعطش يضعف لدى الإنسان حدة الدافع الجنسي وجموع الشهوات العاجلة ولا سيما مع ما يرافقه من جو التقوى والورع، ولذلك فهو مُعِين أساسي على العفة، وطبيعي -كما رأينا- أن الجائع لا يفكر في الجنس، ولذلك يقول الرسول المربي الأعظم صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». (متفق عليه) وهكذا فالصوم وسيلة من وسائل (التعفف) الذي أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (سورة النور: 33). وهكذا يكسر الصوم ذلك التناقض المزعوم بين الجسد والروح، ويبين الصلة الأكيدة لأحدهما بالآخر.
3- الصوم يكسر أسر العادات المستحكمة، وذلك بتغيير شامل لمواعيد الأكل والشرب مع إدخال مناسبات عبادية كريمة خاصة برمضان، كالسحور الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأن فيه بركة وأمرنا بالسحور ولو بشربة ماء، وكالتراويح التي هي قيام رمضان، وكصدقة الفطر، وبذلك يتخلص الإنسان من الجمود (الروتيني) الذي يحطم الحرية والإبداع، ولعل كثيرًا من الأسر -في وقتنا الحاضر على الأقل- لا تجتمع على المائدة إلا في رمضان.
4- الصوم بما فيه من تدريب إجباري على الجوع والعطش هو درس في التربية الجادة والتعود على الشظف والتقشف يشعر بعظم نعمة الله تعالى في الصحة والعافية وتوفر الغذاء والماء، وهو إذ يشعر المرء إجباريًا بألم الجوع والعطش ووقع الحرمان، يشعره بالتالي بحال الفقراء والمحرومين والمشردين ويدفعه بالتالي إلى السخاء في مساعدتهم، ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم «كان أجود ما يكون في رمضان»..
5- الصوم الإسلامي ليس تعذيبًا للجسد ولا إرهاقًا له ولكنه صقل وتدريب، ولذلك لا يجوز صوم الدهر كله ويسن السحور وتأخيره وتعجيل الفطر، وكل ذلك من فضل الله تعالى ورحمته ولتعليم الإنسان المسلم أهمية الوظائف الجسدية والحرص على صحتها وسلامتها. فليس من الإسلام مَن تَرَهّب أو أضرب عن الطعام على طريقة الكفار ولا من أذى نفسه أو أرهق جسده إلى حد الإيذاء، ولذلك جاز الفطر للمسافر والمريض والمسن ووجب على الحائض والنفساء وجاز للحامل والمرضع والمريض فإن خاف هؤلاء الضرر على أنفسهم أو الجنين أو الرضيع وجب عليهم الفطر والقضاء فيما بعد.
وهكذا فإن الصوم مدرسة تهذيبية كريمة وموسم من مواسم الخير وفرصة مناسبة أشد المناسبة للرجوع إلى الله تعالى ومحاسبة النفس، ولذلك كان لرمضان «عتقاء من النار» وفيه تصفد الشياطين ويبتهج المؤمنون الصادقون، ولو علم الناس ما في رمضان من الخير لتمنوا أن يكون الدهر كله، والحمد لله رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل