; الصيام.. تربية على الرقابة الذاتية | مجلة المجتمع

العنوان الصيام.. تربية على الرقابة الذاتية

الكاتب د. حسين شحاتة

تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2012

مشاهدات 120

نشر في العدد 2014

نشر في الصفحة 14

السبت 04-أغسطس-2012

حين يستحضر المسلم عظمة الله سبحانه وتعالى ويوقن أنه سيحاسب أمامه يوم القيامة فإن في ذلك وقاية له من الوقوع في الزلات والشبهات وإتباع هوى النفس.

معرفة أحكام الدين تزيد الرقابة الذاتية .. وحين يطابق المرء ما ينوي القيام به مع شرع الله تعالى فلن يضل الطريق. 

الرقابة الذاتية أكثر أهمية في مجال الحكم والإدارة.. وعلى المسؤول أن يدرك أن الله يعلم الدقيق الصغير والخفي المستور.


الرقابة الذاتية أسمى أنواع الرقابة فعالية, ويقصد بها أن يراقب الفرد نفسه بنفسه قبل القدوم على عمل معين, ومدلولها في الإسلام أن الفرد المسلم يخشى الله سبحانه وتعالى في كل تصرفاته وحركاته وسلوكه وهواجسه على دوام الأوقات, ويوقن تمامًا أن الله مطلع على ما يخفى وما يعلن ودليل ذلك في كتاب الله قوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور﴾ (غافر: 19), وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾ (العلق: 14), وقوله جل شأنه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الحديد: 4).

إن النفس البشرية التي توقن بأن الله تعالى مطلع عليها، عالم بأسرارها, رقيب على أعمالها، تقوم بمراقبة نفسها ذاتيًا، وتقارن بين ما تنوى القيام به وما يجب القيام به في ضوء ما شرعه الله تعالى، فإذا ما تأكد المسلم واطمأن إلى شرعية ذلك يقوم بتنفيذ ما ينوي القيام به قاصدًا بذلك رضاء الله ذاكرًا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمينَ﴾ ( الأنعام: 162).

وبذلك تتحقق الرقابة الذاتية التي تمنع الفرد المسلم من الوقوع فيما يغضب الله تعالى, متحكمًا في نفسه الأمارة بالسوء، ومسيطرًا على هواه، متذكرًا قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ (البقرة: ٢٣٥). ويعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تكون الرقابة الذاتية، فيقول في حديث طويل: «... اعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (رواه مسلم)، ويفهم من هذا الحديث أن المسلم عليه أن يتذكر الله تعالى, ويستحضر عظمته سبحانه وتعالى، ويوقن أنه سوف يحاسب أمامه يوم القيامة، ففي ذلك خير وقاء له من الوقوع في الزلات والشبهات وإتباع هوى النفس.

روى عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل سأله أن يوصيه ويعظه قال: «إذا أردت أمرًا فتدبر عاقبته، فإن كان رشدًا فامضه، وإن كان غيًا فانته عنه»، ويستنبط من هذه الوصية أنه يجب على الفرد أن يدرس ويحلل ويتدبر نتيجة أي أمر يريد أداءه، فإذا كانت تلك النتيجة رشيدة تتفق مع شرع الله فليمض إلى تنفيذه, وإن كانت غير ذلك فلا يقدم عليه.

قال عبدالله بن دينار: خرجت مع عمر ابن الخطاب إلى مكة فغرسنا بعض الطريق, فانحدر علينا راع من الجبل، فقال له عمر: يا راعي الغنم بعني شاة من هذه الغنم، فقال الراعي: إني مملوك, فقال عمر: قل لسيدك أكلها الذئب, قال العبد: فأين الله؟ فبكى عمر, ثم غدا على سيد الراعي فاشتراه منه وأعتقه, وقال: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة, وأرجو أن تعتقك في الآخرة. (إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، ص 2746).

مقومات الرقابة الذاتية

ومن مقومات الرقابة الذاتية: القلب الطاهر النظيف المتصل بالله، مصداقًا لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَايْدَهُم بِرُوحِ مِنْهُ﴾ (المجادلة: ٢٢).

وعلى العكس, نجد الكافر قلبه مريض وفي ريب فلا يعبأ ولا يخشع لذكر الله، يصدق فيه قول الله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ (الأعراف: ۱۷۹).

 وتتطلب الرقابة الذاتية التذكر الدائم أن الله تعالى يراقب تصرفات العبد, وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وأن هناك ملائكة تسجل عليه تصرفاته وسكناته مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿وَإِن عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ, كَرَامًا كَاتِبِينَ, يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: 10-12).

كما أن من الرقابة الذاتية معرفة أحكام الدين حتى يتمكن المرء من مقارنة ما ينوى القيام به مع شرع الله, فلا يضل الطريق وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، وعليه أن يسأل أهل الذكر إن ارتاب في أمر، ولذلك أمر سبحانه المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يقدموا النصيحة والتوجيه للآخرين, ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَتَكُن مِّنكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104).

يربي النفس على الرقابة الذاتية

 يقول علماء الإسلام: إن الصيام يعود النفس البشرية على أمور كثيرة, منها الرقابة الذاتية .. فالصائم يحرص كل الحرص أن يكون سلوكه وتصرفاته طبقًا لما شرع الله تعالى، فإذا هم بعمل يكون فيه إبطال لصيامه أمسك عن القيام به، ويتذكر الله سبحانه ويقول: «اللهم إني صائم»، ويؤكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي رواه أبو هريرة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليس الصيام من الأكل والشرب، وإنما الصيام من اللغو والرفث, فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم, إني صائم» (رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم)، ويستفاد من هذا الحديث أمور كثيرة، منها أن على الصائم أن يراقب نفسه وتصرفاته وسلوكه، فإذا هم بأداء عمل معين يبطل صيامه يتذكر الله تعالى, ويقول: إني صائم, إني صائم وهذه عين الرقابة الذاتية المانعة.

ومن ناحية أخرى، فلولا خشية الله والإيمان به والاعتقاد بأنه يراقب الناس، لوجدنا الفرد يأكل ويشرب أو يدخن في مكان لا يراه فيه أحد من الناس، ثم يتظاهر أمام الناس أنه صائم، ولكنه لا يفعل ذلك لأن قلبه وضميره يذكرانه بأن الله تعالى يراه، وأنه لا يصوم للناس ولكن لله وحده، إن نفس الصائم المؤمن لا تعبأ بمراقبة الناس ولكن تعبأ بمراقبة رب الناس العليم الخبير البصير الرقيب الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

الصيام جُنَّة من الذنوب

في الحديث القدسي عن رب العزة, عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام جُنة، فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم مرتين, والذي نفسي بيده, لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي, الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها» (رواه البخاري).

يضيق بنا المقام لذكر ما يستفاد من هذا الحديث الشريف, ولكن نركز على ما يتعلق بالرقابة الذاتية، يقول الحق جل وعلا: «الصيام جُنة»، ومدلول ذلك أن الصيام وقاية وستر من المعاصي وحماية من دخول النار, ومرد ذلك إلى أن الصائم يتحكم في سلوكه وتصرفاته ويسيطر على نفسه وأهوائه حتى لا يقع في المذلات, ولا يكون له من صيامه إلا الجوع والعطش، وهذا تأكيد على أن الصيام تعويد للنفس البشرية على الرقابة الذاتية.

الصيام وجاء: ويؤكد رسول الله صلى الله عليه وسلم دور الصيام في وقاية النفس من إتباع الهوى ولاسيما عند الشباب، فعن ابن مسعود رضى الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر الشباب, من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (رواه الجماعة).

ذكر علماء الحديث أن المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم «وجاء»؛ أي وسيلة لحماية الشباب من الانزلاق في الشهوات وإتباع هوى النفس الأمارة بالسوء، فكان الصيام وسيلة من وسائل الرقابة الذاتية لدى الشباب، فالشاب الصائم لا يفكر إلا فيما يُرضي الله وتكون جوارحه خاضعة لقلبه المؤمن وضميره الحي النابض ولقد أكدت الدراسات العلمية قول الرسول صلى الله عليه وسلم.

الرقابة في رمضان وغيره

فإذا كان الصيام يعود النفس البشرية على الرقابة الذاتية، فلا يجب أن يقتصر ذلك على الصيام، بل يجب أن يطبق على سائر العبادات والمعاملات؛ ففي الصلاة يجب على المسلم أن يستحضر عظمة الله تعالى، ويتذكر أنه واقف أمامه، وأنه يسمع ويرى، ولا ينصرف ذهن المصلي أو تفكيره إلى أمور الدنيا، يقول الله تعالى: ﴿وقد أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صلاتهم خاشعون﴾ (المؤمنون: 2).

وكذلك الوضع في أداء فريضة الحج، يجب على المسلم أن تكون روحه مرتبطة بالله تعالى وأنه جاء لتلبية دعوته لا يشغله عن ذلك تجارة أو غير ذلك.

شهر القرآن

وتظهر أهمية الرقابة الذاتية في مجال المعاملات، فالتاجر الأمين الصدوق يخشى الله سبحانه في معاملاته؛ فلا يغش ولا يغرر ولا يحتكر ولا يدلس ولا يطفف، ويتذكر دائمًا أن المال مال الله، ويجب تقليبه وتحريكه وفقًا لما شرع الله تعالى، وأن كل معاملاته وسيلة لجلب الرزق لتمكين الإنسان من عبادة الله سبحانه, وأنه سوف يُسأل يوم القيامة عن هذا المال من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ فلو صارت كل المعاملات على منهج الرقابة الذاتية لصلح أمر الناس وعمّ الرخاء وانتشر الأمن والطمأنينة بين الناس.

ولا يقتصر دور الرقابة الذاتية على ما سبق، بل هي أكثر ضرورة في مجال الحكم والإدارة, فالمسؤول في أي مستوى من مستويات الحكم والإدارة عليه أن يخشى الله تعالى ويصل قلبه به في السر والعلن, ويتذكر أن الله تعالى يعلم الدقيق الصغير والخفي المستور، وسبيله لذلك تدبر عاقبة كل قرار, وهل يتفق مع أحكام الله أم لا؟ ويوقن أنه سوف يُسأل أمام الحاكم العادل.

يتبين أنه لو تعودت النفس البشرية على الرقابة الذاتية في رمضان وغيره، وفي العبادات والمعاملات؛ لأدى ذلك إلى تحقق الحياة الكريمة الآمنة الطيبة في الدنيا والفوز برضا الله سبحانه في الآخرة، فما أحوجنا إلى تطبيق المنهج الإسلامي في حياتنا.

الرابط المختصر :