; الصوم منهج تربوي | مجلة المجتمع

العنوان الصوم منهج تربوي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1975

مشاهدات 1

نشر في العدد 266

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 09-سبتمبر-1975

الصوم منهج تربوي

·       في صوم رمضان تربية بالحرمان وفي هذا الحرمان عطاء أي عطاء.. وتربية بالألم وكم في طي الآلام من لذات ومغانم! وهل عطاؤك المال ألا حرمانك هذا المال؟ وهل الشرف الرفيع إلا بذل الروح وإراقة الدماء؟

 ولقد غفل كثير من عامة المسلمين ممن يعيشون لبطونهم، ويقيسون اللذة بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة عن هذا السر القدسي وذلك الأفق الرفيع فيضيقون ذرعا برمضان لأنه حال بينهم وبين ما يشتهون...

 ويتمنون له الجلاء الناجز السريع كأنه محتل غاصب فرض عليهم فرضا والحق أن هؤلاء الناس ضاق بهم رمضان وما كان لهم أن يضيقوا برمضان وذلك لأنهم لم يحسنوا قراه كما يريد بل قروه كما يريدون...

أكلوا باسمه شهي الطعام ولـم يطعموه شهي القيام، ومنحهـم الرياحين والورود فأكلوها ولـم يشموها ...وأعطاهم القرآن فغنوه ولم يتدبروه وأهداهم الدواء فمجوه وأراقوه!

·       فليحسن هؤلاء القوم استقبـال رمضان كما ينبغي ليستمتعوا بابتسامته ومواهبه اللطاف وليجلسوا إليه تلاميذ مخلصين ليستمعوا إليه أستاذا جليلا يتلقون عنه دروس الحياة والحرية وليصبروا على محنة تجاربه، ومرارة علاجه ليظفروا بجمال منحه وحلاوة شفائه... وإذا كان الدواء مرا فإن الداء أمر... لكن حلاوة الشفاء تنسى المرارتين! إن للصيام فلسفته وله أهدافه وليس من فلسفته أن نجوع ولكن هدفه أن نصبر، وليست غايته أن نتألم ولكن غايته أن نتأمل... وليس هدفه أن نقاد إلى البطالة، ولكن هدفه أن نمضي إلى البطولة!

·       فالجوع قد يتحمله الناس عاجزين مغلوبين على أمرهم... ولكن الجوع الذي له أهدافه التربوية والذي يفرضه المسلم على نفسه بإرادة وعقيدة هو تدريب على قيادة النفس والشهوات، وهو إيحاء نفسي تربوي للصائم يرفع مستواه الروحي إلى المثل الأعلى...

·       رمضان صيانة دورية للجهاز الإنساني وكل جهاز في حاجة إلـى ضبط وإحكام على فترات تتقـارب وتتباعد.. فالسيارات والأجهزة المختلفة تحتاج من حين إلى حين إلى كشف دوري وقطع غيار وإصلاح ما بين الشهور والأعوام حسب قيمها واستعمالها...

 والنفس الإنسانية تحتاج كذلك إلى مثل هذه الصيانة وأساليب العبادة في الإسلام من صلاة وصيام وحج تتولى هذه الصيانة على فترات...

·       فالصلاة ضبط يومي دوري متجدد للجهاز الإنساني يعالج النفس خمس مرات فأكثر بجرعات روحية في التكبير والركوع والسجود... فهي معراج قدسي ومعهد تربوي مكين يحوي أساليب التربية جميعا من روح وفكر وجسم ... وفي المسجد يتسع المجال التربوي والإصلاح الاجتماعي بما توحيه الجماعة في صفوف الصلاة من ترابط ونظام وتعارف... فالمسجد مركز اجتماعي للتربية الأساسية.

·       وقد تتراكم - رغم هذا الضبط اليومي - رواسب وشوائب خلال العام فيتولى الصيام دور الصيانة السنوية التي تستغرق شهرا كاملا ويتولى نظامه الخاص تغيير عادات الإنسان في ألصق حاجاته بالحياة وأقوى دوافعه البشرية التي لها علاقتها بحفظ النفس والجنس... فالصلاة تزكية وتطهير والصوم تجريد وتحرير.

·       ويأتي بعد ذلك صيانة العمر... فيأتي الحج فينزع الإنسان من موطنه ومن ثيابه وهو يقصد البيت الحرام ملبيا تلبية العبد المحب الذليل للرب العظيم الجيل.. مستجيبا للنداء القدسي المأثور- لبيك اللهم لبيك - يردده نشيدا جميلا من أعماق قلبه إذا صعد أو هبط أو غفا أو استيقظ أو أكل أو شرب فالحج مؤسس كما يقول ابن القيم علي التوحيد المحض والمحبة الخالص وهو استزارة المحبوب لأحبابه ودعوتهم إلى بيته ومحل كرامته... ويؤدي الإنسان في الحج طائفة من الشعائر والمناسك هي عمليات تربوية ربانية لها أسرارها وأنوارها وقدسيتها متى أحكمت واستقامت كما أرادها الله سبحانه عاد منها الإنسان وقد تجددت نفسه و استنارت روحه ورجع بعد هذه الصيانة القدسية كيوم ولدته أمه طاهرا نقيا مجردا من شوائب الاثم وشهوات النفس كما يشير الشاعر:

تجرد من الدنيا فإنك إنما

 أتيت إلى الدنيا وأنت مجرد

 والتجرد في الحج حقيقة بارزة

ورحلتك إلى الحج كرحلة الموت تقبل

 

الرابط المختصر :