العنوان الصوم في الإسلام- جانب من جوانب إنسانية الدين العظيم
الكاتب الشيخ معوض عوض إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1980
مشاهدات 92
نشر في العدد 491
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 29-يوليو-1980
- من حقائق الدين الإسلامي السماحة واليسر وانتفاء المشقة والعسر.
- نسب الحق –تعالى- الصوم إلى نفسه لأنه من معارج التقوى، ومدارج كمال الإيمان.
الإسلام دين رباني المصدر، إنساني المنتهى، وهو في ابتدائه من الله شيء طبيعي، كل كماله وجلاله ووفائه بما لا بد منه من أحكام ونظام حياة نتيجة أنه كلام الله وتنزيله -جل شأنه- لخير الناس في عاجل وآجل، وهو يعلم من خلق.
والإسلام -وهو دين الله للإنسان- حافل بما يترقرق في أحكامه وتكاليفه من إنسانية ورفق وسماحة ويسر، واعتبار طاقة المكلفين في كل ما أمر الله به وكل ما ينهى -سبحانه وتعالى- عنه، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78)، وانتفاء المشقة والعسر بعض حقائق الدين العظيم ابتداء من عقيدة المسلم، وانتهاء بأمر الله ونواهيه للعباده..
وإذا كانت الطهارة في الإسلام إزالة لآثار الحدث والخبث، وكان الغسل الذي أوجبه الله أو ندب إليه مصطفاه -صلوات الله عليه وسلامه- لامور تعود على المؤمن في نفسه بالدعة والشعور بالارتياح، وتشد بينه وبين إخوانه عرى ود ضروري ماس، فإنها أمور في التناول لا يشق إدراكها، ولا يصعب الوصول إليها، فالماء ليس في عالم وراء عالمنا، والدول تيسره وتوفره، ولا تضن في ذلك بحيلة أو وسيلة.
إن هذه الطهاة تنقيه من الآثار، وغسلًا ووضوءًا على صورتهما في دين الله في السفر والحضر والصحة والمرض، وتوفر الماء وتعذره أمارة يسر هذا الدين، وكم كان ذلك الطهر شاقًا إلى أديان سبقت، وفي شرائع تقدمت، لكننا نقرأ مثل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة:6)، فنری مشاهد رحمة البر الرحيم -تباركت آلاؤه– تتعدد، ولا تتوقف، ولقد قلت في كتابي «إنسانية العبادات الإسلامية»: إن اليسر في الطهارة -التي هي شرط الإسلام للصلاة– لا يخفى على بصير، طهارة الثوب والبدن والمكان في حدود الوسع والإمكان، فأنت تتوضأ من الحدث الأصغر، وتغتسل من الجنابة، وتغتسل الأنثى منها، ومن حيض ونفاس، إذا لم يمنع من استعمال الماء إن تيسر عذر، وإذا استغنيت عنه في حاجات طعامك وشرابك، وإلا ففي التيمم مندوحة وسعة.
روى الإمام البخاري بسنده عن عائشة -رضى الله عنها- قالت: «سقطت قلادة لي بالبيداء، ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونزل فثنى رأسه في حجري راقدًا، فأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة، وقال: حبست الناس في قلادة؟! فتمنيت الموت لمكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منى، وقد أوجعني، ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- استيقظ، وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، فنزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ من الآية (المائدة: 6)([1])، ولقد فرح الصحابة لنزول هذه الآية، وقال بعضهم: ما هذه بأول بركاتكم يا آل أبي بكر.. بسبب قلادة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق كان هذا اليسر في الوضوء والطهر!! أن التراب طهور، والأرض لنا في دين الله مسجد، وقد أخرج الإمام مسلم أن عائشة -رضي الله عنها- علمت أن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- كان يأمر النساء إذا إغتسلن أن ينقضن شعرهن، فقالت يا عجبًا لابن عمرو! هو يأمر النساء أن ينقضن شعرهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت أغتسل ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد، فما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات»([2])، والصلاة نفسها ماذا يشق فيها أو يصعب؟! إنها معراج المؤمن، ولقد كانت ريحانة قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقرة عينه وسكينة فؤاده، وكان «إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة»([3])، كما روى ابن عباس -رضى الله عنهما- وكان يقول: «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلال»([4])، والحديثان في الصحيح، وما تكون الراحة بشيء يتعب، وأي شيء يثلج الصدر أكثر من أن تكون على طهرك تقف بين يدي ربك متجهًا إلى بيته -شرفه الله-قائمًا، أو قاعدًا، أو مضطجعًا، أو مومئًا بالصلاة لله الذي يعلم سرك ونجواك، ويرضى منك بما تبلغه بالإخلاص والصدق قدرتك وقواك، ويفتح لك بتكبيرة الإحرام مساحات كرمه ويداه، ويزيدك هدى على هداك، ويعصمك من المكاره والأسواء، وهو يقول في الحديث القدسي: «أنا مع عبدِي ما ذكَرني وتحرَّكَتْ بي شَفَتاهُ»([5])، وصدق الله العظيم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (النحل:128)، تقوم في الصلاة، وتقعد، وتقرأ، وتتشهد، وتركع، وتسجد، وتتعلم من صلاة الجماعة الطاعة والنظام كما لم تتعلمها من غير العبادات الإسلامية في الأنظمة البشرية والقوانين الوضعية.
تأخذ ذلك من الصلاة، وتأخذه من الحج بالتزام مواقيته الزمانية والمكانية، ومما شرعه الإسلام من تطاوع وتعاون، وحوافظ وإخاء، ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة:197)، والجدال الذي ينهى الله عنه وفده وضيفه ليس هو مجرد ما يقوم بين الناس من أخذ ورد، ولا هو بيان الأحكام الشرعية، والأمر والنهي اللذان هما من قواعد هذا الدين بآدابهما فيه، ولكنه توكيد أن الحج قد ظهرت حكمة الله فيه، وتجلت أسراره، وماعاد موضع شك أو ارتياب عند أولى الألباب.
والزكاة الحق المعلوم في أموال ذوي المال ليس فوضى ولا أهواء، لكن شروطها ومخارجها وأصنافها ومواقيتها–إذا غضضنا الطرف عن الصدقات المندوبة– مما يدخل تحت عنوان «الطاعة والنظام» كالصلاة والحج، والصيام الذي لم يتكرر إيجابه ولم يتعدد -في غير سورة البقرة- حكمه وأحكامه وأيامه وساعاته في هذه الأيام من الفجر إلى الليل، ففي تلكم الآيات نادى الله خاصته بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ (البقرة:183)، وابن مسعود رضى الله عنه يقول: « ِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ (البقرة:183) فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ؛ فَإِنَّهُ خَيْرٌ يَأْمُرُ بِهِ، أَوْ شَرٌّ يَنْهَى عَنْهُ»([6])، وجاء وراء هذا االنداء ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (البقرة:183)، وما كتب الله على المكلفين وأمر به المؤمنين لا ينبغي المحيد عنه، أو القعود دونه، وبخاصة إذا ذكر الله حكمة أمره بمثل قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:183).
فالصوم من معارج التقوى ومدارج كمال الإيمان، ولهذا نسبه الحق إلى نفسه –وكل العبادات إليه تعالى، «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له إلَّا الصَّوْمَ، فإنَّه لي وأنا أجْزِي به»([7])، وهل يجزي الكريم إلا بما يليق بجلاله؟
وقد جعل الله الصيام أيامًا معدودات أي قليلات بالنسبة لأيام العام، أو أنها معدودات مؤقتات معلومات في «شهر رمضان»، وتتابعت الكلمات الإلهية تبين أعذار ذوى الأعذار، والإشارة بميقات الصوم في الشهور، وأنه ميقات نزول كتابه الهدى والنور، ثم أوجبت الكلمات الصيام مرة أخرى، وعادت تذكر أعذار ذوي الأعذار إعرابًا عن جانب اليسر والرحمة في دين الله العظيم، ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة:185)، فاستكمل الآيات بعد ذلك، ففيها من يسر الإسلام ملامح وشواهد.
وإلى اللقاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل