; الصوم بين العادة والعبادة | مجلة المجتمع

العنوان الصوم بين العادة والعبادة

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1980

مشاهدات 93

نشر في العدد 489

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 15-يوليو-1980

  • صيام العادة ليس لصاحبه إلا الجوع والعطش
  • صوم العبادة يحقق التغيير في واقع النفس والمجتمع
  • صيام كثير من المسلمين شكل بلا مضمون

شرع الصيام ليكون أحد روافد العبادة التي تغذي الروح والعقل والجسم فتقرب المسلم من ربه، وتعلي من شأنه وقدره، ونجاح العبادة إنما يكون في قدرتها على تقريب الصلة وتوثيقها بين العبد وخالقه، وحينما يستشعر المرء هذه الصلة حلاوة في قلبه وبردًا وسلامًا يغمر جوارحه حين يشعر بهذا الشعور، فإن العبادة حينئذ تكون عبادة حقيقية تؤتي ثمارها إخلاصًا وحبًّا لله عز وجل، ومراقبة له في النفس والسلوك والتصرف وحسن العشرة بينه وبين الآخرين فيرمقه الناس مثالا وقدوةلهم.

- وحين تعجز وتقصر العبادة عن تحقيق الصلة، واستشعار العبد لها بينه وبين ربه وخالقه، وتصبح مجرد حركات وسكنات وكلمات تقال وموقف يتخذ، فإنها تخرج حينئذ عن خطها وغايتها وتصبح مجرد اتخاذ موقف في الفعل أو الامتناع، وفرق كبير بين اتخاذ المواقف وبين أداء العبادة لأن المواقف محدودة بظروفها وزمانها ومكانها فتنتهي بانتهائها.

فصلاة المواقف: -مثلا- تنتهي عند انتهاء الموقف ولا تؤتي الثمرة المرجوة منها في استشعار الصلة بالله عز وجل وفي النهي عن الفحشاء والمنكر والبغي.

- وحج المواقف والعادة: ينتهي بأداء الجهد المطلوب في السفر والطواف والوقوف بعرفة وغير ذلك من المناسك ثم العودة والتهنئة بسلامة الرجوع والدعاء له بالقبول.

لكن الحج كعبادة جددت فيه روح الإسلام وأحس بعدها أنه فعلا مولود جديد نظيف سيبدأ صفحة من حياته جديدة خالية من الغش والحقد والربا والرياء والسمعة والجشع وما إلى ذلك، هذا كله لم يكن، فلم تتحقق الولادة الجديدة وهي الثمرة المرجوة، فهل تعدى صنيع هذا الفرد المسلم أنه بذر وغرس وتعب لكنه لم يجن من بذره زرعًا ولاغرسه ثمرًا.

- وزكاة المواقف: تنتهي بإخراج جزء من ماله الذي حال عليه الحول ووجبت فيه الزكاة فهو يخرجها كواجب، فإن لم يستشعر راحة وسعادة في هذا الواجب ويحس فعلا أنه طهرة لماله وأن هذا الإخراج امتحان نجح فيه وجنى ثمرته سعادة أدخلها قلب أخيه المسلم، لا منة ولا تفضلا لأن المال في يده لله فهو أخرج حق الفقير والمسكين المفروض من الله في هذا المال حينئذ تكون الزكاة عبادة، أما إذا أخرج زكاة أمواله بغير هذا الشعور ممزوجًا بالمنة والتفضل وعدم الرضى، فإن زكاته على خطر من أن يفقد أجرها.

- وكذلك الصوم قد يكوم صوم مواقف وعادة ليس فيه طعم وحلاوة العبادة. 

وكثير من المسلمين اليوم يصومون صوم الموقف والعادة، فيمتنعون عن الأكل والشرب في الوقت المحدد لذلك وفي الشهر ذاته من كل سنة، ولا يتعدون موقف الامتناع إلى غايته، ويتكرر هذا الأمر كل سنة ويرتبط مع الأيام بعادات وتقاليد قد تطغى مع التكرار على الصيام ذاته، فإذا ذكر هذا الشهر تبادر إلى الأذهان تلك الأعراف والتقاليد التي تضفي على هذا الشهر المتعة والبهجة، وليس هذا عيبًا ولا شيئًا إنما العيب والشين في أن يطغى ذلك على الصيام ذاته وهدفه وثمرته، ويظن الناس بعد ذلك أن هذه الأعراف والتقاليد هي الثمرة المرجوة والملموسة من الصيام وهذا ما يشعر فيه غالب الناس اليوم، فمع هذا الامتناع والجوع والعطش يشعر المرء بمتعة لكنها متعة خادعة، إنها متعة العادة لا متعة العبادة.

* والفرق والبون شاسع بين الاثنين، فمتعة صيام العادة هي تلك التي ألمحنا لها متعة مرتبطة بذكريات وشكليات موسمية يزاولها ويسترجعها المرء في هذا الشهر من كل سنة، وبمجرد انتهاء هذا الموسم تنتهي تلك العبادة دون أن تترك أثرًا اللهم إلا الحنين مرة ثانية لا إلى الصيام حقيقة وإنما إلى ما يقترن به من ذكريات وتقاليد يشعر معها بالتجديد والحيوية.

  • أما متعة صيام العبادة فهي إلى جانب ما يشعر به الصنف الأول من متعة الأعراف والتقاليد والشكل يشعر المرء في هذا الصيام بتجديد الصلة وتقويتها بالله عز وجل، ويشعر بالرقابة التي تنعكس تقوى وصلاحًا يؤثر في النفس والواقع و يبدأ يحس من خلال هذا الصيام الذي يبدو وكأنه موقف سلبي اندفاعًا وحماسًا للامتثال لأوامر الله واجتناب نواهيه، تبدأ مشاعره وأحاسيسه ويده ورجله وكيانه كله يتحرك لتغيير ما يحتاج إلى تغيير من طلاح وفساد إلى صلاح وإرشاد، حينئذ فقط نقول إن هذا المرء صام صيام العبادة فازداد حلاوة استشعار وخشوع في صلاته وطهرًا في نفسه وتغييرًا في جنبات مجتمعه.

*وبهذا الإطار للصوم نستطيع فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» فقول النبي صلى الله عليه وسلم الصائم يتبادر إلى الذهن منه أن المراد به الصائم حقيقة، أي الصائم الصيام المطلوب من المسلم على وجه الحقيقة؛ فيعد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الصائم بأنه سيحوز على فرحتين، والفرحة إحساس وجداني بالراحة والطمأنينة والرضى والقبول؛ فالفرحة الأولى فرحة قريبة يمنحها الله عز وجل لهذا الصائم الذي ترك طعامه وشرابه ابتغاء رضاء الله وحده، فهو يفرح عند فطره لا لأنه انتهى من فترة الجوع والعطش فحسب وسيقبل الآن على ما يملأ بطنه من زاد وشراب، وإنما إلى جانب ذلك يفرح لأنه قد أتم المهمة والواجب الذي طلبه منه ابتداء أن يمتنع عن الأكل والشرب لأجله هو الذي يطلب من هذا المسلم أن يفطر، وفي كلا الأمرين الامتثال التام لله عز وجل. 

وأما الفرحة الثانية فهي الفرحة المدخرة المؤجلة وهي الفرحة الكبيرة، فرحة لقاء الله عز وجل والمسلم يحمل معه هذا الرصيد الإيماني من الصيام يشفع له عند ربه أنه ما صام إلا ابتغاء رضوان الله. فأما صائم العادة فلا نظن الحديث يخصه في الفرحتين ولا إحداهما: اللهم إلا على أساس الفرحة بالأكل والشرب عند الفطر وهي فرحة ليست مقصودة هنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم ربط بين الفرحتين بأنهما جزاء الصائم لله مخلصًا صيامًا حقيقيًّا. فإذا حاز الفرحة الأولى حاز الثانية، لأنه ما استحق الثانية إلا باستحقاقه الأولى حين صام الصيام المطلوب وعلى وجهه المشروع.

وعلى ذلك فالفرحة التي يحسها صائم العادة فرحة شكلية ليس لها رصيد، فهي حينئذ فرحة تتناسب وطبيعة مقدمتها وأساسها وما نتجت عنه وهو مجرد الجوع والعطش، فتكون فرحة منحصرة في الإقدام على الأكل والشرب بعد معاناة يوم من جوع وعطش، ثم يتمتع بعد ذلك بما يعقب ذلك من أعراف وما شابهه.

وهذا جزاء أوفى له، فهذا الذي لم يحرك فيه الصيام نوازع الخير ولم يتحقق له من صيامه جنة ووقاية من المزالق من قول زور أو بهتان أو إتيان منكر أو الاستمرار عليه أو استمرار الباطل والعيش فيه؛ فهذا الصنف من الصوام على خطر من أن يشملهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

وأما صائم العبادة فيستحق الفوز بالفرحتين، فرحة الإفطار بعد أداء الواجب كما طلب منه، فهو يفرح لاستشعاره الأداء الحسن والرضى والقبول، ويفرح بعد ذلك فرحته الكبرى حين يلقى ربه راضيًا مرضيًا ويطرق باب «الريان» في الجنة ليدخل في زمرة الصوام كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم «إن في الجنة بابًا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، يقال أین الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد».

الرابط المختصر :