العنوان الصومال .. قرصنة علي حساب السيادة .. من يوقف عربدة أمريكا ؟
الكاتب شافعي محمد
تاريخ النشر الجمعة 10-فبراير-2012
مشاهدات 93
نشر في العدد 1988
نشر في الصفحة 36
الجمعة 10-فبراير-2012
* الوحدة الأمريكية سيلز التي قامت بعملية تحرير رهينتين أجنبيتين وسط
الصومال هي التي أنجزت عملية قتل أسامة بن لادن في العام الماضي.
* الموقف الذي اتخذته الحكومة الانتقالية على لسان وزير الإعلام كان
ينحصر فقط في تحرير الرهائن دون التطرق لسيادة الصومال المنتهكة.
* خبراء صوماليون: الكثير من عمال الإغاثة من جنسيات مختلفة مختطفون في
ربوع الصومال ولم نشهد بمثل هذا التدخل العسكري الأمريكي لتحريرهم.
رغم العربدة والمجون والسرقة التي يمارسها القراصنة الصوماليون
التقليديون في عرض المحيط الهندي وقبالة السواحل الصومالية بخطف السفن الأجنبية
المحملة بأطنان من النفط والسلع التجارية بحثًا عن كنز ثمين، وما يسدون به رمقهم،
يظهر في الأفق قراصنة جدد يرتكبون أخطاء جسيمة بحق البشر في القرن الأفريقي، دون
تمايزات أو مفارقات، بإزهاق أرواح الأبرياء الصوماليين بدعوى الإرهاب والقرصنة.
تلك هي قرصنة أمريكا المزودة بأحدث الأسلحة التكنولوجية وطائرات
التجسس بما فيها طائرات الشبح التي تنفذ غارات جوية فوق بلدات صومالية لاستهداف
عناصر يدعون أنها رأس الحربة له الشباب المجاهدين في الصومال وفي أواخر يناير
الماضي، نفذت وحدة أمريكية خصصت لمكافحة الإرهاب سيلز قيل: إنها أنجزت عملية قتل
أسامة بن لادن في العام الماضي - عملية تحرير رهينتين أجنبيتين في وسط الصومال
أحدهما أمريكية والآخر دنماركي، تم اختطافهما من قبل قراصنة صوماليين.
وبحسب تفاصيل أصدرتها وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، فإن الفرقة
أسقطت عددًا من جنودها من طائرة تابعة لسلاح الجو الأمريكي، واستغلت ظلمة الليل
الحالك، ثم أخدت العملية التي أطلق عليها العمليات فيspecial operations الخاصة
طريقها إلى التنفيذ، وقتلت الفرقة الأمريكية ثمانية من القراصنة، فيما تم أسر خمسة
منهم، وإنقاذ حياة الرهينتين جيسيكا بوكانان (۲۲ عامًا)
والدنماركي بول ثيستيد (٦٠ عامًا) اللذين نقًلا على الفور بطائرة مروحية إلى
القاعدة الأمريكية في جيبوتي، وكانت الحالة الصحية للأمريكية سيئة للغاية مما سرع
تنفيذ العملية التي أثارت ضجة واسعة وردود أفعال كبيرة في الأوساط الصومالية.
انتهاك السيادة
وأثارت العملية الأمريكية التي قسمت الشارع الصومالي بين معارض وصامت
لها ردود أفعال من قبل المجتمع الدولي، إذ تزامنت تنفيذ العملية في وقت كان الرئيس
الأمريكي أوباما، يستعد لإلقاء خطابه السنوي للاتحاد الأمريكي في الكونجرس وهي
العملية التي كادت تعطل خطاب أوباما لولا تكللها بالنجاح.
وأجرى الرئيس الأمريكي اتصالا هاتفيًا مع والد الرهينة الأمريكية المحررة
ليهنئه بسلامة ابنته وتحريرها من قبضة القراصنة الصوماليين وعلى الرغم من الجرائم
التي يرتكبها القراصنة قبالة السواحل الصومالية المخالفة للقانون الدولي، فإن
المراقبين الصوماليين يرون أن القرصنة الأمريكية الجديدة في القرن الأفريقي هي
الأشد إيلامًا من القراصنة المحليين، إذ إن أمريكا جهزت وحدة عسكرية لقتل صوماليين
في بلادهم مقابل تحرير رهينة أمريكية، فيما دماء الصوماليين مهدورة وليس من يحاسب أمريكا
على جرمها الصارخ وتعدياتها الفظيعة على الشعب الصومالي منذ ما يقرب من عقدين من
الزمن ويحسب حقوقيين صوماليين، فإن العملية الأمريكية خارجة عن القانون الدولي،
حيث إنها قفز على السيادة الصومالية، وتدخل سافر للشأن الصومالي.
انتقائية التعامل
والتساؤل المحير للأذهان، والذي ظل محط جدال بين الصوماليين هو: هل حقًا
أمريكا كانت تحرر عمال إغاثة أجنبيين، أم أنها تمد حبل النجاة لعناصر من استخباراتها
وعيونها المتواجدين في الصومال؟! ويدعم البعض قوله: إن مليشيات صومالية ومن ضمنها
القراصنة تحتجز عمال إغاثة يحملون جنسيات مختلفة في ربوع الصومال، ولم تشهد من قبل
بمثل هذا التدخل العسكري الأمريكي، ولا يزال عدد من المحتجزين الأجانب وفيهم كاتب
أمريكي يقبعون في أقبية سرية تابعة للمليشيات الصومالية، وهذا إن دل على شيء فإنما
يدل على حتمية أن المحررين كانوا يعملون الصالح أمريكا، وفيما ذهب البعض إلى هذا
القول فإن آخرون يرون أن الأمريكية والدنماركي كانا يعملان مع منظمة نزع الألغام
الدولية السنوات مديدة، وليسا ممن يرتبط بتورطهم في الأجهزة الأمريكية للتجسس
ومهما كانت الملابسات التي أثيرت حول الرهائن المحررة، فإن الصومال على ما يبدو
أضحى ساحة للتدخلات الأجنبية وخاصة الأمريكية والإقليمية، حيث تواصل القوات
الإثيوبية احتلال المدن الصومالية واحدة بعد مدينة بلدويني الاستراتيجية (وسط
الصومال)، تزحف كينيا نحو مدينة كسمايو (الجنوب)، وهي تقتل الأبرياء بدم بارد ثم
تواصل أمريكا خرق السيادة الصومالية دون أن تنسق أمنيًا وسياسًا مع حكومة شريف شيخ
أحمد التي استنجدت الغرب والجوار الإقليمي في كبح جماح حركة الشباب.
قرصنة دموية
ومما يظهر صورة أمريكا الملطخة بالدماء في الصومال، هو استهدافها
الأخير بواسطة طائرات الشبح أحد رموز حركة الشباب المجاهدين وهو بلال البرجاوي - (۲۷ عامًا)
في منطقة لا تبعد عن مقديشو سوى عشرات من الكيلومترات، وهو الهجوم الثامن من نوعه
حيث استهدفت قبل ذلك قائدين ميدانيين لحركة الشباب، وقبله كانت مروحيات أمريكية استهدفت
سيارة - نقل صالح نبهان في بلدة صومالية قرب مدينة براوي على بعد ۲۰۰ كلم
جنوب مقديشو.
ويرى المحللون أن الصومال لا يزال مرشحا لغارات جوية من قبل أمريكا
التي لها قواعد عسكرية في جيبوتي وإثيوبيا والمحيط الهندي، تنطلق منها العمليات
العسكرية التي تشنها على حركة الشباب لتبديد المخاوف المحتملة من وقوع هجمات
وتفجيرات على المصالح الأمريكية في المنطقة.
موقف مخز
الحكومة الانتقالية التي لم تكشف عن حيثيات العملية الأمريكية، ولم
تؤدي دورًا في تنفيذها، أخذت موقفًا استغربته الأوساط - الصومالية، والذي وصف بأنه
موقف مخز» للعار، إذ إن الحكومة الانتقالية برئاسة - شريف شيخ أحمد لم تكن قادرة
على توجيه نقد أو تنديد لم واشنطن تجاه خرق الأجواء الصومالية المستباحة
دوليًا وإقليميًا، وفضًلا عن ذلك باركت حكومة شريف شيخ أحمد العملية الأمريكية.
وذهب وزير الإعلام الصومالي عبد القادر حسين محمد بالقول: إن الحكومة
الصومالية تبارك العملية التي حررت الرهائن الأجانب، مشيرًا إلى أن عمليات الاختطاف
التي تطال عمال الإغاثة تحول دون استمرار العمل الإنساني في البلاد الذي يمر بأزمة
إنسانية لم يشهد لها مثيل منذ عقود.وأوضح أن الرهينتين المحررين كانا يعملان في منظمة نزع الألغام، وكانا
ينفذان أعمالهما في وسط الصومال مضيفًا أن الحكومة لن ترضى عن اختطاف أو استهداف
عمال الإغاثة في البلاد، وأن محاربة خاطفي عمال الإغاثة تصب في مصلحة الشعب
الصومالي.
الموقف الذي اتخذته الحكومة الانتقالية على لسان وزير الإعلام كان ينحصر
فقط على تحرير الرهائن دون أن تدرك بقدر ما كانت مخولة لحماية حدودها البحرية
والبرية والجوية، ولم تتطرق - حتى لحظة كتابة هذا التقرير بعد إلى السيادة
الصومالية المنتهكة، كما لم تطلب من واشنطن بإجراء تنسيق سياسي أو أمني لتنفيذ خطط
عسكرية أمريكية محتملة تستهدف عناصر تراها واشنطن بأنها تهدد مصالحها الاستراتيجية
والجيبولوتيكية في القرن الأفريقي والواضح أن الصومال ما برح يعاني من آثار وطأة
التدخلات العسكرية الأمريكية ودول الجوار الإقليمي، وليس هناك من يردع أو يضع حدًا
للتجاوزات والانتهاكات التي ترتكبها تلك القوى الإقليمية والدولية، بحق
الصوماليين، كما لا نرى جهات دولية حقوقية تدين تلك التعديات فأمريكا مشتاقة إلى
ممارسة جرمها لتصنف في قائمة الكيانات التي أضحت فوق القانون الدولي.