العنوان الصومال.. بين تماسك المواطنين وتنافر السياسيين
الكاتب عبده يوسف فارح
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1995
مشاهدات 120
نشر في العدد 1173
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 31-أكتوبر-1995
يتفق المحللون والمراقبون بشكل عام أن الإخفاقات والتشرذم الذي لحق بالأمة الصومالية كان من جراء الانحراف عن الصراط المستقيم، وإتباع السبل التي تفرقت بالتالي عن سبيله الذي حذر القرآن منها.
وليست المشكلة الصومالية قاصرة على ذلك الزمن المحدود الذي يرجع إليه بعض الناس منذ اندلاع الحروب الأهلية قبل ثماني سنوات، بل إن جذور المأساة الراهنة ضاربة في أعماق الزمن منذ أن حط الاستعمار أقدامه القذرة في البلاد، ومتسلسلة في مراحل مختلفة حتى وصلت إلى هذه الحالة التي تعتبر القشة التي قصمت ظهر البعير، وتشرذم المجتمع الصومالي إلى فئات من المناطق. والتي قضت على ذلك الكيان الموحد بين الجنوب والشمال الذي التئم في عام ١٩٦٠م.
ومما زاد الطين بلة أن الأغراض ما زالت غامضة حتى الآن، وليس هناك أي برنامج سياسي عرضته الجبهات المختلفة عدا الهدف الوحيد الذي كان ينادي به كل أحد آنذاك، وهو الإطاحة بالنظام الدكتاتوري بقيادة سياد بري.
ولكن لا تجد للأسف في الساحة الصومالية طولًا وعرضًا فئة من الفئات المتصارعة عرضت برنامجها المستقبلي، ولم يتساءل واحد منهم لماذا قاتلنا؟ ومتى نتصالح؟ وهل بالفعل وصلنا إلى أهدافنا وما إلى ذلك
ونتج عن هذا أكبر مأساة للشعب الصومالي في التاريخ المعروف وتقهقر المجتمع من مكانه مئات السنين.
وقد أصبحت المأساة الصومالية مثار رهان بين جميع القوى الدولية، وظهر إلى الساحة أكثر من انتهازي يريد الاصطياد في الماء العكر، والذي تولى كبر هذه المراهنة هو الأمم المتحدة التي لم تحمل معها أي خطة سليمة.
وبعد أن فشلت جميع المحاولات تشهد اليوم الساحة الصومالية تحركات منعشة للآمال في أكثر من موضع منها:
1- الانشطارات داخل الجبهات الصومالية:
تشهد جميع الفصائل الصومالية بدون استثناء انقسامًا حادا، إذ يفكر كثير من أصدقاء الأمس كيف يتخلص كل منهم من صديقه القديم، ومن أكبر الأدلة على هذا، تلك الانشطارات التي شهدها المؤتمر الصومالي الموحد« USC » وقد أدى هذا الانشطار إلى انشطارات أخرى كثيرة ونشب خلاف بين اللواء عيديد وبين نائبه السابق، العقيد طيار عبده عثمان، وانضمام الأخير إلى فصيل آخر تحت اسم «USC/PM »مناوئ لتحالف «SNA»، وفي ساحة الجناح الذي يتزعمه على مهدي حثت تطورات مماثلة، حيث احتدم الخلاف بين علي مهدي ومحمد قنيري أفرح رئيس المؤتمر الصومالي الموحد.
وفي الشمال الشرقي هناك محمد أبشر موسى والعقيد عبد الله يوسف، كلاهما يدعي أنه الممثل الحقيقي لحركة SSDF
والشمال الصومالي شهد بدوره انشطارات وانقسامات، فهناك السيد محمد إبراهيم عقال رئيس ما يسمى به جمهورية أرض الصومال Somali land وعبد الرحمن (تور) زعيم حركة .SNM
إلى غير ذلك من الانشطارات الأخرى ومن بينها ظهور شخصيات منافسة أخرى تريد أن تعرض نفسها كبديل سياسي عن القيادة الحالية.
وقصة الانشطارات ما ينتهي لها حديث فمع مطلع كل صباح تتحدث الصحف المحلية عن زعيم هنا وهناك فالزعامة لا محل لها من الإعراب إلا في مجال الصحافة، وليس غريبًا أن المواطنين يصيبهم الغثيان إذا سمعوا هذه الأحرف الإنجليزية الثلاثة التي تذخر بها الساحة السياسية الصومالية، فالمواطنون أصبحوا بشكل عام لا يعولون على التصريحات والبيانات، بل يعولون على الأنشطة العملية التي تديرها أيد طاهرة نبعت من صميم المجتمع.
وقد كان التطور الأخير عن إعلان اللواء عيديد تنصيب نفسه كرئيس للجمهورية الصومالية مثار تساؤل فقط بين المواطنين.
ولم يؤد هذا ولا ذاك إلا إلى الإشاعات والمقابلات الصحفية، ولم يكن هناك أي تأثير على المواطن العادي، إذ حركة التجارة والتنقل والصحافة، وغيرها جارية كعادتها، فشعور المواطنين لا يزال هادئا.
٢ - المصالحة بين القبائل بعيدًا عن المنازعات السياسية:
يبدو واضحًا أن الصوماليين أكثر استعدادًا للمناقشة والحوار من الماضي، فقد بدأت معظم القبائل التي تقاتلت أمس فيما لا تعرف، بدأت تتفاهم على مائدة الحوار وتحت الأشجار إن صح التعبير غير معتمدين على الفصائل السياسية التي طالمًا أغرتهم بالوعود، ففشلت في كل شيء، وعلى سبيل المثال شهدت محافظة هیران مصالحة أكثر من عشر قبائل كانت تستعد كل منها لإبادة الأخرى ويرجع الفضل بعد الله في هذا المجال إلى المجلس الصومالي للمصالحة، تلك المؤسسة غير الحكومية والتي عرفت بفعاليتها الكبيرة في أكثر من ميدان وكان آخرها المصالحة التي عقدت في قرية Wabxo ، تحت رعاية الوجيه الأغاس عبد القادر أغاس فرعدي.
وقد أدى هذا إلى رجوع عدد كبير من المواطنين إلى مواطنهم الأصلية. ومن جانب آخر نجحت المصالحة الوطنية في العاصمة مقديشيو، بقيادة الوجيه الإمام محمود إمام عمر والمصالحة الأخرى التي عقدت في مدينة بيدوا عاصمة محافظة باي قبيل استيلاء اللواء عيديد عليها. والتي اشترك فيها وجهاء وأعيان من شبيلي السفلى وغدو ويكول، وكانت جميعها خالية من المناوشات السياسية وتناطح زعماء الفصائل.
وهناك محاولات أخرى لإخماد الفتنة بين الإخوة والأشقاء يقوم بها رائدو السلام من العلماء، والوجهاء، والأعيان، والمثقفين.
3- انتشار المحاكم الإسلامية:
وقد خطت ظاهرة الأخذ بالشريعة الإسلامية كدستور في البلاد خطوات فسيحة في أرجاء الوطن تتقدمها المحاكم الإسلامية التي انتشرت حتى الآن في المحافظات التالية مقديشيو.
وجوبا السفلى وجوبا الوسطى، وشبيلي الوسطى، وشبيلي السفلى، وباي، وبكول، ونوغال، وبوساسو، بالإضافة إلى مناطق أخرى تستعد لأن تحذو حذو هذه المناطق.
وشهدت العاصمة مؤخرًا احتفالًا حاشدًا في الذكرى الأولى لمرور عام كامل على افتتاح المحاكم الإسلامية وفي مؤتمر صحفي عقده رئيس المجلس الأعلى لتطبيق الشريعة الإسلامية الدكتور شريف شيخ محيي الدين قال: لن نخضع لأية قوة محلية أو عالمية تريد إعاقة هذا المشروع الحضاري الإسلامي يقصد المحاكم الإسلامية، وإن دل هذا على شيء فهو يدل على مدى الثقة الكاملة لنجاح المحاكم الإسلامية.
وأخيرًا تشكل هذه المؤشرات بالإضافة إلى التقاليد الصومالية العريقة تحولات نحو الأحسن، وأن الشعب الصومالي أصبح بشكل عام يتفهم خطورة الوضع، وأنه لن ينجرف مع التيار القادم، ولن يكون رهينة لأي فصيل سياسي مهما كان انتماؤه القبلي، ولن يركض وراء أولئك الذين يقرعون طبول الحرب، وربما تحدث مناوشات هنا وهناك من جراء انتشار الأسلحة وممارسات عصابات النهب أحيانًا والنزاع على بعض الممتلكات، بالإضافة إلى النزعات التقليدية في الصومال في مناطق الرعي، وهذا ما كان الوجهاء والعلماء دائبين على تسويته عبر الأجيال.
ومن هنا يتضح لنا من الناحية النظرية والعلمية بأن تنافر السياسيين وتناطح مصالحهم لا تحصر الشعب الصومالي في هذا النطاق القذر ولا يتوانى في حل خلافاته عبر المؤسسات الاجتماعية التقليدية التي أثبتت فعاليتها في الماضي والحاضر، فالشعب الصومالي هدفه واحد عدا أولئك المتنافرين من شذاذ السياسيين أصحاب الأغراض الشخصية، وبوحدة المواطنين تنهار رغبة الطامحين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل