; الصوم | مجلة المجتمع

العنوان الصوم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1974

مشاهدات 83

نشر في العدد 221

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 08-أكتوبر-1974

الصوم له عدة فوائد في جسد الإنسان وروحه وأخلاقه من أهمها أنه ينشئ فيه القوة المعروفة «بضبط النفس». لكي ندرك هذا إدراكًا تامًا، يجب علينا أن نعرف أولًا: ما هو ضبط النفس ومن أي نوع ذلك الضبط للنفس الذي يقصده الإسلام ويطالب به الإنسان؟ ثم نرى- بعد هذاـ كيف ينشئ الصوم هذه القوة في الإنسان؟ المراد بضبط النفس أن يكون لذاتية الإنسان استيلاء تام وانتصار كلي على جسده وما فيه من القوى المختلفة، وأن يكون لها من السيطرة على أهواء النفس ونزواتها وشهواتها ما يجعلها كلها لا تخرج عن حكمها ولا تعصي لها أمرًا. إن «الذاتية» في جسـم الإنسان بمنزلة الهيئة الحاكمة في كل دولة، وعلى هذا ليس الجسد وأجزاؤه المختلفة إلا بمنزلة آلات تستخدمهـا «الذاتية» في تحقيق ما تشاء من الأغراض والمقاصد، وما كل قوة من قوى الإنسان الجسدية أو الفكرية إلا تابعة لذاتيته، وما وظيفتها إلا أن تقوم بخدمتها وامتثال أوامرها وما لنفس الإنسان إلا أن تتقدم بأهوائها ونزواتها بصورة «عريضة» إلى ذاتيته، ولذاتيته الخيار كل الخيار والحرية أن تستجيب منها لما تشاء وترفض منها ما تريد. وأما إذا كانت ذاتية الإنسان من الضعف والوهن حيث تكون لها أهواء النفس ونزواتها بمنزلة الأوامر والتعليمات، فإنها ذاتية مغلوبة على أمرها، وما مثلها إلا كمثل راكب قد عصت عليه راحلته. فأصحاب الذاتية الضعيفة لا يستطيعون أن يقوموا بشيء يذكر أو أن يقضوا حياتهم بأي نوع من النجاح في الدنيا، ولذا ترى أنه لم يترك في التاريخ الإنساني أثرًا من الآثار المحكمة إلا أولئك الذين جعلوا قواهم الجسدية والفكرية كلها تابعة لذاتيتهم ولم يقضوا حياتهم عبادًا لأهواء النفس ونزواتها وإنما قضوها منتصرين عليها مالكين لزمامها، وكانت إرادتهم قوية ما عرفت اللين و الهوادة أبدًا. الفرق بين ذاتيتين ولكن هناك فرقًا عظيمًا وبونًا شاسعًا بين الذاتية التي هي إله في حد ذاتها وبين الذاتية التي لا تعمل في الدنيا إلا خاضعة لأمر الله منقادة لمرضاته. إنه لا بد للإنسان إذا أراد النجاح في الدنيا أن يكون لذاتيته استيلاء تام وانتصار كامل على أهوائه النفسية وقواه الجسدية على كل حال، إلا أن ذاتيته هذه إذا كانت تحسب نفسها في حل من أمر ربها وخالق السموات والأرض ولا ترضى بأن تتقيد بقانون خلقي أعلى ولا ترجو حسابًا ولا مسئولية القوة أمام أحد بعد موتها، فهي لو ملكت على جسده قواه وعلى نفسه أهواءها حتى صارت ذاتية في غاية من القوة والشراسة، فإنها لن تملأ الأرض إلا بجبابرة مفسدين كفرعون ونمرود وهتلر وموسوليني. فضبط النفس من هذا النوع لا يستحق المدح والثناء ولا هو مما يقصده الإسلام، وإنما ضبط النفس الذي يحبه الإسلام ويريد أن یحلی به أتباعه، هو أن تستسلم ذاتية الإنسان لله ربها وتتخذ الجهد لطلب مرضاته وطاعة قانونه شعارًا لنفسها ولا ترى نفسها إلا مسئولة أمامه، ومع ذلك يكون لهذه الذاتية المؤمنة المسلمة سلطة قاهرة وغلبة محكمة على جسده وقواه وعلى نفسه وشهواتها وأهوائها، حتى تكون في الدنيا قوة قوية للإصلاح ووسيلة ناجحة لنشر الخير ودعم الفضيلة وتحقيق الحق.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 17

119

الثلاثاء 07-يوليو-1970

الجوع علاج

نشر في العدد 42

120

الثلاثاء 05-يناير-1971

الظماء.. والري.. والتأمل

نشر في العدد 35

131

الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

هل الصوم عبادة شخصية؟!