العنوان في الساحة العربية: الصورة في الشرق الأوسط تناحر من أجل سلام موهوم!
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 27-نوفمبر-1984
مشاهدات 60
نشر في العدد 693
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 27-نوفمبر-1984
بدأ ياسر عرفات وهو يلقي كلمته في افتتاح اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني في دورته السابعة عشرة يوم الخميس الماضي في العاصمة الأردنية عمان، بدا مبتهجًا ومسرورًا وأخذ يعيد بعض مقاطع كلمته بنبرة فيها الحسم والقوة، إشارة إلى «انتصاره» شخصيًا وموضوعيًا في معركة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني التي أخذت منه جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلًا خاصة وأن أحد أهم أطراف المعركة هو سوريا النظام.. والمنظمات الفلسطينية المنضوية تحت الجناح السوري.
فهل تكتمل فرحة عرفات بتحقيق آماله في قيام كونفدرالية أردنية- فلسطينية أم تفوت الفرصة كما تخوف هو نفسه أكثر من مرة؟
- صيغة أردنية- فلسطينية:
الملك حسين الذي حضر افتتاح المجلس الوطني الفلسطيني طرح في كلمته على منظمة التحرير الفلسطينية خيار صيغة أردنية- فلسطينية على أساس قرار مجلس الأمن الدولي «٢٤٢»في إطار مؤتمر دولي يعقد من أجل إحلال السلام في الشرق الأوسط. وذكر الملك الأردني أن مبادرته المقترحة تنطلق من قناعته بأن «العالم بصورة عامة يرى إمكانية استعادة الأراضي العربية التي احتلتها "إسرائيل" عام «١٩٦٧»عبر صيغة أردنية فلسطينية مشتركة» وأوضح أن هذه الصيغة تقوم على أساس واضح غير قابل للتفاوض وهو الأرض مقابل السلام، وأوضح الملك حسين أن جواب المنظمة على مبادرته يعتبر الفرصة الأخيرة التي تستحق التجربة لإنقاذ الأرض والأهل والمقدسات»!
عرفات من جانبه أشار في كلمته إلى أن هنالك «ثوابت سياسية» بين الأردنيين والفلسطينيين تبقى أقوى من كل ما يمكن أن تفرضه ظروف عابرة أو طارئة»، في إشارة لما ترتب على مجازر أيلول الأسود، الأمر الذي يفهم منه استعداد قيادة عرفات للعمل عبر صيغة أردنية فلسطينية مشتركة.
والحقيقة أن قيادة منظمة التحرير باتت مقتنعة بهذه الصيغة، بل أصبحت خيارها الوحيد منذ الخروج من بيروت في صيف عام «۱۹۸۲».
والنقطة الجديرة بالذكر هنا هو أن انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني وفي عمان بالذات يجعل هذه الصيغة بالرغم من تحفظ السيدين خليل الوزير وصلاح خلف على قرار «٢٤٢»هي الصيغة الوحيدة للتحرك العربي من أجل إحياء مفاوضات الصلح مع "إسرائيل".
وهذه الصيغة سبق المسؤولون في منظمة التحرير كمستشار ياسر عرفات السيد هاني الحسن أن تحدث عنها بوضوح لمجلة المجلة في أعقاب الخروج من طرابلس العام الماضي، وكان السيد الحسن قد تحدث عن إستراتيجية جديدة للمنظمة تقوم على أساس تحرك دبلوماسي فلسطيني- أردني مشترك يستهدف حمل المجتمع الأوروبي للضغط على الولايات المتحدة من أجل إحياء مبادرات السلام في المنطقة على أساس الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
- وفد مصري أردني فلسطيني:
وبعد مضي يومين على افتتاح دورة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني كشفت «القبس» الكويتية ما أسمته سرا مهما هو أن القيادة الفلسطينية تدرس جديا طرح فكرة تأليف وقد عربي موحد يضم مصر وسوريا والأردن وممثلين عن الشعب الفلسطيني لدخول المفاوضات على أساس صيغة سلمية موحدة بإشراف جامعة الدول العربية، أو بقرار من القمة العربية، أو في حال تعذر انعقاد القمة نتيجة لاتصالات عربية.
وبالطبع تدرك القيادة الفلسطينية جيدا أن سوريا سترفض مثل هذا الاقتراح. ولذلك يتوقع أن يتم الاتفاق بين مصر والأردن ومنظمة التحرير على تأليف وفد موحد يتحرك بموافقة عدة دول عربية.
وتقول المصادر إن الملك حسين كان قد اطلع عرفات على اقتراحه كما اطلع المسؤولين الفرنسيين وعدة دول عربية بينها مصر على اقتراحه هذا الذي لقي تشجيعًا من الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران.
وتشكيل مثل هذا الوفد ربما يحل عقبة عدم اعتراف المنظمة بقرار «٢٤٢» الأمر الذي يجعل المراقب يرجح بأن انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في عمان قبل دخول عام «١٩٨٥» كما أمر عرفات، إنما كان من أجل التجديد القيادة عرفات ولتفويضها بالتحرك السياسي بمرونة وجدية على حد تعبير الملك حسين على أساس هذه الصيغة المشتركة والعوامل الموضوعية التي تجعل الملك حسين يقبل بهذه الصيغة هي:
أولاً- الخوف من أن ينعكس خطر عدم حل القضية الفلسطينية على مملكته بسبب ادعاء "إسرائيل" بأن الضفة الشرقية هي وطن الفلسطينيين.
وثانيًا- لأن حصوله على الورقة الفلسطينية أو جزء منها يحسن من موقعه التنافسي مع نظام حافظ أسد على كسب الود الأميركي.
وثالثًا- لأن الملك متشكك في قدرة أميركا على الضغط على "إسرائيل" من جهة، وفي استعداد "إسرائيل" للتنازل عن الأرض من جهة أخرى.
وقد ظهر هذا التشكك والتردد في كلمته أمام المجلس الوطني الفلسطيني عندما أعرب عن استعداده للتخلي عن الموضوع فيما إذا رأت المنظمة أنها قادرة على استعادة الأراضي وإنقاذ الأهل بمفردها.
أما قيادة المنظمة فيدفعها إلى هذه الصيغة الظروف الموضوعية التي أشرنا إليها أنفا، كما يدفعها أيضا مناصبة نظام حافظ أسد العداء لياسر عرفات بالذات ولقيادته اليمينية المنحرفة على حد تعبير جورج حبش مؤخرًا.
- تنافس على دور في الصلح:
فسوريا كما هو معروف باتت تعمل منذ اندلاع الحرب اللبنانية على الإمساك بعدة أوراق في آن واحد لكي تصبح «محور» اللعبة الدبلوماسية في الشرق الأوسط وقد كادت تكون كذلك بفضل الإمساك بالورقة اللبنانية والورقة الفلسطينية ولكنها بخسارتها الورقة الفلسطينية نهائيا بانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني يجعلها لا تملك إلا الورقة اللبنانية وورقة عامل الزمن.
فلا يخفى أن سوريا الآن تؤيد مفاوضات الناقورة العسكرية بين لبنان "وإسرائيل" وتريد لها النجاح. ومن أجل ذلك فقد عمدت سوريا إلى دعم نظام أمين الجميل إلى الحد الذي هاجمت فيه القوى التي حاولت إثارة القلاقل في بيروت في الآونة الأخيرة، وهم من حلفائها التقليديين!
وأما عامل الزمن الذي تراهن عليه سوريا فهو يرجع إلى قناعتها بأن "إسرائيل" ليس لديها الاستعداد للتنازل عن الجولان ولا عن الضفة الغربية وقطاع غزة، ولذا؛ يرى المراقبون بأن مصلحة "إسرائيل" ملتقية مرحليا في عدم التوصل إلى سلام على حدودهما!
وفي هذا المقام يصدق تمامًا قول ياسر عرفات بأن الموقف السوري من مسألة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني ينسجم تمامًا مع الموقف "الإسرائيلي"، كما يعبر عن الواقع ما قالته إذاعة العدو الصهيوني في الأسبوع الماضي من أن كلا من أسد وعرفات يتنافسان للحصول على دور في أية تسوية أميركية تطرح لحل أزمة الشرق الأوسط!
وفي ضوء هذه الحقيقة هل ستسكت سوريا عن عرفات بعد نجاحه في عقد المجلس الوطني الفلسطيني؟
يقول بعض المراقبين إن سوريا لن تسكت على ذلك وستكشف الأيام القادمات عن طبيعة وحجم الدور السوري المضاد ليس لعرفات فحسب وإنما لمحور حسين- مبارك- عرفات. ويستند هذا الفريق إلى علاقة سوريا بالاتحاد السوفياتي واحتمالات نمو قوة هذا المحور.
ولكننا نميل إلى أن معارضة حافظ أسد لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني إنما كانت تهدف لعدم التجديد لياسر عرفات، طمعًا في ضم الورقة الفلسطينية كلية لبقية أوراقه. ولكن طالما أخفق في ذلك وأصبحت قيادة عرفات مفروضة بتأييد دولي وعربي، فلا بد أن يرتب النظام السوري أوراقه على أساس التعامل مع الواقع، خاصة وأنه يؤمن بالحل السلمي واتصالاته مع أميركا لم تنقطع ومما يقوي هذا التوقع هو عودة رفعت أسد لمواقعه في النظام السوري وهو المعروف بعلاقاته الجيدة مع ياسر عرفات والنهج الأميركي. على أن الموقف السوفياتي هو الفيصل الحاسم في هذه المسألة. فإذا كان الاتحاد السوفياتي كما طرح تشيرننكو مؤخرا سيركز اهتمامه على إصلاح علاقاته بالولايات المتحدة التي بات ريغان يعطيها الأولوية كذلك، فإن الاتحاد السوفياتي الذي أخذ يوسع من علاقاته العربية سيجد نفسه مضطرًا لتأييد جهود التسوية الأميركية خاصة إذا دعته للمشاركة عبر مؤتمر دولي كما تطرح الصيغة الأردنية الفلسطينية المشتركة.
- هل يستجيب ريغان؟
على أن أهم سؤالين يطرحان على اللاعبين العرب على مسرح الشرق الأوسط هما هل يستجيب ريغان للمبادرة الأردنية- الفلسطينية المصرية المشتركة؟ وإذا استجاب هل حكومة الرأسين "الإسرائيلية" مستعدة للتنازل عن الضفة الغربية وقطاع غزة؟
وكمراقبين لا نملك إلا أن نقول بأن ريغان بحكم العلاقة الإستراتيجية الخاصة جدا بين أميركا "وإسرائيل"، وبحكم أولويات سياسة بلاده لا يميل لتحريك أية مبادرة سلام أمريكية في الوقت الراهن. وهذا ما أعرب عنه بشكل أو بآخر عرفات وحسين وغير واحد من قادة المنظمة. حتى إن أسامة الباز أكثر المتحمسين للبدور الأميركي نفى أن يكون من أولويات ريغان تحريك السلام في الشرق الأوسط وإن كان قد أعرب عن تفاؤله لجذب اهتمام ريغان عن أحد طريقين: تغيير في ميزان القوى في المنطقة، أو طرح منظمة التحرير المبادرة مشجعة.
وها قد طرحت المنظمة مبادرة مشجعة فهل يستجيب ريغان؟ ربما يستجيب باعتبار أن الوضع الغربي الراهن مفكك ومترد، الأمر الذي يجعل "إسرائيل" تفرض شروطها في المفاوضات. ولكن يبقى السؤال: هل يحافظ الملك حسين على شرط مبادلة الأرض بالسلام؟ وهل تستجيب حكومة بيريز لذلك؟
الإجابة عن هذين التساؤلين ستجعل المنطقة تنشغل بتحركات وتحركات مضادة، وتناحرات فردية و «محورية» في سباق نحو إجابة على سؤال الكل يعرف جوابه سلفا ولكنه يمضي في السباق متجاهلا ذلك!
فإلى متى يظل الحكام العرب يتنافسون على خطب الود الأميركي الكاذب؟
وإلى متى يظلون يضحون من أجل ذلك بدماء وحريات شعوبهم؟
إذا كانوا لا يدرون فإن الأمة لن تظل معهم حيرى وستشق طريقها -بإذن الله- على هدى من الله وبصيرة فالقضية الفلسطينية قضية خطيرة لا يحلها إلا من يدرك خطرها وليس أقدر على ذلك من خليفة ربانية تقف من ورائها الشعوب العربية والإسلامية- فهل إلى ذلك من سبيل؟ إننا لمنتظرون.