الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
- المساعدات العسكرية الإسرائيلية
والصداقة الحميمة بين رئيس الكاميرون وزعماء إسرائيل وراء عودة العلاقات بين الدولتين.
- استغلت إسرائيل سلبيات
عربية مثل معاهدة كامب ديفيد ولقاء قمة ايفرين المغربية وموقف بعض الأنظمة العربية
المعادي لمنظمة التحرير الفلسطينية لتقنع بعض الزعماء الأفارقة بعدم الجدوى في
مقاطعة إسرائيل دبلوماسيًّا إلى الأبد.
أسفرت الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز
للكاميرون في أواخر شهر أغسطس الماضي عن عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين كما
كان متوقعًا منذ الإعلان عن تلك الزيارة، وبذلك تصبح الكاميرون رابع دولة إفريقية تعيد
علاقاتها مع إسرائيل منذ أن قطعت معظم الدول الإفريقية علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان
الصهيوني عام ۱۹٧٣ بناء على قرار جماعي اتخذته منظمة الوحدة الإفريقية في
ذلك الوقت، والدول الثلاث الأخرى هي زائير وليبيريا وساحل العاج، كما أصبحت الكاميرون
سابع الدول الإفريقية التي لها علاقات دبلوماسية رسمية مع تل أبيب، وثالث دولة في العالم
تبرم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل خلال العام الجاري بعد كل من إسبانيا وساحل العاج.
عودة الكاميرون
مرت العلاقات الكاميرونية الإسرائيلية بفترات مختلفة ففي عام ١٩٥٩
تأزمت العلاقات بين الدولتين لأول مرة بسبب اعتراض إسرائيل على مشروع الأمم المتحدة
لإجراء انتخابات عامة في الكاميرون تحت إشراف الأمم المتحدة مما أثار السخط في البلاد.
لكن بداية الستينيات شهدت بعض الانفراج في العلاقات بين البلدين وصل إلى حد إبرام علاقات
دبلوماسية واقتصادية بينهما، إلا أن الكاميرون قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع تل أبيب
عام ۱۹۷۳ تنفيذًا لقرار منظمة الوحدة الإفريقية لكن بداية الثمانينيات شهدت
تحسنًا جديدًا في العلاقات بين الدولتين على الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية بينهما،
ففي عام ۱۹۸۱ وافقت الكاميرون على إقامة علاقات اقتصادية وتجارية مع إسرائيل واستمر
تحسن العلاقات بشكل ملحوظ مع وصول الرئيس النصراني بول بيا إلى السلطة في عام ۱۹۸۲ وهو المعروف بعلاقاته الحميمة
مع زعماء إسرائيليين وفي عهده تطورت العلاقات بين بلاده وتل أبيب لتدخل المجال العسكري
حيث قام ضباط إسرائيليون بتدريب الحرس الخاص للرئيس بول بيا وبعض أفراد قواته المسلحة،
كما أبرمت الكاميرون في عهده اتفاقات تعاون زراعي وصناعي مع إسرائيل حيث انتشر خبراء
زراعيون إسرائيليون في القرى الكاميرونية لتطوير وسائل وطرق الزراعة، وفي عام ١٩٨٤
وافق الرئيس بيا على فتح قنصلية إسرائيلية في ياوندي عاصمة الكاميرون تم تعيين جان
جولان قائمًا بالأعمال فيها، ومنذ ذلك التاريخ توقع المراقبون قيام علاقات دبلوماسية
رسمية بين الكاميرون وإسرائيل وهو ما تحقق فعلًا خلال زيارة بيريز الأخيرة للكاميرون
والتي تعتبر أول زيارة لرئيس وزراء إسرائيلي إلى القارة الإفريقية منذ عام ١٩٦٦.
سر النجاح الإسرائيلي
لا شك ان ما أحرزته الدبلوماسية الإسرائيلية خلال العامين الماضيين
على مستوى إفريقيا والعالم من انتشار يعتبر نجاحًا لا يستهان به للكيان الصهيوني ولرئيس
وزرائه شمعون بيريز بالذات ومفتاح هذا النجاح على المستوى الإفريقي يتمثل في سياسة
الإغراء الاقتصادي والعسكري التي انتهجتها تل أبيب تجاه دول القارة مرتين وأحرزت نجاحًا
في كلتيهما، ففي مطلع الستينيات عندما حصلت كثير من الدول الإفريقية على استقلالها
السياسي كانت تتطلع إلى من يساعدها على تحقيق استقلالها الاقتصادي بعيدًا عن الدول
الاستعمارية وكانت إسرائيل أول دولة تنتبه لتلك الرغبة لدى الأنظمة والحكومات الإفريقية
الفنية فسارعت إلى تقديم مساعدات اقتصادية إليها وفتحت أبوابها لاستقبال مئات المتدربين
من أبناء القارة وأرسلت إلى إفريقيا أكثر من 8 آلاف خبير زراعي إسرائيلي وأسلحة ومعدات
عسكرية إلى العديد من الدول الإفريقية كما نشطت الشركات الإسرائيلية الحكومية منها
والخاصة إلى إنجاز مشاريع مبانٍ وطرق بتمويل من حكومة تل أبيب، وهذه السياسة الاقتصادية
الإسرائيلية هي التي أخرجت إسرائيل من عزلتها الدبلوماسية في القارة الإفريقية في تلك
الحقبة من الزمن.
وها هي تل أبيب تنتهج نفس السياسة مع معظم الدول الإفريقية التي
قطعت علاقاتها الدبلوماسية معها عام ١٩٧٣ في أواخر حرب أكتوبر، ففي هذه المرة استفادت
إسرائيل من خيبة الأمل التي أصابت الدول الإفريقية من الموقف العربي تجاه مساعدة إفريقيا
لتخطي الصعوبات الاقتصادية التي نجمت عن انسحاب الخبراء الإسرائيليين والشركات الإسرائيلية
نتيجة لقطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول الإفريقية وتل أبيب حيث إن المساعدات العربية
لإفريقيا لم تتعد المساعدات المادية في أغلب الأحيان كما أنها لم ترتفع إلى مستوى الطموحات
الإفريقية على الرغم من توصيات القمة العربية الإفريقية اليتيمة المنعقدة في القاهرة
عام ١٩٧٧، فقد استغلت إسرائيل ذلك الخلل الاقتصادي واستغلت أيضًا كارثة المجاعة التي
اجتاحت القارة الإفريقية في السنوات الأخيرة لتستخدم وسائلها الاقتصادية الخادعة مرة
أخرى للتغلغل إلى أدغال إفريقيا بالطرق الدبلوماسية بعد ١٣ عامًا من قطع العلاقات الدبلوماسية
بينها وبين الدول الإفريقية.
سلبيات عربية
وهناك سلبيات أخرى في سياسات بعض الدول العربية استغلها الكيان الصهيوني
كذلك في التقارب نحو الدول الإفريقية، فمعاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل التي مهدت
الطريق لعودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ولقاء القمة بين الملك المغربي ورئيس
وزراء الكيان الصهيوني ومواقف بعض الدول العربية من القضية الفلسطينية بشكل عام ومن
منظمة التحرير بشكل خاص جعلت بعض الرؤساء الأفارقة يراجعون حساباتهم فيما يخص باستمرارية
قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل احترامًا لقرارات منظمة الوحدة الإفريقية بعد
أن خرقتها مصر وهي أكبر دولة عربية وإفريقية من حيث الثقل السياسي والثقافي، وما كان
على إسرائيل إلا أن تستفيد من تلك السلبيات التي سهلت عليها جزءًا كبيرًا من مهمتها
في العودة دبلوماسيًّا إلى بعض بلدان القارة.
التضامن المفقود مع إفريقيا
إن ما يردده بعض وسائل الإعلام في العالم من أن دولًا إفريقية تسعى
لإعادة علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل قد يكون صحيحًا إذا استمر الموقف العربي على
ما هو عليه الآن تجاه دول القارة من جمود سياسي واقتصادي، فالزعماء الأفارقة يتساءلون
بمرارة عما قدمه العرب لإفريقيا منذ ۱۹۷۳ وعن السبب وراء عدم التشاور
بين الجانبين في كيفية مجابهة التغلغل الصهيوني داخل القارة فلابد من ترتيب لقاء قمة
ثانية بين العرب والأفارقة لإعادة تقييم الأمور من جديد ومراجعة قرارات قمة القاهرة
التي جمعت بين زعماء الطرفين في عام ١٩٧٧ لوضع حجر الأساس لتضامن عربي إفريقي متين
يقطع الطريق أمام التغلغل الصهيوني داخل القارة الإفريقية كما أنه لابد من تبادل الزيارات
بين الزعماء بشكل مستمر للإبقاء على جسور المودة والتضامن بين الجانبين. والأهم من
ذلك كله ضرورة تقييم أثر المساعدات العربية على اقتصاديات القارة الإفريقية ومقارنتها
بما كانت تقوم به إسرائيل تجاه دول القارة قبل عام ۱۹۷۳ لتفادي نواحي التقصير وتطوير
الإيجابيات، وبهذه الإجراءات فقط يمكن للعرب والأفارقة أن يؤكدوا تضامنهم الحقيقي ليقوم
سد منيع أمام عودة الأخطبوط الصهيوني إلى دول القارة بعد عزلة دامت ١٣ سنة حتى الآن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل