العنوان الصمت الإسلامي.. والتواطؤ الدولي مع جرائم الحرب في البوسنة
الكاتب د. مأمون فندي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1996
مشاهدات 68
نشر في العدد 1187
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 06-فبراير-1996
الأمين العام للأمم المتحدة تحالف مع الصرب بحصافة تظهره على أنه الرجل المتباكي على هموم العالم الثالث
كلمات قليلة وخائفة تلك التي جاءت في شهادة «مولى الدين أورتش» المسلم الوحيد الذي نجا من مذبحة أقامها الجنود الصرب في قرية سهانيسي في شرق البوسنة، اختصرت كلماته بربرية نهاية القرن، وبدائية نظام عالمي جديد.
يقول مولى الدين أورتش:
«كنت قابضًا على يد ابن عمي بقوة عندما صفنا جنود الصرب قبل أن يطلقوا علينا الرصاص.. كنا معصوبي الأعين، أطلقوا علينا النار، وسقط ابن عمي فوقي، سقطت معه، وادعيت الموت.. ومضى الجنود في السيارة التي أحضرتنا كي يحضروا مسلمين آخرين.. ورأيت حفارًا آليًّا يحفر قبرًا كبيرًا بجانبي، وتملكني رعب شديد.. هأنذا سأدفن حيًّا».
جاءت تلك الشهادة في تقرير لصحيفة الكريستيان ساينس مونوتور نشر في السادس عشر من شهر نوفمبر ١٩٩٥م، حيث وضح مراسل الصحيفة- ديفيد دوود- بالأدلة حجم الجرائم التي حدثت في تلك القرية، وقدرت الصحيفة بناء على شهادات أهل المنطقة من ذبحوا من المسلمين في هذه القرية وحدها بما يفوق الألف فرد.
حدثت تلك المذبحة في الرابع عشر من يوليو ۱۹۹5م ضمن سلسلة من المذابح المنظمة التي قام بها جنود الصرب ضد مسلمي البوسنة، وقد وصل عدد المقابر الجماعية حتى يومنا هذا حسب التقارير المتحفظة جدًا إلى «۳۰۰» ثلاثمائة مقبرة جماعية، ورغم بشاعة هذه الأفعال، إلا أن العالم بأسره وقف يتفرج مشاركًا في مؤامرة الصمت أحيانًا، أو في مشروع عنف ثقافي ضد الضحية، وحتى تلك الإشارات والتلميحات التي تحاول غسل الضمير الإنساني من هذه الجرائم، لم تتعد حتى هذه اللحظة أكثر من كونها كذلك- تلميحات وإيماءات ليس إلا.
حتى سلام دايتون- أوهايو- في ظل تجاهل جرائم الحرب، بدأ يحمل في طياته ملامح سلام قائم على الظلم لا على العدل، فها هو المجتمع الدولي يوقع اتفاقًا مع مجرمي حرب، وهو بذلك يعترف ضمنًا أن هذه الجرائم يمكن التنازل عنها، وبذلك يكشف النظام العالمي الجديد عن وجه قبيح وكريه في آن- أو على الأقل تجاه أبناء عقيدة بذاتها هي عقيدة الإسلام، وهذا مؤشر خطير لا بد وأن يفهم المسلمون أبعاده وديناميكيته؛ لأن البوسنة على ما يبدو ليست النهاية، فالمسلمون يحاربون كذلك في الشيشان، وفي کشمير، وفي أذربيجان، فما معنى أن يتساهل المجتمع الدولي في جرائم الحرب ضد مسلمي البوسنة في إطار سلام هش؟ ماذا يعني أن يتهرب الناتو من مسؤوليته تجاه تقديم الحماية لفريق البحث المرسل من قبل محكمة جرائم الحرب؟ كذلك من هؤلاء الذين يشاركون الصرب هذه الجرائم، سواء بتقديم غطاء أيديولوجي لهذه المذابح، أو بالسكوت عنها أو غض الطرف؟ الإجابة على هذه الأسئلة أساسية لفهم عالم جديد، تتشكل في أحشائه أيديولوجية عدائية، ترى أن المسلمين هم مصدر الشرخ في هذا العالم.
إن التنبه إلى هذه اللحظة التاريخية وما ستلقيه من تبعات على المسلمين في العالم بأسره- ينبثق في نظري- من فهم لما حدث في البوسنة، وكذلك سيحكم العالم على المسلمين من خلال دورهم وفعاليتهم تجاه هذه القضية، وتبقى للمسلمين فرصة أخيرة إما أن يقفوا صفًا واحدًا- ولو أخلاقيًا فقط- يفيد بأنهم لن يتساهلوا في أية جرائم تقع ضد المسلمين، أو أن تكون البوسنة بداية منحدر قد ينتهي بالمسلمين في القاع.
الأمم المتحدة وبطرس غالي
جاءت سياسة الأمم المتحدة تجاه العدوان الصربي ضد المسلمين من البداية واضحة المعالم، جاءت بمثابة صفحة طبق الأصل من کتاب تعاملها مع الفلسطينيين، وزاد على ذلك أن الأمين العام السيد بطرس غالي رأى أن تركز الإعلام على البوسنة يعتم على قضايا أخرى في العالم الثالث، كذلك وضد اهتمام الإعلام بأنه ينتبه فقط إلى حرب «الرجل الغني» أو «الرجل الأبيض» متجاهلًا بذلك ما يحدث في إفريقيا .
وبذلك تحالف الأمين العام مع الصرب، ولكن بحصافة سياسية تظهره على أنه الرجل المتباكي على هموم العالم الثالث، ويظهر موقف الأمين العام واضحًا إذا ما تركنا هذه النقطة، وتفحصنا حقيقة مواقفه تجاه تعيين المدعي العام الذي سيمثل المجتمع الدولي في محكمه جرائم الحرب، كان الرجل الأساسي الذي قام بتجميع الأدلة المبدئية لجرائم الحرب هو الدكتور شريف بسيوني، وهو أستاذ للقانون الدولي بجامعة دييول بشيكاغو، وهو رجل أمريكي من أصل مصري مشهود له بالنزاهة والحيادية، ورغم أن معظم أعضاء اللجنة رشحوا الدكتور بسيوني لتمثيل الإدعاء، إلا أن هذا الترشيح قوبل باعتراض شديد من قبل روسيا وفرنسا وبريطانيا، ووافقهم في الموقف السيد غالي.. وبذلك بدا على المنظمة الدولية عدم الجدية تجاه قضية خطيرة مثل جرائم الحرب.. هذه واحدة.
أما الثانية: فتتمثل في اعتراض السيد غالي في البداية على وجود صندوق مالي خاص لمحكمة جرائم الحرب، وأصر على ربط تبرعات الدول لهذا الصندوق لسداد مستحقات هذه الدول للمنظمة الأمريكية، وعندما ضغط عليه من قبل أمريكا قرر الأمين العام صرف مبالغ لقضاة المحكمة وللمدعي العام السيد جولد ستون، ولكنه حد من المبالغ المخصصة لتقصي الحقائق وفريق البحث، كذلك قرر أن يمنح الصندوق مبالغ متقطعة مرة كل ستة شهور، هذا الموقف من قبل الأمين العام يوضح أنه لا ينوي أن يكشف عن جرائم الصرب، ذلك بالطبع إضافة إلى المواقف الأولية المتمثلة بتمسكه بمواقف فانس- أوين، والتي كانت ترمي إلى الاعتراف بانتصار الصرب، وتغض الطرف عن جرائم بشعة ارتكبت في حق المسلمين، ذلك لأن محور فانس- أوين كان هو محو أية دولة مسلمة تقام في أوروبا، وبذلك شارك الأمين العام في مؤامرة الصمت التي هدفت إلى تغيير ملامح البوسنة على الأرض، وتمكين الصرب من الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الأرض يتعذر معه قيام دولة في أوروبا يسيطر المسلمون على آليتها .
الناتو، والإسلام، وجرائم الحرب
منذ عام قال المتحدث الرئيسي للناتو: «إن الخطر الذي يواجه الناتو الآن هو الأصولية الإسلامية»، لذلك لا يستغرب موقف قوة الناتو لحفظ السلام في البوسنة تجاه جرائم الحرب والمقابر الجماعية، وحمايتها من تلاعب الصرب بالأدلة من حيث القضاء عليها أو إتلافها، ففي مقابلة بين السيد لايتون سميث- قائد قوات الناتو في البوسنة- مع السيد ريتشارد جولد ستون- ممثل الادعاء في محكمة جرائم الحرب- صرح السيد سميث بأنه لن يقوم الناتو بحماية المقابر الجماعية، وإنما فقط قد يقدم مساعدات لفريق البحث وتقصي الحقائق إن طلب منه ذلك، ومع ذلك لم يوضح السيد سميت نوعية المساعدة التي ستقدم لفريق تقصي الحقائق وجمع المعلومات، كذلك لم يبد عليه أي نوع من الاهتمام بجرائم الحرب أكثر من كونها تمثل زيادة عبء على قوة الناتو، والتي يرى أنها قد تخرج من إطار إتفاقية دايتون إذا ما طلب منها حماية المقابر الجماعية، رغم أن جرائم الحرب هي إحدى الأعمدة الأساسية لاتفاق دايتون، وتكرر هذا الموقف المتعنت من قبل قيادة الناتو في تصريحات أدلى بها المتحدث الرسمي العقيد مارك رينور في يوم 25/1/1996م، والتي اختصر فيها دور قوة حفظ السلام فقط في إطار طلعات استطلاع جوية لمراقبة المقابر في منطقة لجوبجيا في شرق البوسنة، هذا الاختصار بالطبع لا يشمل المقابر العديدة المتفرقة في مناطق أخرى من البوسنة، وهو بذلك يمنح الصرب الفرصة لإتلاف الأدلة في المناطق الأخرى.
وبذلك يكون هناك تطابق بين رؤية الناتو التي طرحت في العام الماضي، والتي ترى أن الإسلام يمثل تهديدًا لمصالحها، وتجاهلها، أو غض الطرف عن مسألة جرائم الحرب، وما قد يقوم به الصرب من إخفاء للأدلة أو إتلاف لها .
الولايات المتحدة وجرائم الحرب
بدا موقف الولايات المتحدة في فترة الانتخابات على الأقل مختلفًا تمامًا عن الموقف الأوروبي، فجاء خطاب كلينتون قبل أن يتولى الرئاسة مختلفًا عن الخطاب الأوروبي، حيث ركز المرشح كلينتون في عام ١٩٩٢م على أن الجرائم التي ترتكب ضد مسلمی البوسنة تمثل سياسة إبادة جماعية «Geno- ciele»، ثم ما لبث أن تغير هذا الخطاب في الاتجاه الأوروبي عندما بدأت الإدارة الأمريكية تصف ما يحدث في البوسنة على أنه «حرب أهلية»، وبذلك ضاع الفارق ما بين المعتدي والضحية.
ولم يتغير الموقف الأمريكي إلا عندما بدأت الانتخابات الرئاسية في الاقتراب، وعليه تم الضغط على الأطراف المتصارعة من أجل التوقيع على سلام دايتون- أوهايو، وأهم تحول يحدث الآن هو تردد الأمريكيين في تدريب جيش الحكومة البوسنية، حيث عرضت صحيفة «واشنطن بوست» في الأسبوع الماضي مقالات تشدد على ارتباط الجيش البوسني بإيران، وإن قادته- أي الجيش البوسني- هم مجموعة من المسلمين المتعصبين، وكذلك تم التركيز على أن ما يهدد الناتو هو ليس الصرب، ولكن مجموعات المجاهدين المسلمين، والذي ضغطت الحكومة الأمريكية على حكومة البوسنة من أجل طردهم من البوسنة، وما زال التركيز الإعلامي على وجود «۲۰۰» مائتي محارب من المجاهدين، ومحاولة ربط ذلك بفكرة «الخطر الإسلامي» الذي وصفته الناتو بأنه مصدر تهديد لمصالحها منذ عام مضى، والفرق بين الناتو والموقف الأمريكي ضئيل، فقادة الناتو مثل لايتون سميث هم في النهاية قادة أمريكيون.
وبدت التهديدات الأمريكية للحكومة البوسنية واضحة في تصريحات وزير الخارجية الأمريكي «وارن كريستوفر» في يوم 23/1/1996م حيث طالب الحكومة البوسنية بتسليم سجناء الحرب، وحذرهم من عدم تلبية طلبه حيث قال: «إن فشل الحكومة البوسنية في تسليم السجناء ربما يقابله قطع المعونات الإقتصادية، وكذلك إنهاء المساعدات الفنية للجيش البوسني»، الشيء الوحيد الذي يمكن أن يعرض على أنه موقف إيجابي لأمريكا في هذه القضية يتمثل في زيارة نائب وزير الخارجية لحقوق الإنسان والديمقراطية-
«جون شاتيك» الذي زار مواقع المقابر الجماعية في 22/1/1995م وبذلك سمح للصحفيين والكاميرات بالكتابة والتصوير لهذه المقابر، وهو شيء إيجابي يخدم قضية تجميع الأدلة فيما يخص مجرمي الحرب.
العنف الثقافي والإبادة الجماعية
قام الصرب بتنفيذ برنامج الإبادة الجماعية تحت غطاء أيديولوجي معادي للإسلام في الولايات المتحدة وأوربا، وحتى في كثير من الدول العربية والإسلامية، ففي أية صحيفة أمريكية كنت ترى خبرًا عن ممارسات الصرب ضد مسلمي البوسنة، وإلى جانب هذا الخبر تجد رأيًا تكتبه الصحيفة أو أحد كتاب أعمدتها يحذر الغرب من «الخطر الأخضر» أو «الخطر الإسلامي»، وبذلك يلغي الرأي تأثير الخبر على المتلقي، كذلك ظهرت مقالات بمجلات كبرى تؤصل لهذه الرؤية، حيث أطل علينا المفكر السياسي والأستاذ بجامعة هارفرد السيد «صامويل هنتجتون» بمقال رسم فيه الحدود الجيوسياسية للحضارات، والذي بدا فيه الغرب في حتمية مواجهة مع الإسلام، وشارك السيد هنتجتون منظرون من مصر وكثير من الدول الإسلامية التي لديها مواجهة مع الإسلاميين مثل الجزائر في التحذير من خطر الإسلاميين، وبذلك يكون كل من كتب ضد ما يسمى بالخطر الإسلامي شريكًا غير مباشر في إمداد الصرب بالغطاء الأيديولوجي للمذابح الجماعية، وتصوير هذه المذابح على أنها محاولة للقضاء على هذا الخطر في أوروبا، ولم يختلف خطاب زعيم الصرب رادوفان كاراذيتش حول الخطر الأصولي عن خطاب بعض الرؤساء العرب، أو خطاب كتبة الأعمدة في الصحف الأمريكية أو العربية، كل هؤلاء شاركوا في هذه المذابح، ولو بشكل سياسي حصيف على غرار خطاب بطرس غالي الذي يصور لنا تباطؤه تجاه البوسنة على أنه من أجل ألا تغطي البوسنة على قضايا إفريقيا... مهما كانت الطريقة، لا بد أن يتحمل هؤلاء الكتاب مسؤولياتهم تجاه تبعات ما كتبوه، والذي جاء بمثابة المبرر للمارسات الصربية.
خاتمة
في ظل هذا التحالف القاتم- بأشكاله المباشرة أو غير المباشرة- بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة والناتو والمثقفين والكتاب من أجل إخفاء الأدلة على جرائم الحرب، والتركيز على الخطر الإسلامي، يبقى الحل لهذه القضية معتمدًا في المقام الأول على المسلمين أنفسهم، فيجب على كل المنظمات والدول الإسلامية العمل الجاد تجاه بناء مركز معلومات خاص بها فيما يخص جرائم الحرب، يسجل أسماء من قاموا أو شاركوا في هذه المذابح من أجل تقديمها للمحكمة الدولية، والتي تعاني من نقص الإمكانات لتمويل فريق البحث ومهمته في البوسنة، إن البداية السريعة في بناء بنك المعلومات«data Base» لهي خطوة سياسية لا بد من القيام بها وعلى عجل، وهناك الكثير من الفنيين المسلمين الذين يتمتعون بقدرات عالية، ولديهم الخبرة سواء في بناء مركز المعلومات هذا، أو في تشكيل فريق يجمع هذه المعلومات.
ثانيًا: على الدول الإسلامية أن تتحدى المجتمع الدولي بأن تخصص مبلغًا من مستحقات الأمم المتحدة لديها لتمويل فريق البحث الذي يعد مركزه الادعاء للمحكمة الدولية، إن لم يتحرك المسلمون الآن، وإن لم يؤكدوا على أنهم لن يتسامحوا في مرور تلك الواقعة، فالعواقب وخيمة ◘