العنوان الصليبيون يعتذرون عن الحروب القديمة أم الجديدة؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
مشاهدات 91
نشر في العدد 1321
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
الحقد الصليبي، والكوارث التي خلفها قديماً. والمنسي التي نتجت عن الحروب الصليبية مازالت تمثل حقيقة مرة، لا يمكن أن يتجاوزها الزمان أو ينساها التاريخ، أو تخبو نارها على مر الأيام.
والعنصرية الدينية البغيضة التي توارت خلف المسيحية، ورفعت شعار الصليب، وفعلت بالمسلمين الأفاعيل ستظل تؤرق الزمان، وتقض مضاجعه ولن تنساها ذاكرة الإنسانية على مر الدهور وتعاقب الليل والنهار.
والقساوسة، والبابوات الذين حملوا وزر التحريض على ذبح المسلمين في الحروب الصليبية رغم أنهم ذهبوا إلى مزابل التاريخ وشيعوا باللعنات، إلا أن جرائمهم وفواجعهم وحضهم على قتل الأبرياء، وسفك الدماء، وإهلاك الحرث والنسل سيظل سبة في جبين الدهر وفاجعة في صفحات التاريخ، لا يستطيع أن يتحمل وطاتها أو يقف عندها ضمير حي دون أن يصاب بالهلع والاشمئزاز، وهذا ما دعا كثيراً من المؤرخين إلى مسارعة تجريم اعمال الصليبيين المتوحشين في تلك الحروب الصليبية اللعينة.
يقول المؤرخ غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب ص ۲۸۷، بعد سقوط بيت المقدس ۱۰۹۹ في أيدي الصليبيين الذين قاموا بمجزرة اليمة وحشية، ذبح فيها النساء والأطفال من المسلمين: لقد أفرط قومنا الصليبيون في سفك الدماء، وبخاصة في هيكل سليمان، حيث لجأ إليه كثير من المسلمين، وكانت جثث القوم تسبح في بحيرات من الدماء، ولم يكتف قومنا الصليبيون الأتقياء بضروب العسف والتدمير والتنكيل وسفك الدماء التي اتبعوها، بل عقدوا مؤتمراً أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان المدينة من المسلمين الذين كان عددهم ٦٠ الفاً فأفنوهم عن آخرهم في ثمانية أيام، ولم يستثنوا منهم امرأة ولا طفلاً ولا شيخاً.
ويقول المؤرخ ولز Wells : حدثت ببيت المقدس مذبحة رهيبة وكان دم المقهورين يجري في الشوارع، حتى كان الفارس وهو يركب الفرس تصيبه دماء القوم وهو على فرسه، وعند الفراغ من كل وجبة للقتل يصيح الصليبيون فرحاً، ويتجهون إلى الناووس ويرفعون أيديهم المضرجة بالدماء يصلون لله شكراً.
ويقول المؤرخ العربي ابن خلدون: استباح الفرنجة بيت المقدس، وأقاموا في المدينة أسبوعاً ينهبون ويدمرون ويقتلون، وقد أحصي القتلى بالمسجد فقط من الأئمة والعلماء والعباد والزهاد والمجاورين، فكانوا سبعين ألفاً أو يزيدون، وبجوار القتل قام الصليبيون بعمليات سلب ونهب كثيرة شملت ما بالبيوت من ذهب أو فضة، أو متاع، أو حيوان، كما أخذوا قناديل الذهب من المسجد. وكانت مائة وخمسين قنديلاً، وغنموا من المساجد والبيوت ما لا يقع عليه الإحصاء.
ثم زحف الصليبيون إلى طرابلس عام ۱۱۰۹م، وفعلوا فيها ما فعل ببيت المقدس ثم ذهبوا إلى عكا، وصور، وتكررت نفس المشاهد والمآسي والآلام، وكانهم وحوش انطلقوا من الغابات لتدمر كل شيء، فلا تبقي ولا تذر، والغريب أن هذه الحرب القذرة كانت توصف بالمقدسة، وكانت البابوات تخطب في هؤلاء الهمج وتحضهم على التدمير وامتلاك ما في أيدي الأبرياء فيقولون: اذهبوا وامتلكوا أرض البرابرة المسلمين لأنفسكم فإنها كما تقول التوراة تفيض لبناً وعسلاً، ويعلن البابا اربان الثاني في مرسوم بابوي أن كل من يشترك في هذه الحروب تغفر ذنوبه، ويدخل في حماية الكنيسة، وما أن فرغ أربان الثاني من خطبه ومن إصداره المراسيمه، حتى تقدم كثير من الغوغاء وحملوا الصلبان رمزاً للاستجابة لحاملي الصليب الأكبر وهو البابا، ثم أخذ البابا يطوف البلاد، ويجيش الكتائب لهذه الحرب الصليبية قائلاً: باسم الرب قاتلوا الكفرة يقصد المسلمين وخربوا ديارهم.
هذا.. وبعد أن عانت بلاد المسلمين من هذا التوحش والإبادة استيقظ العزم المسلم بقيادة صلاح الدين الأيوبي وكافح هذا الوباء المدمر وجالد هذه الذئاب الخسيسة المتعطشة للدماء حتى انتصر عليهم في موقعة حطين الشهيرة ٥٨٤ه - ۱۱۸۷م، ثم زحف إلى بيت المقدس فاستخلصه من أيدي الغزاة المجرمين، ودخل المدينة في ليلة الإسراء والمعراج، ولم يرق قطرة من الدماء في المدينة، وسمح لأهلها من الفرنجة أن يخرجوا سالمين في مدة أربعين يوماً يحملون ما يشاؤون من أمتعتهم وأموالهم، وتناسى صلاح الدين ما فعلته الفرنجة من القتل والتنكيل بالمسلمين مدة ٩٠ عاماً. وكان ضمن من خرجوا مستفيدين من شروط الأمان التي أعطاها صلاح الدين البطريرك الأكبر يحمل أموال البيع، وذخائر المساجد المسروقة التي كان الصليبيون قد غنموها عند الفتح، حتى قال بعض المسلمين لصلاح الدين إن هذا البطريرك يقوى بهذا المال على حرب المسلمين فأجاب صلاح الدين الإسلام لا يعرف الغدر، لقد أمناه وعلينا الوفاء، وخرجت الأميرات والنبيلات معززات من بيت المقدس، وقلن لصلاح الدين أيها السلطان، لقد مننت علينا بالحياة، ولكن كيف نعيش وأزواجنا وأولادنا في الأسر؟ أيها السلطان هب لنا أزواجنا وأولادنا لحمايتنا، أيها السلطان إن لم تفعل أسلمتنا للعار والجوع والضياع، فتأثر صلاح الدين، ووهب لهن ذلك.
هذا النبل الإنساني لا بد من أن يؤثر حتى في الحجارة، واليوم وفي هذه الأيام يشعر بعض الأوروبيين بوخز الضمير من جرائم ابائهم فيتجمعون ويزورون البلاد الإسلامية للاعتذار عما اقترفه اباؤهم من مخاز وسفك للدماء، ويقول مدير مسيرة الاعتذار مالیر هاند جئنا لطلب المعذرة عن الهمجية الصليبية التي اقترفها آباؤنا في حق المسلمين، ويشاركنا في هذه الرحلة قساوسة ومسؤولون في الكنائس يحملون رسالة اعتذار من رئاسة الكنيسة الأنجليكانية.
ونحن نقول نعم.. هذا شيء جيد، ولكن متى تعتذر الصليبية اليوم عن جرائمها في البوسنة والهرسك، وكوسوفا، وجنوب السودان وليبيا وأفغانستان وهلم جرا.. وعن مساعدتها للصهيونية التي تقتل كل يوم بالعشرات وربما بالمئات في قانا بلبنان، وفي أرجاء المدن الفلسطينية، وفي الخليل ورام الله، وغزة.. وغيرها؟
ومتى تعتذر عن حمايتها للأنظمة القمعية التي تكبت الشعوب، وعن المؤامرات التي تحيكها للشعوب المسلمة حتى لا تسعد او تنهض أو تهنا بحياة بين الشعب الواحد كما في أفغانستان، والجزائر، وبين الجيران، ومتى تعتذر عن اتخاذها الإسلام عدواً، حتى قال نيكسون: لقد انتهت الشيوعية، ولم يبق لنا عدو سوى الإسلام.
أظن أن الصليبية حديثاً وقديماً إذا أرادت الاعتذار فإن ذلك شيء سيطول ويطول، ولن ينفع المسلمين إلا سواعدهم التي تطرد الذباب عن جسد الأمة، ولله در القائل:
وللذبابة في الجرح الممد يد *** تنال ما قصرت عنه يد الأسد
نسأل الله السلامة.. أمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل