العنوان الصلاة
الكاتب عبد الله السند
تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1977
مشاهدات 14
نشر في العدد 374
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 08-نوفمبر-1977
من مائدة النبوة
عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم
أكبركم" متفق عليه.
وقد احتوى الحديث الشريف على ثلاث جمل؛ أولها وأعظمها ـ الجملة الأولى
ـ وهي: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم"، وفيه مشروعية الأذان ووجوبه
للأمر به، وكونه بعد دخول الوقت. ويستثنى من ذلك صلاة الفجر، فإنه صلى الله عليه
وسلم قال: "إذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا ينادي
حتى يقال له أصبحت أصبحت".
وأن الأذان فرض كفاية، لا فرض عين؛ لأن الشارع إنما خطب به مجموع
المكلفين، وطلب حصوله منهم، فهو فرض كفاية، وإلا لو طلب حصوله من كل الأعيان لصار
فرض عين. وهنا قال: "فليؤذن لكم أحدكم"، وألفاظ الأذان معروفة، وينبغي
أن يكون المؤذن صيتاً، أميناً، عالماً بالوقت؛ لأنه أكمل لحصول المقصود.
والحديث يشدد على وجوب الأذان في الحضر والسفر والإقامة؛ ومن تمام
الأذان الإسلام دخول الوقت للصلاة، والإقامة الإعلام بالقيام إليها.
وقد وردت النصوص الكثيرة بفضله وكثرة ثوابه واستجابة إجابة المؤذن،
وأن يقول المجيب مثل ما يقول المؤذن إلا إذا قال: "حي على الصلاة، حي على
الفلاح"، فيقول كلمة الاستعانة بالله على ما دعا إليه من الصلاة والفلاح الذي
هو الخير كله: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، ثم يصلي على النبي صلى الله
عليه وسلم. ويقول الإمام: "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت
محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته"، ثم يدعو لنفسه؛
لأنه من مواطن الإجابة التي ينبغي للداعي قصدها.
أحكام الإمامة والجماعة
الجملة الثانية قوله: "وليؤمكم أكبركم"، فيوجب لصلاة
الجماعة أن أقلها إمام ومأموم، وأن الأولى بالإمامة أفقههم بمقصود الإمامة؛ كما
ثبت في الصحيح: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء
فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة وإسلاماً". فإن كانوا
متقاربين، كما في هذا الحديث، كان الأولى منهما أكبرهما؛ فإن تقديم الأكبر مشروع
في كل أمر طلب فيه الترتيب إذا لم يكن للصغير مزيد فضل لقوله صلى الله عليه وسلم:
"كبر كبر".
وإذا ترتبت الصلاة بإمام ومأموم، فإنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فإذا كبر
كبر من وراءه، وإذا ركع، وسجد، ورفع تبعه من بعده. وينبغي موافقته في أفعال
الصلاة؛ وأما مسابقة الإمام والتقدم عليه في ركوعه أو سجوده أو خفض أو رفع، فإن
ذلك حرام يبطل الصلاة. فيؤمر المأمومون بالاقتداء بإمامهم، وينهون عن الموافقة
والمسابقة والتخلف الكثير.
فإن كانوا اثنين فأفضل أن يصفوا خلفه، والرجل الواحد يصف عن يمين
الإمام، والمرأة خلف الرجل أو الرجال وتقف وحدها إلا إذا كانت معها نساء فليكن
كالرجال في وجوب المصافة. وإن وقف الرجل الواحد خلف الإمام أو خلف الصف لغير عذر
بطلت صلاته.
وعلى الإمام تحصيل مقصود الإمامة من الجهر بالتكبير في الانتقالات
والتسميع ومن الجهر في القراءة الجهرية، وعليه مراعاة المأمومين في التقدم والتأخر
والتخفيف مع الإتمام.
صفة الصلاة والاتباع
الجملة الثالثة ـ وهي الكبرى في هذا الحديث ـ قوله: "صلوا كما
رأيتموني أصلي"، وهذا تعليم منه صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل؛ كما فعل
ذلك في الحج حيث كان يقوم بأداء المناسك ويقول للناس: "خذوا عني
مناسككم". وهذه الجملة تأتي على جميع ما كان يفعله ويقوله ويأمر به في
الصلاة.
وذلك بأن يستكمل العبد جميع شروط الصلاة، ثم يقوم إلى صلاته ويستقبل
القبلة ناوياً الصلاة المعينة بقلبه، ويقول: "الله أكبر"، ثم يستفتح
ويتعوذ بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع الاستفتاحات والتعوذات،
ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة في صلاة الفجر وقصيرة
في صلاة المغرب وبين ذلك في بقية الصلوات.
ثم يكبر راكعاً رافعاً يديه حذو منكبيه في ركوعه وفي رفعه منه في كل
ركعة وعند تكبيرة الإحرام، وإذا قام من التشهد الأول على الصحيح في الصلاة
الرباعية والثلاثية، ويقول: "سبحان ربي العظيم" مرة واحدة واجبة وأقل
الكمال ثلاث مرات فأكثر، وكذلك تسبيح السجود بقول "سبحان ربي الأعلى".
ثم يرفع رأسه قائلاً منفردأً: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد
حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه"، وكذلك المأموم إلا أنه لا يقول "سمع
الله لمن حمده". ثم يكبر ويسجد على سبعة أعضاء: القدمين، والركبتين، والجبهة
مع الأنف، ويمكنهما من الأرض ولا يبسط ذراعيه. ثم يرفع مكبراً ويجلس متربعاً
جالساً على رجله اليسرى ناصباً رجله اليمنى موجهاً أصابعه إلى القبلة، والصلاة
جلوسها كله افتراش إلا في التشهد الأخير فإنه ينبغي له أن يتورك فيقعد على الأرض
ويخرج رجله اليسرى عن يمينه، ويقول بين السجدتين: "رب اغفر لي وارحمني واهدني
وارزقني وأجرني"، ثم يسجد الثانية كالأولى، وهكذا يفعل في كل ركعة.
وعليه أن يطمئن في كل رفع وخفض وركوع وسجود وقيام وقعود، ثم يتشهد
فيقول: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله"، هذا التشهد الأول. ثم يقوم إن كانت رباعية أو ثلاثية
ويصلي بقيتها وحدها، وإن جلس في التشهد الأخير قال: "اللهم صل على محمد وعلى
آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما
باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر
ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال"، وأدعو بما أحب، ثم يسلم عن
يمينه وعن يساره.
فما ورد في جميع الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة من
قوله وتعليمه وإرشاده داخل في قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وهو
مأمور به أمر إيجاب أو استحباب بحسب الدليل.
فما كان من أجزائها ألا يستعجل جهلاً ولا عمداً قيل له ركن، كتكبيرة
الإحرام، وقراءة الفاتحة، والتشهد الأخير، والسلام، والقيام، والركوع، والسجود،
والاعتدال عنها.
وما كان يسبق سهواً ويجبره سجود السهو قيل له واجب، كالتشهد الأول
والجلوس له، والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وقول "سمع الله لمن حمده"
للإمام والمنفرد، وقول "ربنا ولك الحمد" لكل مصل، وقول "سبحان ربي
العظيم" في الركوع، وسبحان ربي الأعلى مرة في السجود، وقول "رب اغفر
لي" بين السجدتين.
وما سوى ذلك فإنه من مكملاتها ومستحباتها، وخصوصاً روح الصلاة، وهو
حضور القلب فيها وتدبر ما يقوله من قراءة وذكر ودعاء، وما يفعله من قيام وقعود
وركوع وسجود والخضوع لله والخشوع فيها له.
ومما يدخل في ذلك تجنب ما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنه في
الصلاة؛ كالنطق والكلام وكثرة الحركة المتتابعة لغير ضرورة؛ فإن الصلاة لا تتم إلا
بوجود شروطها وأركانها وواجباتها وما يترتب عليها، التي ترجع إلى أمرين: إما إخلال
بركن أو فعل ممنوع فيها كالكلام ونحوه. والله الموفق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل