; الصفحات الأخيرة من حضارتنا.. الحركات القومية كانت سببًا في انهيار آخر خلافة إسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الصفحات الأخيرة من حضارتنا.. الحركات القومية كانت سببًا في انهيار آخر خلافة إسلامية

الكاتب د. عبدالحليم عويس

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1973

مشاهدات 29

نشر في العدد 136

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 06-فبراير-1973

سوف لا ينسى التاريخ والإسلام للعرب أكبر وصمة عار لطخت كفاحهم الضائع في تاريخهم الحديث. لقد شاء العرب المضللون أن يقطعوا اليد الكريمة التي امتدت إليهم ما كان يساعدها قوة. فلما هوت قواها تحت مطارق الصليبية العالمية ومجامع الماسونية ومؤتمرات حكماء صهيون، والتكتل الدولي الماكر.. لما حدث هذا كانوا هم السكين الذي قطع هذه اليد........ وقدموا أكبر خدمة لليهودي الخبيث «مصطفى كمال أتاتورك».. ومنذ ذلك التاريخ، وإقامة دولة اليهود من «الفرات إلى النيل» قرار ممهور من كل القوى الطاغية في العالم!

.. إن أحفاد العرب الذين امتد بهم الإسلام إلى حدود باريس ومجاهل الصين وجنوب أفريقيا، كانوا هم الذين انحسر بهم الإسلام إلى إقليمية وطنية مفرقة في الأنانية والذاتية وطلب الحياة بأرخص السبل الذليلة.. وصدقت فيهم كلمات العلامة ابن خلدون!

كيف حدث هذا الانقلاب الخطير في الطبيعة العربية والنفسية العربية؟

إن هذا الانقلاب قد حدث بفعل شيء واحد.. بفعل زحزحة الإسلام، وعبادة الذات أو ما يسمى «بالقومية».. أو بتعبير آخر العودة من مبدأ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ إلى مبدأ: «وأحيانًا على بكر أخينا: إذا ما لم نجد إلا أخانا»!

التحول من مجتمع «العطاء» ولو كان ثمنه الموت، إلى مجتمع «الأخذ» ولو كان ثمنه أن يموت أقرب الناس، وأن تموت أشرف القيم والمبادئ!

وفي خلال القرن الثامن عشر، كانت أوروبا تكتل أحقادها للانقضاض على الخلافة العثمانية واقتسام أملاك «الرجل المريض» -تركيا- وأطلقت على هذه النزعة اسم «المسألة الشرقية»، باعتبار تركيا العقبة «الشرقية» الوحيدة التي تشكل خطرًا على الصليبية الدولية، وحماية حقيقية لبلاد الإسلام المتناثرة.

ولم يكد ينتهي هذا القرن حتى كانت القوى الصليبية الكبرى في ذلك الوقت «بريطانيا وفرنسا وروسيا» تحاول الوصول إلى صيغة ملائمة للانقضاض واقتسام الغنائم، لا سيما وقد اكتشفوا ضعف الجانب التركي في معركة «سان جوتار»، وعلى أبواب «فيينا» عمومًا عندما ظهر تخلف العسكرية العثمانية، وفي سنة 1798م كان صبي الثورة الفرنسية التي وقف اليهود وراء مبادئها «نابليون بونابرت» يزحف على مصر ليلقنها بمدافعه وخيوله وتحويله الأزهر الشريف إلى إسطبل لخيوله، وتدميره القرى على امتداد الطريق بين القاهرة والإسكندرية.. يلقنها بهذه الوسائل وبغيرها من الوسائل الهمجية الأوروبية كالخمور والتحلل الخلقي وإغراء الخادمات المصريات.. يلقن مصر و-العالم الإسلامي- أول دروس القومية والمدنية والمبادئ الثلاثة الماسونية التي رفعتها الثورة الفرنسية!

ولم يكد يمضي على ذلك الحادث أكثر من ست سنوات حتى كانت بريطانيا تحاول غزو العالم العربي مستهلة وجودها فيه بغزو مصر سنة 1807م فيما يسمى بحملة «فريزر».. وبين هذه السنوات، وبالتحديد في سنة 1803م نجح عميل فرنسي في أن يصل إلى الحكم، ويعلن أكبر محاولة للانفصال عن الدولة العثمانية.. وكان هذا العميل الفرنسي «محمد علي باشا» صدى باهتًا رديئًا للغزو النابليوني لمصر.. وكما أهان نابليون بونابرت الأزهر -بدل إيقاظه لو كان قائد ثورة- كذلك أهان محمد علي -الأزهر وعلماءه- وعلى الرغم من أن محمد علي كان مجرد «عبد» كان مملوكًا لا ينتمي إلى الدم العربي، إلا أنه رفع راية القومية العربية باعتبارها السلاح البراق الذي يمكن به ضرب الوحدة الإسلامية والشعور بالمصير الإسلامي الواحد.. ثم يتبع ذلك ضرب العرب على انفراد -كما حدث فعلًا- ولعل بعث «محمد علي» غير العربي للفتن القومية لضرب الخلافة العثمانية -لمصلحة فرنسا- أكبر دليل على حقيقة جذور هذه اللعبة التي اخترعها تطور الفكر الأوروبي في عصر النهضة، كي يقضي على الشعوب ذات الوحدة الأيديولوجية، كي تنفرد أوروبا بالتقدم وحدها، بينما تضيع الدول والأيديولوجيات الأخرى في زحمة الانشقاقات القومية والجنسية.. وهذا ما حدث!!

وبعد أن كانت دولة الخلافة المسكينة تقف على تخوم القرن التاسع عشر، تحاول أن تفيق من سكرة لقائها المفاجئ لمنتجات الحضارة الصناعية، وتحاول أن تبحث عن حل حضاري مضاد.. وجدت دولة الخلافة نفسها متخمة بالمشاكل القومية التي أثارها عملاء الغرب.. هؤلاء العملاء الذين أنهكوا قواها، وحاولوا أن يفرضوا عليها الدواء الأوروبي لعلاج أمراضها دون تبصر بحقيقة أمراضها، وبحقيقة اختلاف بنائها المادي والمعنوي، ودون وعي بالعلاج الحضاري الناجح!

وامتدادًا للخروج الشاذ الذي أعلنه المملوك الأب «محمد علي» ظهرت محاولات أخرى للخروج قام بها «بشير الشهابي» في لبنان وحركات في المغرب العربي، بل وحركات داخل تركيا نفسها، ترفع القومية الطورانية في وجه القومية العربية!

هذا فضلًا عن حركات الخروج التي سبقت حركة محمد علي تحت تأثير دوافع انفصالية مختلفة، كحركة علي بك الكبير سنة 1773م في مصر، وحركة الشيخ ظاهر العمر سنة 1775م في فلسطين، وفخر الدين المعني في لبنان قبل سنة 1635م.. وهكذا.. كانت الدولة العثمانية تعاني من الداخل أشد المعاناة، وتواجه من الخارج بتحديات صليبية غربية.. ففقدت على الطريق بالتالي أملاكها في أوروبا «هنغاريا، وبلغراد، وألبانيا، واليونان، ورومانيا، وصربيا، وبلغاريا».

وأكبر الظن أن بعض القوميين العرب في ذلك الوقت قد فرحوا لسقوط هذه البلاد من يد الإمبراطورية الإسلامية الكبرى.. فهذا هو الهدف الحقيقي الذي ساقهم إليه أسيادهم الصليبيون والماسون!

وإلى اللقاء مع بقية قصة سقوط آخر خلافة إسلامية.

الرابط المختصر :