; ملوك الآخرة.. الصفة السابعة: الوسطية والاعتدال والتوازن | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة.. الصفة السابعة: الوسطية والاعتدال والتوازن

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 31-أكتوبر-2009

مشاهدات 63

نشر في العدد 1875

نشر في الصفحة 55

السبت 31-أكتوبر-2009

تناولنا في الأعداد الماضية صفة الخوف من النار، وما يتبعها من وصف النار، ووصف الخائفين منها، وفي هذا العدد نتناول الصفة السابعة من صفات عباد الرحمن وهي صفة الوسطية والاعتدال.

لم يسرفوا ولم يقتروا يصف الله تعالى عباد الرحمن بصفة الاعتدال والتوازن في حياتهم، فيقول عنهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان:67)، ومن تمام الاعتدال والتوازن، أن توضع الأمور في نصابها، وأن يوضع كل درهم في مكانه الصحيح، وفيما ينفع الإنسان في دنياه ودينه، ويكتب في كتابه ومن تمام الإسراف أن يوضع الدرهم في غير مكانه، حتى وإن كان قليلًا، مادام يوضع في غير ما يحبه الله من المناكر، وما شابهها.

يقول الإمام النحاس: «ومن أحسن ما قيل في معناه أن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله عز وجل فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله فهو القوام (1).

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «من أنفق مائة ألف في حق فليس بسرف، ومن أنفق درهمًا في غير حقه فهو سرف، ومن منع من حق عليه فقد قتر (٢).

معتدلون حتى في المباح

وصفة الاعتدال والوسطية والتوازن لیست مقصورة على الحرام البين والحلال البين بل تتضح جليًا حتى في المباح.

ولهذا الأمر، فقد خالف الإمام ابن عطية بعض المفسرين الذين ربطوا أمر الإسراف والإقتار بأمر الطاعة والمعصية، فقال: «وخلط الطاعة والمعصية بالإسراف والتقتير فيه نظر والوجه أن يقال: إن النفقة في معصية أمر قد حظرت الشريعة قليله وكثيره، وكذلك التعدي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك، وإنما التأديب في هذه الآية هو في نفقة الطاعات في المباحات، فأدب الشرع فيها ألا يفرط الإنسان حتى يضيع حقًا آخر أو عيالًا، ونحو هذا، وألا يضيق أيضًا ويقتر حتى يجيع العيال، ويفرط في الشح، والحسن في ذلك هو القوام، أي: العدل (۳).

ما هو القوام؟

يقول ابن منظور «القوام العدل، قال تعالى ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان:67) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ۹)، قال الزجاج: للحالة التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله. واستعمل أبو إسحاق ذلك في الشعر فقال: استقام الشعر اتزن، وقوم درأه أزال عوجه. (4)

ويقول الزمخشري: «والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء».(5)

وسط بين خلقين ذميمين 

والوسطية والاعتدال والتوازن خلق جميل محبب إلى النفوس بين خلقين ذميمين مكروهين عند الأنفس المعتدلة، وهذا ما يركز عليه القرآن في ذكر صفة عباد الرحمن، إنهم يتصفون بصفة الوسطية والاعتدال والتوازن في كل مفردات حياتهم، وما قضية الإنفاق إلا مثال من أمثلة صفات الاعتدال في حياتهم واعتدالهم هذا بين خُلق الإسراف، وبين خلق الإقتار، وكلاهما تطرف في قضية الإنفاق وكلاهما ينبني عليه ضرر.

يقول سيد قطب: «وهذه سمة الإسلام التي يحققها في حياة الأفراد والجماعات، ويتجه إليها في التربية والتشريع، يقيم بناءه كله على التوازن والاعتدال، والمسلم مع اعتراف الإسلام بالملكية الفردية المقيدة ليس حراً في إنفاق أمواله الخاصة كما يشاء - كما هو الحال في النظام الرأسمالي، وعند الأمم التي لا يحكم التشريع الإلهي حياتها في كل ميدان - إنما هو مقيد بالتوسط في الأمرين الإسراف والتقتير. فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع والتقتير مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به وانتفاع الجماعة من حوله، فالمال أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية والإسراف والتقتير يحدثان اختلالًا في المحيط الاجتماعي، والمجال الاقتصادي وحبس الأموال يحدث أزمات ومثله إطلاقها غير حساب. ذلك فوق فساد القلوب والأخلاق والإسلام وهو ينظم هذا الجانب من الحياة يبدأ به من نفس الفرد، فيجعل الاعتدال سمة من سمات الإيمان (6).

التطرف مذموم في كل خلق

إن صفة الاعتدال والوسطية والتوازن لا يمكن أن تكون إلا عند الوسط، لذلك قال تعالي ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (البقرة: ١٤٣).

يقول الإمام الماوردي: «إن الوسط من التوسط في الأمور؛ لأن المسلمين توسطوا في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، كاليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، فوصفهم الله تعالى بأنهم وسط، لأن أحب الأمور إليه أوسطها (۷).

وهكذا فإن الوسطية تدعو صاحبها إلى اعتناق كل ما هو وسط في الأخلاق، ومحبب إلى النفوس، وهذا من العدل الذي كما قال الإمام ابن القيم: «يحمله على اعتدال أخلاقه وتوسطه فيها طرفي الإفراط والتفريط فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الذل والقحة، وعلى خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور، وعلى خلق الحلم، الذي هو توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس (۸).

 هكذا هي صفة عباد الرحمن، والتي بسبب هذا الاعتدال والتوسط تكسبهم محبتين محبة الله ومحبة الناس.

الرابط المختصر :