; الصراع بين الإسلام والصليبية في  القـرن الأفريقي | مجلة المجتمع

العنوان الصراع بين الإسلام والصليبية في  القـرن الأفريقي

الكاتب محمد علي نجييه

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1999

مشاهدات 55

نشر في العدد 1364

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 24-أغسطس-1999

ولا يزال المسلمون في القرن الأفريقي يتعرضون لسياسات الاضطهاد، ويعانون من انتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها سلطات الحكم المستبدة جنبًا إلى جنب منظمات التنصير، التي تواصل شن حملاتها الصليبية من أجل تغيير عقيدة المسلمين، وتسعى لإخراجهم من دينهم، مستغلة الظروف القاسية التي يعيشونها في ظل الفقر والمرض والجهل والاستبداد السياسي والحروب الأهلية والإقليمية التي لا تنقطع.

•منذ القرن التاسع انطلق توسع الحبشة مدعومًا بالاستعمار الغربي حتى وصل إلى بحيرة فيكتوريا والخرطوم.

وصل الإسلام إلى منطقة القرن الأفريقي مع وصول المهاجرين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  في عهد النجاشي ملك الحبشة، وسرعان ما انتشر الإسلام على طول ساحل شرق أفريقيا،

وتتابعت الهجرات العربية، سواء كانت عن طريق التجارة أو الدعاة أو الفاتحين، وبعد فترة من الزمن أصبحت ممالك وإمارات يتاخم بعضها البعض في القرن الأفريقي، ويجمعهم الدين الإسلامي.

وعند نهاية القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر الميلادي، نجد تفاصيل عن هذه الإمارات والممالك الإسلامية في كثير من المراجع والمصادر التي كشفت النقاب عن وثائق عربية مهمة تشرح الأحداث، التي مرت ببعض الإمارات الإسلامية، كما ورد ذكرها في كتب الرحالة العرب والأجانب، مما يشير إلى أن الإسلام في ذلك العهد ما كان مقتصرًا على السواحل، بل إنه وصل إلى حدود الهضبة، ونفذ إلى عمق البلاد؛ حيث تأسست أيضًا مملكة إسلامية في قلب الهضبة في إقليم شوا المشهور، ومن هنا شعرت القوى الصليبية بالخطر على أطماعها في المنطقة، وأدركت أن انتشار الإسلام سيقضي عليها  نهائيًّا.

وفي تلك الظروف، شعر الاستعمار الأوروبي الذي كان آنذاك في بداية عنفوانه. إن المنظمة وقعت في يد المسلمين، وأن شرق أفريقيا والبحر الأحمر بالذات أصبحت منطقة عربية، فهبوا لمساعدة الأقلية النصرانية التي هربت إلى الجبال، وأسسوا في جولدر إمارة جديدة سموا حكامها بالأسرة السليمانية تقربًا إلى نبي الله سليمان بن داود، وتقوية للرباط بين هذه الأسرة والكنيسة النصرانية في القدس.

من هنا نستطيع أن نقول: إن هذه المواجهة مواجهة تاريخية حضارية عقيدية، وقد عادت هذه المواجهة إلى الظهور بشكل حاد خلال القرن الخامس عشر؛ حيث شهدت المنطقة معارك متتالية بين المسلمين والأحباش النصارى كان الإمام أحمد جري قائدها في جانب المسلمين، وكان أول عمل قام به الإمام هو توحيد الإمارات الإسلامية في المنطقة تحت قيادة واحدة، ومواجهة غزو الجيش الصليبي الحاقد المدعوم من الغرب.

وعندما حدثت الاستكشافات البحرية البرتغالية وامتدت السيطرة الاستعمارية للبرتغال على السواحل والموانئ في تجارة الشرق كانت الخلافة الإسلامية «العثمانية» قد ظهرت للوجود بما صاحبها من توسع نفوذها ليشمل الوطن العربي كله تقريبًا، وهكذا رفع البرتغاليون راية النصرانية، وفي الوقت نفسه رفع العثمانيون في المقابل راية الإسلام، وأصبح الصراع صراعًا حضاريًّا ودينيًّا.

المهم هنا هو أن القرن الأفريقي تعرض منذ ذلك الوقت لحركة الاستقطاب بين توسع الإسلام وانتشاره في المنطقة، وقوى الصليبية الغازية، فبينما تطلع الحكم النصراني في الهضبة الحبشية إلى الإمبراطورية البرتغالية، تطلعت الإمارات والممالك الإسلامية المحيطة بالهضبة والممتدة على الساحل الصومالي والإريتري إلى الخلافة العثمانية، وكان كل طرف من هذين الطرفين المحليين يبحث عن حماية ودعم ضد الطرف الآخر باسم الدين وتحت رايته، وبينما كان هدف الحكم النصراني في الهضبة الحبشية القضاء على الإمارات والممالك العربية المحيطة به مستعينًا بالدعم البرتغالي، كان هدف الإمارات الإسلامية التوسع إلى عمق القارة نفسها مستعينة بالدعم العثماني في المقابل.

 جهاد الإمام أحمد أمير هرر

وكان جهاد الإمام أحمد بن إبراهيم أمير هرر- إحدى مقاطعات الصومال الغربي- التي أشرنا إليها، فقد نجح هذا الإمام بجمع شمل المسلمين أولًا، والقضاء على الفتن وكل قطاع الطرق بقوة صارمة، وبعد أن استتبت له الأمور في جميع مناطق المسلمين انصرف إلى مواجهة التحدي الذي كان يواجهه المسلمون من الحبشة الصليبية وتوسعها في المنطقة، بالإضافة إلى الأطماع الاستعمارية المتمثلة في البرتغاليين والإسبان في المنطقة، لما لها من أهمية إستراتيجية وحضارية، ونجح الإمام في غزو الهضبة الحبشية نفسها، وطارد ملك الحبشة، واستمر زحفه حتى وصلت قواته إلى مدينة كسلا على حدود جمهورية السودان، وبات ملك الحبشة المدعو «لبنادنقل»، طريدًا يختبئ بالجبال، وطلب العون والمدد من البرتغاليين بعدما أخبرهم عن الهزائم التي لحقت الحبشة، واكتساح المسلمين وتقدمهم في كل الميادين، وقد ظل الصراع بين الطرفين حتى قتل الإمام أحمد جري في عام ١٥٤٢م بأيدي قوات الحملة البحرية البرتغالية التي سارعت لنجدة الحبشة.

الاستعمار الجديد

تعتبر الإمبراطورية الإثيوبية الدولة الأفريقية الوحيدة التي استفادت من قرارات مؤتمر برلين لتقسيم أفريقيا، وحصلت بموجب قرارات هذا المؤتمر على حصة من الغنيمة ومنذ نهاية القرن التاسع عشر وفي ظل المساندة الاستعمارية الأوروبية التي كفلها مؤتمر برلين ١٨٨٤م - ۱۸۸۰م بدأ توسع الحبشة جنوبًا وشرقًا؛ لذلك تغير اسم الحبشة التاريخي القديم إلى الاسم الجديد إثيوبيا، موحيًا باتساع الإمبراطورية لتشمل شعوبًا أخرى لم تكن في السابق ضمن الحكم الحبشي، الأمر الذي يثبت أن الأراضي الصومالية لم تكن حتى ذلك الوقت جزءًا من الحكم الحبشي تاريخيًّا، بل هي تختلف

عنها جغرافيًّا وبشريًّا ودينيًّا وحضاريًّا، لكن التوسع الحبشي في تلك الأراضي تم بمساعدة مادية وسياسية مباشرة من القوات الأوروبية؛ لكي تبرز إلى الوجود قوة حليفة تقف معها سياسيًّا ودينيًّا.

ولأن الحبشة مملكة داخلية ليس لها سواحل على البحر، فقد كان ملوك الحبشة يحلمون على مر التاريخ بالوصول إلى منفذ على البحر، ولقد كتب الإمبراطور منليك مهندس التوسع الإثيوبي وصاحب الحملات الاستعمارية إلى جمعية بريطانية يحضها على مساعدته قائلًا: «إن زيلع

وعدن تقع تحت أيدي المسلمين ولا أستطيع الاقتراب منهما».

وبهذا أثبت منليك أنه كان يعمل للوصول إلى البحر الأحمر؛ ليجد لإمبراطوريته منفذًا ساحليًّا يفتح الباب أمامه على العالم الخارجي، من أجل هذا الهدف استخدم منليك كل مشاعر العنصرية الدينية في حملته التوسعية؛ ليكسب تأييد ومساعدة الدول الأوروبية، فكان يقول لزعماء هذه الدول ولرؤساء كنائسها: إنه يعيش في جزيرة نصرانية محصورة بين مسلمين ووثنيين، وسرعان ما وجدت هذه العبارة تجاوبًا في الدوائر السياسية والكنسية الأوروبية، ولقد لعبت الكنيسة دورًا سياسيًّا في الضغط على الحكومات الأوروبية لمساعدة منليك، وتمكينه من التوسع، فحصل على الدعم السياسي والدعم المادي وبخاصة الأسلحة الحديثة التي حسمت الأمر لصالحه في نهاية الأمر، واستطاعت الحبشة أن تستفيد إلى أقصى حد من تنازع الدول الأوروبية واختلاف أهدافها، وتضارب سياستها تجاه القرن الأفريقي، فكانت النتيجة أن تدفقت عليها المعونات والأسلحة وبخاصة من بريطانيا وفرنسا التي قهرت زعماء المسلمين؛ حيث كان هؤلاء الزعماء خلوا من الأسلحة الحديثة، ومن التأييد الخارجي، وهما عنصران لازمان لأي مجابهة متكافئة.

ادعاءات قانونية

لقد ظلت إثيوبيا الإمبراطورية تتمسك حتى اليوم بما حصلت عليه تحت الحماية الأوروبية من أراضي المسلمين، وهي هنا تسوق عدة مبررات تقول: إنها قانونية وتاريخية، مثل:

١ - إن لإثيوبيا الحق قانونيًّا في هذه الأراضي بمقتضى معاهدتها مع الدول الأوروبية سالفة الذكر، وأن حقها هذا كان يجب أن يكتمل بحصولها على كل الأراضي التي احتلتها الدول الاستعمارية الثلاث بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وإن هذه الدول لم تمكنها من ضم هذه الأراضي.

٢ - ومن الناحية التاريخية يقول الإثيوبيون: إنهم وصلوا إلى بحيرة فكتوريا جنوبًا، بل حتى الخرطوم بما فيها السودان، وأن حقوقهم تصل إلى هذا المدى، وقد قال الإمبراطور منليك في رسالة وجهها عام ۱۸۹۱ م إلى أصدقائه من ملوك أوروبا: «إنه لو قدر له امتداد الحياة أكثر، فإنه يرغب في ضم تلك الأراضي التي تصل به إلى الخرطوم، وبحيرة فكتوريا جنوبًا»، وجاء في خطابه أيضًا: «... لقد كان البحر هو نهاية حدود إثيوبيا»، أي أن «الجنوب»، هنا يعني ضم أراضي كينيا الحالية وليس الصومال فقط؛ لكي يطل على بحيرة فكتوريا، و «البحر» هنا يعني جميع سواحل الصومال، بينما الحقائق التاريخية تقول: إن الأحباش لم يكن الجنوب بالنسبة لهم يصل حتى نهاية القرن التاسع عشر إلا لتخوم مملكة أكسوم بالقرب من حدود إريتريا شمالًا، بل إن أديس أبابا العاصمة الحالية نفسها لم تكن لهم إلا في أواخر ذلك القرن، وهي الفترة التي توسعوا فيها جنوبًا تحت الحماية والتشجيع الأوروبي، والثابت أن هذه الادعاءات كلها هراء، وقد وصفه مارجري برهام في كتابه الشهير« إثيوبيا ١٩٤٨م» بأنه ادعاء يمثل إهانة للتاريخ وتجاوزًا للحقائق التاريخية وتجاهلًا للواقع السياسي والديني الذي لا ينكره أحد. 

ومن الجدير بالذكر أن هذه الأحداث التي جرت في القرن الأفريقي وحوله طوال القرون الماضية قد أثرت في التكوين الثقافي والروحي للمنطقة، وعلقت الوطنية أو الشعور القومي لشعوب القرن الأفريقي بروح الشعور الديني المتعصب، وهي ظروف نجمت من تأثيرات الحروب الصليبية في المنطقة، بالإضافة إلى تودد الحبشة إلى الكنيسة الغربية لتمدها بالمساعدة المادية والمعنوية، باعتبارها حامية حمى المسيحية في الشرق أو في قرن إفريقيا. 

3- هذه القضايا تعطينا فكرة عن أن إثيوبيا في العصور الحديثة لم تتوقف عند الإفادة من موجة الاستعمار الغربي الزاحف على المنطقة لمصالحها الخاصة، وإنما بسطت للاستعمار الغربي يد المعونة، وكان هذا الغزو موجهًا ضد شعب مسلم أعزل، وهذا الموقف أيضًا يوضح أن أباطرة الأحباش لم يكونوا يفكرون تفكيرًا إفريقيًّا، وإنما كانوا يرون أنفسهم جزءًا من القوى الأوروبية الغازية تربطهم بأوروبا في رأيهم علاقات حميمة وثيقة أكثر مما تربطهم هذه العلاقات بأفريقيا.

وأخيرًا، فإن الحكومات الإثيوبية كانت وراء موجات العداء الدينية التي سادت منطقة القرن الأفريقي منذ بزوغ فجر الإسلام، حتى الوقت الحاضر، وكانت تلك الحكومات تستفيد منها ولا تزال، والأمر لم يختلف بالنسبة للنظام القائم حاليًا، فقد قرر الحفاظ على مكاسب الآباء والأجداد.

(*) باحث صومالي مقيم في مقديشو

الرابط المختصر :