; الصراع المكشوف في تركيا بين الإسلام والعلمانية | مجلة المجتمع

العنوان الصراع المكشوف في تركيا بين الإسلام والعلمانية

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1998

مشاهدات 1

نشر في العدد 1286

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 27-يناير-1998

الغرب يحاول التغطية على ارتياحه الكبير بحل الرفاه


 

  • في أقل من عام استطاعت حكومة «الرفاه» أن تكشف معالم الطريق البديل نحو الانطلاق إذا ما تخلصت تركيا من أوهام علمانية أتاتورك.

تحاول الدول الغربية التغطية على ارتياحها الكبير لقرار حظر حزب الرفاه في تركيا بزعم معارضة هذا القرار، ولكن جنبًا إلى جنب مع بذل ما تستطيع لدعم الطرف العلماني العسكري والحزبي في الجولة التاريخية الحالية للصراع بين الإسلام والعلمانية في تركيا. ولئن وجد خلاف بين المواقف الأوروبية والأمريكية على هذا الصعيد، فهو خلاف صادر عن طبيعة العلاقات بين الجانبين في حقبة ما بين الحرب الباردة ونظام عالمي جديد يجري إنشاء دعائم جديدة له، ويسعى كل طرف أن تكون دعائمه توافق مصالحه هو دون سواه، اما قضية الوجود الإسلامي على الصعيدين الشعبي والسياسي في تركيا فلا خلاف في المواقف الغربية على صعيدها اليوم، ولم يكن يوجد مثل هذا الخلاف من قبل، ولا ينتظر أن ينشا في المستقبل المنظور على الأقل.

لقد كان في مقدمة ما يعبر عن الموقف الغربي الحافل بالدفاع عن القيم كلاميًا، الحريص على مطامع السيطرة والنفوذ واقعيًا التصريح الرسمي الأمريكي يوم صدور القرار في تركيا بأن واشنطن تعارض حظر حزب الرفاه باعتباره إجراء يتناقض مع الديمقراطية، ولكنها لا تفقد ثقتها بمستقبل الديمقراطية في تركيا.

کلام لا يجسد التناقض في محتواه عن ازدواجية سياسية أمريكية فحسب، بل يجسد في الوقت نفسه إلى أي مدى يصل الاستهتار بالقيم على مذبح ما يسمونه مصالح عالمية، ولا يعدو في واقعه أن يؤكد مطامع السيطرة دوليًا، فمنذ سقوط الشيوعية واضمحلال الدور القديم الذي تولاه الحكم العسكري العلني أو بردائه الديمقراطي المزيف، ليجعل من تركيا ثكنة غربية على الجناح الجنوبي - الشرقي لحلف شمال الأطلسي، بدأ الصراع بين تركيا والغرب على تحديد الدور الجديد المطلوب ما بين استيقاظ النزعات القومية في تركيا والتطلع إلى دوائر نفوذ تمتد من أواسط أسيا إلى جبال البلقان ومن جبال القوقاز إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، وبين المخططات الغربية عمومًا والأمريكية على وجه التخصيص، أن يقتصر الدور التركي على مواجهة احتمالات امتداد النفوذ الإيراني شمالًا وفي وسط أسيا، وعلى دعم مسيرة التسليم وتثبيت أسباب الهيمنة الإسرائيلية فيما يسمى منطقة الشرق الأوسط وفي الواقع فقد أقيمت الحواجز في وجه تركيا - بغض النظر عن اتجاه الحكم فيها للحيلولة دون أن تكون لها كلمة ولو على سبيل المشاركة الجزئية في صناعة القرار السياسي والأمني وحتى الاقتصادي في البلقان، وفي حوض البحر الأسود وحتى في وسط أسيا فيما يتجاوز مواجهة التحرك الإيراني هناك، وعلى قدر تنامي الدور التركي إلى درجة التعاون العسكري المفضوح مع الكيان الإسرائيلي، تنامى الحرص الأمريكي على ألا يبلغ الخلاف التقليدي المعروف بين أنقرة وبروكسل إلى درجة حدوث ردة فعل جذرية داخل تركيا، ولكن ردة الفعل وقعت واقترنت بمفعول الصحوة الإسلامية فأوصلت حزب الرفاه إلى السلطة، فتحول ذلك بدوره إلى حجة إضافية عند الأوروبيين لتبرير موقفهم الرافض للانتماء التركي إلى أوروبا، وبتعبير آخر الموقف الرافض لأحد المرتكزات الرئيسة في علمانية أتاتورك وورثته في القيادات العسكرية الحاكمة مباشرة ومن وراء الستار الرفض الأوروبي لم يبدأ بوصول الرفاه إلى السلطة، ولم يضعف نتيجة إسقاطه عسكريًا ولا ينتظر أن يتبدل الآن بعد حظر الحزب رسميًا وقد بدأ بعض السياسيين على الأقل يفهمون أن سبب هذا الرفض لا يعود إلى طبيعة الحكم القائم في تركيا، بل إلى حقيقة انتمائها التاريخي والحضاري والعقدي للإسلام، وهو ما كان موضع تصريح علني على أكثر من مستوى، ووصل إلى أوضح صورة على لسان المسؤولين عن الأحزاب المسيحية في أوروبا في مؤتمرهم السنوي في العام الماضي، إضافة إلى ما نسب إلى المستشار الألماني هلموت كول، أنه لم يتعلم في المدرسة أن هضبة الأناضول تمثل جزءًا جغرافيًا من أوروبا!

لقد كانت الفترة القصيرة دون عام واحد التي قضاها حزب الرفاه في السلطة كافية لتعرية الموقف الأوروبي في الدرجة الأولى، ولكن بدلًا من أن يدرك زعماء الأحزاب العلمانية أن مستقبل تركيا رهن بخروجها من فلك التبعية للغرب نهائيًا، تحولوا إلى الرهان على ربط مصير بلادهم بالسياسة الأمريكية مع الاعتقاد بأن هذا يكفي للضغط على الأوروبيين وفتح أبواب اتحادهم المؤصدة في وجه العضوية التركية، وهو رهان خاسر، فقد مضى عهد تبعية بروكسل لواشنطن في حقبة الحرب الباردة علاوة على أن واشنطن كانت وماتزال تأخذ ولا تعطي، ولا تمارس مع أنقرة في الوقت الحاضر سوى استدراج زعمائها العسكريين للقيام بأسوأ دور يمكن أن يتولوه إقليميًا وإسلاميًا، دون أن يقدموا لهم أكثر من وعد بالدعم على الساحة الأوروبية، ودون أن يوجد في أيديهم أي ضمان لتنفيذ ذلك الوعد بل على النقيض من ذلك، تستفيد الولايات المتحدة الأمريكية من القضية التركية في أوروبا، على صعيد الصراع الراهن على النفوذ العالمي، وعلى الإمساك بزمام صناعة القرار الدولي في نظام عالمي جديد مقبل.

من منجزات الرفاه:

ولم يكن الكشف عن الموقف الأوروبي هو الإنجاز الوحيد لحزب الرفاه في السلطة، فالأهم من ذلك أنه كشف أيضًا عن حقيقة الأوضاع في تركيا نفسها فكثير من القرارات التي كانت تصدر عن القيادات العسكرية الحاكمة، كانت الحكومات العلمانية تنفذها دون اعتراض، ودون ضجيج إعلامي، ودون تشكيك في الرداء الديمقراطي الذي ارتداه الحكم العسكري العلماني، فيما بين الانقلابات العسكرية، بينما أبرزت مناورات الرفاه مع القيادات العسكرية سيان كم منها انتهى إلى التراجع المقترن بالإعلان الفعلي عن أن الجيش هو الذي يحكم وكم منها استمر مقترنًا بصمود الرفاه على رفضه إملاء قرارات الجيش عليه حتى سقط من السلطة، فالنتيجة واحدة، وهي أن تركيا باتت في نظر القريب والبعيد دولة لا قيمة للعنوان الديمقراطي المرفوع فوق نظام الحكم القائم فيها.

لقد كانت تركيا بالذات مثالًا - يتيمًا يستشهد به العلمانيون على أن إرادة الشعب التي تعبر عنها الانتخابات هي التي تعتمد عليها العلمانية الحاكمة في معظم البلدان الإسلامية منذ الاستقلال، وسقط مفعول هذا الزعم مع كل ما يعنيه ذلك من سقوط القيم الرئيسة التي تعتمد عليها الديمقراطية العلمانية، وفي مقدمتها الانتخابات الحرة النزيهة واستعداد سائر الأحزاب للتناوب على السلطة وفق نتائج الانتخابات، علاوة على الفصل بين السلطات ثم دعوى سيادة القضاء واستقلاله، فلا يوجد تعليل منطقي واحد للحكم القضائي الأعلى الصادر بحظر حزب الرفاه سوى أن الجهاز القضائي ينفذ إرادة القيادات العسكرية، وإن تناقضت تناقضًا مباشرًا مع إرادة الناخبين، وإن وصل إقبال الشعب على الاتجاه الإسلامي إلى درجة أصبح حزب الرفاه معها، أكبر حزب في العالم بأسره من حيث عدد الأعضاء، بل يمكن القول إن قرار حظره مع ما يتضمنه من حظر العمل السياسي على أبرز زعمائه لمدة خمس سنوات، يعبر عما وصل إليه حجم المخاوف من أن اشتراكه في الانتخابات القادمة لن يوصله إلى مرتبة الحزب الأكبر في المجلس النيابي في تركيا فقط، بل على الأرجح إلى الغالبية المطلقة التي تسمح له بالانفراد في السلطة.

وخلال أقل من عام أيضًا استطاع حزب الرفاه أن يبين معالم واقعية للطريق البديل المفتوح أمام تركيا إذا ما تخلصت من أوهام علمانية أتاتورك فعلاوة على نجاح حكومة أربكان في وقف التضخم المتصاعد الذي عجزت عن مواجهته سائر الحكومات السابقة، وعلاوة على أن مؤشر أسعار أسهم الشركات التركية قد ارتفع في عهد الرفاه ارتفاعا كبيرًا لم يشهد مثله من قبل، وعلاوة على أن حزب الرفاه بقي الوحيد الذي لم تصل إليه ممارسات الفساد والرشوة بما في ذلك التعاون مع عصابات الإجرام المنظم المافيا فقد نجحت حكومة أربكان أيضًا في فتح أبواب تعاون اقتصادي مع البلدان الإسلامية، قائم على المصالح المتبادلة والاستقلالية عن الاستثمارات والقروض الغربية وما تعنيه من تبعية اقتصادية، كانت وما تزال أحد الأسباب الرئيسة في استمرار التخلف في المنطقة الإسلامية وفي البلدان النامية عمومًا، ولولا أن بعض البلدان الرئيسة ومنها مصر - قد وقفت من مبادرة حزب الرفاه موقف التحفظ في فترة لم تبلغ فيها خيبة الأمل تجاه الارتباط بالحل الأمريكي «الشرق أوسطي» ذروتها بعد، لولا ذلك لكان للمبادرة المذكورة مفعولها الذي يفرضها على الحكومات التركية التالية أيضًا. إن قرار حظر حزب الرفاه لا يبدو بهذا المنظور قرارًا عسكريًا في أنقرة فحسب، بل يبدو في الوقت نفسه قرارًا غريبًا على أعلى المستويات، انطلاقا من إدراك ما يعنيه الاستقلال الاقتصادي في البلدان الإسلامية على المدى القريب والبعيد.

ومن أبرز منجزات الرفاه وإن كان بعض مواقفه على هذا الصعيد موضع اختلاف من المنطلق الإسلامي أنه أثبت بما لا يدع مجالًا للشك، أنه أقدر في الحقبة الحالية للصراع المرير القديم بين الإسلام والعلمانية على أن يمارس في السلطة سياسة متوازنة لا تستقصي الطرف الآخر، على النقيض مما كان وما يزال يتردد في صيغة اتهام للاتجاه الإسلامي، أن وصوله إلى السلطة سيقترن حتمًا بفرض حكم استبدادي ديني، لا يترك أمام العلمانيين فرصة للحركة على الإطلاق، لقد أتقن حزب الرفاه لعبة الديمقراطية العلمانية أكثر من أهلها أنفسهم، واستخدم أوراقهم في توجيه الضربات التي تكشف عن حقيقة استبدادهم الأصولي العلماني، في بلاد المسلمين.

نتائج التجربة:

وهذا بالذات ما ينبغي التركيز عليه في المرحلة الراهنة.. فبغض النظر عن الطريق التي سيتابع الإسلاميون مسيرتهم عليها، في شكل حزب بديل أو في صيغة حل وسطي يحفظ ماء وجوه الديمقراطيين العلمانيين في تركيا، يبقى أن تجربة الرفاه مع السلطة كانت من أهم ما يسمى تجارب الديمقراطية، والمشاركة فيها من جانب التيار الإسلامي، ولقد أسفرت هذه التجربة عن سلسلة من النتائج على هذا الصعيد من أهمها:

  • لا يتخلى الأصوليون العلمانيون داخل البلدان الإسلامية عن استبدادهم بالسلطة بأي شكل من الأشكال، بما في ذلك الاحتكام إلى إرادة الشعب الذي يعتبرونه نظريًا مصدر السلطات.

  • لا يعتمد العلمانيون في أنظمة حكمهم في البلدان الإسلامية إلا على ذلك الاستبداد بالسلطة سواء عن طريق سيطرتهم على قيادات الجيش وممارسة الحكم عبرها مباشرة ومن وراء ستار أو عن طريق الحزب الحاكم وسيطرته على مختلف أسباب القوة في الدولة.

  • ليست المشكلة في تعامل العلمانيين مع التيار الإسلامي كامنة فيما يسمى «قواعد اللعبة الديمقراطية»، ومدى التزام الإسلاميين أو عدم التزامهم بها، بل هي مشكلة عدم التزامهم بالديمقراطية وقواعدها وقيمها، إذا كان الأمر مرتبطًا بالإسلاميين على وجه التخصيص.

  • لا مجال للتمييز المزعوم بين ديمقراطية ناقصة في البلدان الإسلامية وديمقراطية حقيقية في البلدان الغربية، فعلى صعيد التعامل مع الإسلاميين على وجه التخصيص، يزول مفعول هذا التمييز، ويرتضي العلمانيون الغربيون وداخل البلدان الإسلامية على السواء، مختلف الأساليب الاستبدادية للحيلولة دون سقوطهم من السلطة عبر إرادة الشعب.

  • ليست المعركة بين الأحزاب العلمانية والتيار الإسلامي في جوهرها معركة على السلطة، بل هي معركة اتجاه وليس السؤال الحاسم الواجب أن يطرحه التيار الإسلامي هو عمن يكسب ثقة الشعب في صناديق الاقتراع ليصل إلى السلطة، بل السؤال الحاسم هو كيفية الوصول بهذه المعركة المفروضة فرضًا على البلدان الإسلامية، إلى تحكيم إرادة الشعب في اختيار الاتجاه الذي يريد، ثم ما يعنيه اختيار الاتجاه الإسلامي من ترسيخ للحريات ضمن أطر إسلامية وما تفسحه الطرف الآخر للتعبير عن نفسه، أكثر بكثير من الأطر والقنوات التي يمكن أن تتوافر في ظل أي نظام قائم على الاتجاه العلماني لصالح الطرف الآخر.

والمفروض ألا تقتصر الاستفادة من تجربة الرفاه في تركيا على التيار الإسلامي وحده، ففي ظل الدعوات المتكررة إلى إيجاد أرضية مشتركة للتعامل بين الإسلاميين والعلمانيين لا سيما القوميين في المنطقة العربية والإسلامية، يتوجب على من يعتبرون أنفسهم صادقين في التطلع عبر اتجاههم العلماني المصلحة البلاد والشعوب أن يراجعوا مواقعهم، وأن يتبنوا هم تحكيم إرادة الشعب في اختيار الاتجاه الذي يريد في ظل ضمانات كافية لنزاهة التعبير عن هذه الإرادة وحريتها، وسلامة الأساليب المتبعة في تحكيمها، ثم الالتزام بالنتائج، ولو لم تكن في صالح العلمانيين، ما دامت في صالح البلاد والشعوب ولا يتطرق أدنى شك لدينا تجاه حتمية أن يسفر مثل هذا التحكيم عن نتيجة واحدة، هي اختيار الإسلام كما أنزله الله، عقيدة ومنهجًا، لنوال خيري الدنيا والآخرة.


الرابط المختصر :