العنوان الصراع العربي الصهيوني.. بين التصور الإسلامي والواقع الموضوعي: «الحلقة الخامسة»
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1986
مشاهدات 69
نشر في العدد 787
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 14-أكتوبر-1986
قلنا في الحلقة السابقة إن الولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر لعدوان صهيوني
جديد، وأشرنا إلى الحشود الهائلة للجيش «الإسرائيلي» استعدادًا لهذا الهجوم، ولكن كان لابد قبل ذلك من قصف المخيمات
الفلسطينية المتواجدة فيها قوات منظمة التحرير، وقصف بعض القرى اللبنانية المتواجدة
فيها قوات لبنانية إسلامية.
وحين أعلن العدو الصهيوني عن تعيين إيتان رئيس الأركان «الإسرائيلي»
السابق قائدًا لقوات لحد العميلة، وهي التي لا يتجاوز عدد أفرادها 2000 عنصر، فمعنى
ذلك أن إيتان سيكون قائد الهجوم "الإسرائيلي" المرتقب الذي تتوقع المصادر
المطلعة أن يكون في شهر نوفمبر المقبل، أي بعد ظهور نتائج الانتخابات الفرعية للكونجرس
الأميركي، مما يشير إلى الشراكة الفعلية للولايات المتحدة في التخطيط والتنفيذ لهذا
الهجوم الجديد، مثلما كانت شريكة فعلية في عملية الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان
عام 1982، حيث اجتمع كل من هيج وشارون ووضعا الخطة معًا، وقال هيج في مذكراته فيما
بعد: إننا دفعنا بثلاثة أرباع قوات جيش الدفاع "الإسرائيلي" على أمل أن يتم
تدمير البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية في مدة أقصاها خمسة أيام، ولم يكن
يتوقع الأميركان والصهاينة أن يقاتل الفلسطينيون ومعهم بعض القوى الوطنية اللبنانية
أكثر من ثمانين يومًا قبل أن تنسحب قوات منظمة التحرير من لبنان.
والحقيقة أن قوات منظمة التحرير لم تكن مقصودة لذاتها، بقدر ما كان إخراج هذه
القوات توطئة لإخراج نصف مليون فلسطيني مسلم من لبنان كما أشار إلى ذلك شارون فيما
بعد.
أما لماذا الحرص على إخراج الفلسطينيين من لبنان؟ والجواب لأنهم مسلمون، ولأنهم
يشكلون التهديد المباشر للكيان اليهودي في فلسطين، وللكيانات الطائفية المزمع تكوينها
في الوطن العربي كله بدءًا من الحلقة الأضعف وهي لبنان، وحيث إن الوجود الفلسطيني يشكل
توازنًا سكانيًا «مورفولوجيًا» لصالح المسلمين، وبالتالي لصالح وحدة لبنان أرضًا وشعبًا،
فقد كان لابد من استبعاد هذا العامل «الوجود الفلسطيني في لبنان» بدءًا من استبعاد
قواته المسلحة، ثم إسقاط بندقيته، ثم تهجيره، وبذلك تقوم دول الطوائف أو «الكانتونات
الطائفية» التي بدأت ملامحها في قيام القوى العسكرية الكتائبية، والقوى العسكرية التي
يقودها نبيه بري، والقوى العسكرية التي يقودها وليد جنبلاط، هذه القوى التي ظلت تحتفظ
بسلاحها بعد الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان، وبدعم من بعض الجهات العربية
ذات الصبغة الطائفية غالبًا.
أبعاد المؤامرة إذن تتعدى ضرب البنية التحتية لمنظمة التحرير، وأطراف المؤامرة
تتعدى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني؛ لتشمل أطرافًا عربية محلية، تؤكد المعلومات
والوقائع أنها ضالعة في تنفيذ هذا المخطط الرهيب.
ولقد تكشفت بعض المعلومات عما يسمى اتفاق مورفي الذي نص على ضمان عدم عودة مقاتلي
منظمة التحرير الفلسطينية إلى الجنوب اللبناني، وضمان الحدود "الإسرائيلية"
من العمليات العسكرية من الفلسطينيين والإسلاميين في جنوب لبنان.
ومن المعروف أن الأداة الأولى لتنفيذ هذا الاتفاق هي قوات لحد المدعومة من الكيان
الصهيوني، والأداة الثانية هي قوات أمل بقيادة نبيه بري المدعوم من بعض الجهات العربية،
وكما كانت مشاغلة قوات أمل للفلسطينيين لتبديد قواهم قبل الاجتياح "الإسرائيلي"
للبنان؛ فإن قوات نبيه بري تقوم اليوم بنفس الدور المكمل لقوات لحد والقوات الصهيونية
في تطويق مخيمات الفلسطينيين في الجنوب اللبناني، وقصفها المستمر، وإنذارها بالاستسلام
وتسليم السلاح، وإلا فلتنتظر اجتياحها وإزالتها من الوجود!
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تقوم بها قوات بري بهذا الدور الإجرامي؛ فلقد
سبق لها أن قامت بذات الدور في مخيمات بيروت مكملة لدور الكتائب والصهاينة في أحداث
المجازر الرهيبة بين الفلسطينيين في المخيمات.
ولقد أشار المسؤولون الصهاينة أكثر من مرة إلى وجود اتفاق بينهم وبين قيادة أمل،
وبينهم وبين أطراف عربية معنية بالصراع على أرض لبنان، وطالبوا بتنفيذ هذه الاتفاقات.
وحين يصرح نائب رئيس دولة مواجهة عربية بأن حرب المخيمات ستستمر إلى أن يجرد
سلاحها، وحين يعلن نبيه بري وداود الداود منذ عام مضى أن الهدف من حرب المخيمات هو
إخراج الفلسطينيين من لبنان، فإن هذه التصريحات تتفق مع ما أعلنه شارون، ومع ما جاء
في اتفاق مورفي، ومع المخطط الشامل الذي تقوده الولايات المتحدة لإحلال الكيانات الطائفية
محل مفهوم العروبة، واستبعاد الإسلام عن مجال الحياة السياسية والاجتماعية، وبذلك يفقد
العرب جسدهم المتماسك وروحهم المحركة؛ فيخلو الميدان لها تصول وتجول، وللسرطان الصهيوني
أن يتمدد.
ومن جهة أخرى فإن شيئًا ما يجري في الضفة الغربية يتمثل في تعيين الصهاينة لعدد
من رؤساء البلديات، يتبع هذا التعيين اتفاق ما تم التوقيع عليه مؤخرًا في باريس كما
يقول أبو عمار: «لتطبيع الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة»، وأعلن في خطاب له بمنظمة
التحرير الفلسطينية بالكويت مؤخرًا أنه إذا كان اليوم يكتفى بالتلميح؛ فسيأتي الوقت
الذي يعلن فيه صراحة عن اتفاق باريس.
منظمة التحرير من جهتها كإجراء اعتراضي بذلت خلال السنوات الأربع الماضية- التي
يسميها أبو عمار «سنوات الجمر»- جهدًا مكثفًا لإعادة قواتها وأسلحتها إلى لبنان، وبالذات
إلى الجنوب اللبناني، ووجدت نفسها مضطرة- إزاء صراع الحياة أو الموت- إلى إعادة النظر
في تحالفاتها على الساحة اللبنانية والعربية، مما جعل إسحق رابين يصرح أن هناك خطرًا
حقيقيًا من تحالف حزب الله مع المنظمات الفلسطينية، وأعلن شامير- الذي سيتبادل استلام
السلطة مع بيريز خلال أيام- أن الغارات "الإسرائيلية" على القرى والمخيمات
الفلسطينية في جنوب لبنان كانت ردًا على عملية إستانبول، وأن الكيان الصهيوني سيواصل
حربه ضد ما أسماه بالإرهاب الفلسطيني بسبب وبدون سبب، وأن حكومته تعارض الانسحاب من
كل الأراضي المحتلة التي أسماها أراضي "إسرائيلية"، وأنه سيعمل على زيادة
المستوطنات الصهيونية في الضفة والقطاع، جاء ذلك في حديث له مع قناة التلفزيون الأميركية
C.B.S يوم 1/1/1986.
ياسر عرفات من جهته يعلن أنه تجاوز ما أسماه بالنفق المظلم، وأنه استطاع الخروج
من الإعصار الذي كلف الشعب الفلسطيني الكثير من الخسائر المادية والبشرية، ولكن هذا
الإعصار مازال يدور في المنطقة، وسيرقب -كما يقول- كيف سيخرج «الآخرون» من هذا الإعصار،
ومعنى ذلك أنه يستعد للمواجهة في الجنوب اللبناني، هذه المواجهة التي بدأت في مخيم
الرشيدية الفلسطيني.
ونتيجة هذه المواجهة ستحدد مصير المرحلة القادمة من الصراع الذي تريده الولايات
المتحدة أن يحسم لصالحها خلال الأشهر الثلاثة القادمة التي تسبق الوفاق الدولي الروسي
الأميركي، وتريد منظمة التحرير أن تسجل نقاطًا لصالحها باعتبارها رقمًا في معادلة التسوية
من خلال مؤتمر دولي يكون لها فيه مكان، ويكون للاتحاد السوفييتي فيه مكان.
ونحن إذ نقف مع المنظمة فيما يتعلق بإثبات وجودها كرقم فلسطيني يستعصي على التطبيع،
ونقف معها في جهودها الفاعلة لتكريس البندقية في يد الفلسطيني في لبنان لحماية نفسه،
وتحقيق التوازن السكاني، ونقف معها في تصعيد مقاومة المحتل في لبنان وفي فلسطين، ونقف
معها في عرقلة الحل الأميركي الرامي إلى استبعاد المنظمة، ونقف معها في كشف المتواطئين
على تصفية القضية الفلسطينية، إلا أننا لا نرى في المؤتمر الدولي هدفًا في حد ذاته،
ولا نرى فيه وسيلة لتحرير فلسطين، ولا لتحقيق الحقوق الفلسطينية، ومن ضمنها حق الشعب
الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على كامل ترابه الوطني.
على العكس من ذلك، فإننا نرى أن على منظمة التحرير الفلسطينية كحركة جهادية ثورية
تحريرية أن ترفض المشاركة في حل أميركي، حتى ولو اعترف الأميركان واليهود بها، كما
نرى أن عليها أن ترفض المشاركة في مؤتمر دولي- إذا انعقد- لأن نتائج هذا المؤتمر ستكون
أدنى بكثير من طموحات الشعب الفلسطيني المجاهد لتحرير كامل التراب الفلسطيني من الاحتلال
الصهيوني الاستعماري الاستيطاني.
وبدلًا من ذلك عليها أن تواصل الكفاح المسلح، وتعلن صراحة أنها مع كل المجاهدين
لتحرير فلسطين مهما طال الزمن، وبعيدًا عن المناورات السياسية والأساليب التكتيكية؛
فإن هناك حقيقة ثابتة يجب ألا تغيب عن الذهن، وهي أن فلسطين بلد عربي إسلامي، وأن تحريرها
مسؤولية المسلمين جميعًا، وأن الفلسطينيين ما هم إلا طلائع الجهاد، وأن على بقية العرب
والمسلمين أن يكونوا الرديف الفاعل والحاسم، وحين تصطدم هذه الحقائق مع الواقع الموضوعي
فيجب العمل على تغيير هذا الواقع ليصبح في خدمة هذه الحقائق.
وعلى أمل أن تستأنف كتائب الرحمن دك دولة الباطل الصهيوني، نسأل الله العزة لأمة
الإسلام والنصر للمجاهدين في سبيله ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 250).
(يتبع)