العنوان الصراع العربي الصهيوني بين التصور الإسلامي والواقع الموضوعي... «الحلقة الثانية»
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
مشاهدات 72
نشر في العدد 784
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
- الاتحاد السوفيتي يتصل
بالمنظمة وبالكيان اليهودي وبالولايات المتحدة وهاجسه المؤتمر الدولي.
- لماذا انسحبت البوارج الروسية
قبل الغارة الأميركية على ليبيا؟
- كيف حسم الصراع بين الروس
والأميركان في الشمال الإفريقي وفي دول الطوق؟
ذكرنا في الحلقة السابقة أنه مع غياب التصور الإسلامي الواضح لدى
كثير ممن يتعاملون مع القضية الفلسطينية في وطننا العربي فإن الوضع الاقتصادي يكون
هو المحرك الأول للتحرك السياسي وقد أثبتنا بالأرقام تدهور الوضع الاقتصادي في مجمل
البلاد العربية ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية وارتباط هذه البلاد العربية بعجلة السياسة
الأميركية باعتبار الولايات المتحدة صانعة أزماتها الاقتصادية وباعتبار هذه البلدان
العربية مدينة اقتصاديًّا للولايات المتحدة.
وتلقي في هذه الحلقة الضوء على تشابك المصالح الأميركية السوفيتية
وتأثير ذلك على مجريات الأحداث في عالمنا العربي وعلى الخصوص ما له علاقة تحديدًا بالقضية
الفلسطينية ومحاولة تصفيتها لصالح تثبيت أقدام الاستعمار اليهودي في فلسطين.
أحداث اليمن الجنوبي.. البداية
والنهاية
في مضمار السباق على الهيمنة على المنطقة العربية بين الولايات المتحدة
والاتحاد السوفيتي استطاع الاتحاد السوفيتي أن يجد له أعوانًا في جنوب اليمن بالإضافة
إلى قدمه الأخرى في خاصرة الجزيرة العربية من جهة الغرب «إثيوبيا» مما أزعج الولايات
المتحدة وأزعج بالتالي بعض الدول العربية التي ترى في الفكر الماركسي خطرًا عليها،
فبدأت المساعي عام۱۹۸۲ لاستمالة علي ناصر محمد رئيس اليمن الجنوبي
آنذاك وعرض عليه- لحل أزمته- الاقتصادية- أن تقوم شركة هولندية بلجيكية بامتياز حق
استكشاف النفط في عدن.
وشرعت الشركة المذكورة في التنقيب عن النفط، وبعد عام من الاستكشافات
ثبت أن اليمن الجنوبي يملك مخزونًا هائلًا من النفط.
الاتحاد السوفيتي لم تعجبه سياسة علي ناصر محمد الخليجية فقرر إعادة
عبدالفتاح إسماعيل إلى اليمن لتقليص نفوذ علي ناصر محمد وتقوية نفوذ الحزب الحاكم،
وبعدما عاد عبدالفتاح إسماعيل إلى عدن طالب باجتماع اللجنة المركزية والمكتب السياسي
للحزب لانتخاب قيادة يمنية جديدة.. شعر علي ناصر محمد بأن عبدالفتاح إسماعيل هو الأقوى
فبادر بالضربة الأولى وكان سلاح الطيران يؤيده فأمره بتدمير كافة مستودعات الأسلحة
التي يمكن أن يستخدمها منافسوه على السلطة، وهنا أصدر الاتحاد السوفيتي أمره لإثيوبيا
بالتدخل فتقدم الجيش الإثيوبي إلى اليمن الجنوبي واحتل مساحات شاسعة من الأرض اليمنية
قدرتها المصادر بثلث أراضي اليمن الجنوبي، وأقام الاتحاد السوفيتي جسرًا جويًّا لإمداد
القوات الحزبية والجيش بالسلاح عوضًا عن السلاح المدمر، فطار علي ناصر إلى إثيوبيا
وأعلن أنه مستعد للتفاوض مع منافسيه بشرط انسحاب القوات الإثيوبية واتصلت الولايات
المتحدة بالاتحاد السوفيتي مخيرة إياه بين ليبيا وبين اليمن الجنوبي وأن اليمن الشمالي
والمملكة العربية السعودية قد استنفرتا قواتهما وإنه إن أراد استقرار الحكم للحزب في
اليمن الجنوبي فعليه أن يأمر القوات الإثيوبية بالانسحاب وعليه أن يرفع يده عن ليبيا
فانسحبت القوات الإثيوبية كما انسحبت البوارج الروسية من مواجهة الأسطول الأميركي قرب
خليج سيرت الليبي قبل الغارة الأميركية على طرابلس وبنغازي بـ٢٤ ساعة ثم عادت إلى أماكنها
بعد الغارة وأصبح علي ناصر خارج الحكم وأعلنت ليبيا أنها مستعدة لإقناع الولايات المتحدة
أنها ضد الإرهاب!
وهكذا حسم الصراع على النفوذ بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة
في الشمال الإفريقي لصالح الولايات المتحدة كما حسم الصراع في دول الطوق (المحيطة بالكيان
اليهودي) لصالح الولايات المتحدة كما ذكرنا في الحلقة الأولى عبر ما يسمى بمشروع مارشال
وأصبح المخطط الأميركي يشق طريقه في لبنان من خلال ما يسمى بالخطة الأمنية وبذلك تصبح
الدول العربية كما تريد الولايات المتحدة مهيأة للجلوس على طاولة المفاوضات مع العدو
الصهيوني وإسدال الستار نهائيًّا على القضية الفلسطينية وإحكام السيطرة الأميركية على
المنطقة.
الوضع في لبنان.. الواقع والاحتمال
القوى الفاعلة في لبنان يمكن تصنيفها كما يلي:
- قوى ترى في لبنان كيانًا مسيحيًّا
منعزلًا عن محيطه العربي والإسلامي ومتحالفًا مع الكيان اليهودي.
- قوى طائفية تلبس رداء العروبة
وتسعى لإقامة كيانات خاصة بها ولا ترى في الرداء العربي الفضفاض قدرة على احتواء
الجسم الفلسطيني.
- قوى إسلامية ترى في العروبة
وعاء للإسلام وترى في الإسلام روحًا للعروبة وترفض سلخ لبنان عن الوعاء وعن الروح
معًا.
ولقد واجهت الخطة الأمنية القوتين: الأولى، والثالثة من منطلقين
مختلفين متعارضين ووقفت مع الخطة القوة الثانية إلا أن هذه القوة بدأت تتآكل في الآونة
الأخيرة مع بروز قوة حزب الله الذي استطاع اجتذاب عدد كبير من عناصر وكوادر هذه القوة
تدعمه طهران، وهنا بدأت المواجهة غير المعلنة بين دمشق وطهران بعد أن أعلن حزب الله
المنتشر في الجنوب والبقاع وبيروت رفضه لتنفيذ قرار مجلس الأمن ٤٢٥ الصادر بتاريخ 19/3/1978
والقائل ببسط الدولة اللبنانية سلطتها على جميع الأراضي اللبنانية أو بتعبير آخر رفضه
للخطة الأمنية التي تتبناها دمشق.
ترفض «القوات اللبنانية» المسيحية دخول القوات السورية إلى شرق بيروت
وترى أنها تمثل الشرعية، ويرفض الفلسطينيون دخول القوات السورية أو اللبنانية إلى مخيماتهم
باعتبار ذلك نذيرًا بتصفيتهم، وترفض القوى الإسلامية في الجنوب دخول القوات السورية
أو اللبنانية إلى مناطقهم حتى يتمكنوا من مقاتلة اليهود.
الاتحاد السوفيتي يتحرك
ويبدو أن الاتحاد السوفيتي الذي شعر بزعزعة نفوذه في المنطقة لصالح
النفوذ الأميركي بدأ يعيد تقييم الموقف في الآونة الأخيرة ليس حفاظًا على فلسطين ومن
أجل تحريرها ولكن من أجل المشاركة في تسوية تضمن له بعض النفوذ إلى جانب النفوذ الأميركي
وهكذا عاود اتصاله بمنظمة التحرير وأصدر أمره للحزب الشيوعي الفلسطيني أن يقف مع المنظمة
وأن يسعى لوحدة فصائلها أملًا في أن تصبح قوة يستطيع من خلالها أن يستعيد شيئًا من
نفوذه الذي أخذ يتلاشى ولكن الجبهة الشعبية لم تحضر اجتماع المصالحة الفلسطيني في الجزائر
بضغط من عاصمة عربية وبذلك أجل الاجتماع إلى أجل غير مسمى.
واتصل الاتحاد السوفيتي بالولايات المتحدة من أجل المؤتمر الدولي
ولكن الرد الأميركي كان تهيئة اجتماع بيريز- مبارك الذي لم يخرج بشيء سوى مطالبة المنظمة
بالاعتراف بالقرار ٢٤٢ بينما يصر اليهود على رفض المؤتمر الدولي واستبداله بالمظلة
الدولية، أي أن تكون المفاوضات مباشرة مع الأردن ومصر وربما المغرب دون أن يكون لمنظمة
التحرير وجود على طاولة المفاوضات ودون أن يكون للاتحاد السوفيتي دور الشريك في هذه
المفاوضات وبدأت اتصالاته مع الكيان اليهودي لهذا الغرض.
وخرج ياسر عرفات في مؤتمر هراري بتصريحات واقتراحات تحاول أن تخرجه
من مأزق الضغط للاعتراف بالقرار ٢٤٢ منعزلًا عن بقية قرارات الأمم المتحدة فكرر اعترافه
بجميع قرارات الأمم المتحدة ومن ضمنها هذا القرار كما اقترح وضع الضفة الغربية وغزة
تحت وصاية الأمم المتحدة كفترة انتقالية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها وذلك حتى
لا تنفرد الأردن بالتفاوض.
ولقد جمدت المنظمة اتفاق عمان شأنها شأن الأردن دون أن تلغيه نهائيًّا
ويبدو أن دولًا عربية طلبت من المنظمة ألا تتعجل في إلغاء اتفاق عمان.
اجتماع الجمعية العامة
في شهر نوفمبر المقبل تجتمع الجمعية العامة للأمم المتحدة ومن المتوقع
أن تبحث «مشكلة الشرق الأوسط» وأن تقر مشروع عرفات الذي قدمه لمؤتمر هراري وبعد ذلك
يرفع المشروع لمجلس الأمن.
فإن أقره مجلس الأمن فمعنى ذلك اتفاق الروس والأميركان على الحل
وإيجاد حصة للمنظمة ضمن هذا الحل وإن مارست الولايات المتحدة «حق الفيتو» فمعنى ذلك
أن مرحلة جديدة من الصراع ستبدأ.
وأيا ما كان الأمر فإن القوى الإسلامية المتنامية في لبنان وفي أوساط
الفلسطينيين وفي كافة أرجاء العالم العربي والإسلامي تقول لكل الساعين إلى التسوية
لحساب الاستعمار اليهودي في فلسطين إن حلًّا يقوم على الاعتراف بالكيان اليهودي في
فلسطين ويقر باحتلاله لها حل مرفوض وأن الصراع الحضاري بيننا وبين يهود لا ينتهي إلا
بزوال الكيان اليهودي من فلسطين وإعادتها عربية إسلامية.
(يتبع)