; الصراع العربي الصهيوني بين التصور الإسلامي والواقع الموضوعي «الحلقة الأولى» | مجلة المجتمع

العنوان الصراع العربي الصهيوني بين التصور الإسلامي والواقع الموضوعي «الحلقة الأولى»

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1986

مشاهدات 68

نشر في العدد 783

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 16-سبتمبر-1986

في غياب التصور الإسلامي الواضح والنقي يصبح الواقع الموضوعي هو المحرك الأول للسياسة.

ما دور الولايات المتحدة في تدهور الوضع الاقتصادي العربي واستثماره لصالح الكيان الصهيوني؟

وسط تلاحق الأحداث ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية آثرنا أن نتوقف عن الكتابة حولها لفترة من الوقت تتيح لنا المراقبة الدقيقة والتقصي المتأني لمعرفة خلفيات ما يدور على الساحة الفلسطينية والعربية والدولية مما له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بما يسمى بمساعي السلام في الشرق الأوسط.

تفسير لا تبرير

وقد خرجنا من هذه المراقبة والتقصي بمجموعة من المعلومات تكفي لمجموعة من المقالات الصحفية التحليلية، ومع حرصنا الكامل على أن يكون القارئ المسلم في صورة الأحداث إلا أن ظروفًا كثيرة لا تساعدنا على أن نكون صرحاء كل الصراحة، إضافة إلى أنه ليس كل ما يعلم يقال.

ومن أراد أن يتناول أحداث العالم العربي هذه الأيام فعليه أن يكون شديد الحرص على أن يصل ما يقوله إلى القارئ وشديد الحرص أيضًا على أن يميز القارئ بين تفسير الأحداث وتبريرها.

ونحن من جهتنا في مجلة المجتمع نلتزم تجاه القضية الفلسطينية بمنهج الإسلام ولنا منها موقف مبدئي لا نحيد عنه قيد أنملة وهو أن فلسطين بحدودها الطبيعية بلد إسلامي وأن تحريرها مسؤولية المسلمين جميعًا، وأن كل ما يسمى بمساعي السلام المطروحة سواء كانت عبر الولايات المتحدة أو عبر المؤتمر الدولي أو عبر الأمم المتحدة مرفوضة إسلاميًا مادامت تقر لليهود بكيان سياسي على أرض فلسطين المباركة.

ولكن المعنيين بالوصول إلى حل للقضية الفلسطينية أو ما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط لا نفترض فيهم جميعًا الالتزام بالمنهج الإسلامي في سعيهم للوصول إلى حل.

وعلى هذا الأساس نحن نفسر الأحداث والمساعي الرامية إلى إيجاد حل للقضية الفلسطينية على أنها وليدة ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية يمر بها الوطن العربي بل العالم الإسلامي، ونتيجة حسابات الربح والخسارة على المستوى الإقليمي أو القومي أو ربما على مستوى النظام السياسي في هذا القطر العربي أو ذاك.

بمعنى أن هناك واقعًا معينًا يحكم هذه التحركات والمواقف وهذا الواقع هو انعكاس لتاريخ معين وجغرافية معينة ووضع اقتصادي واجتماعي معين.

وعلى هذا الأساس نحن لا نتهم أفرادًا بمقدار ما ندين تصورات ومسالك.. فربما كان هذا الفرد (السياسي) أو ذاك يملك الرغبة المخلصة في تحرير فلسطين كامل فلسطين من الاحتلال الصهيوني، ولكن الواقع الذي أشرنا إليه فرض عليه -مع غياب التصور الإسلامي الواضح والنقي- مسلكًا معينًا فسلكه ولسان حاله يقول ليس في الإمكان أبدع مما كان قياسًا على التعريف المشهور للسياسة بأنها فن الممكن.

في غياب التصور الإسلامي الواضح يمكن أن تتولد هذه القناعة، كما يمكن أن يكون الواقع الموضوعي مبررًا لمسلك من هذا الطراز.

ونحن حين نحاكم تصورًا نعرضه على الإسلام (قرآنًا وسنة) فإن رفضه الإسلام رفضناه، وحين نحاكم مسلكًا سياسيًا يحكمه الواقع الموضوعي في الدرجة الأولى وليس التصور الإسلامي نكون أمام تحليل سياسي لأفراد لا يلتقون معنا في التصور ولكن مسلكهم يؤثر علينا مصيرًا ومستقبلًا بالضرورة.

ما هو الواقع الموضوعي؟

الإحصائيات تقول إن مصر كبرى البلاد العربية التي كان لها السبق في عقد صلح مع اليهود تبلغ مجموع ديونها الخارجية أكثر من 43 مليار دولار منها للولايات المتحدة 9 مليار دولار تزداد فوائدها الربوية بمقدار 555 مليون دولار للولايات المتحدة فقط.

والسودان المثقل بالمجاعة وحرب الجنوب «القرنقية» تبلغ ديونه أكثر من 10 مليار دولار.

والمغرب الغني حولته حرب البوليساريو إلى بلد مدين بحوالي 12 مليار دولار فوائدها الربوية تزيد عن 300 مليون دولار.

والجزائر بسبب نفس الحرب نفدت سيولتها النقدية.

وليبيا النفطية تقترض من الخارج بضمانات سعودية وهي مدينة للولايات المتحدة ب 7 مليار دولار، وكافة الشركات النفطية العاملة فيها شركات أميركية، وعندما حاولت ليبيا عدم سداد الديون الأميركية -كما فعل عبدالناصر مع ألمانيا من قبل- تحركت الشركات الأميركية في ليبيا لتغيير النظام بإحداث انقلاب ففشلت ورد النظام على الولايات المتحدة بما أسمته حرب الإرهاب فاحتجزت البنوك الأميركية الأموال الليبية -كما فعلت مع إيران بعد الثورة واحتلال السفارة الأميركية في طهران- وعندما صعد النظام الليبي من مواجهته للولايات المتحدة تحرك الأسطول الأميركي في البحر المتوسط وتحرش بخليج سيرت ثم قام الطيران الأميركي بضرب مدينة طرابلس الليبية.

وتونس يرفض البنك الدولي الخاضع للولايات المتحدة إقراضها مليار دولار إلا بعد أن ترفع الدعم عن السلع الأساسية وخاصة الخبز، وعندما رفعت الدعم حدث ما سمي بثورة الخبز، مثلما حدث في مصر أثناء حكم السادات وهو ما أطلق عليه اسم «انتفاضة الحرامية».

وسوريا يتدهور اقتصادها وتبلغ ديونها للاتحاد السوفياتي ولغيره 22 مليار دولار.

والعراق استهلك رصيده الاحتياطي من العملة بسبب الحرب مع إيران والديون التي ترتبت عليه في ازدياد.

والدول العربية النفطية الغنية أصبحت تصرف من الاحتياطي لتأمين متطلبات ميزانياتها.

السياسة المترتبة على هذا الواقع

- أعلنت مصر من جانبها الصلح مع الكيان اليهودي متذرعة بأن هذا الصلح سيحل كل مشاكلها الاقتصادية التي نشأت -كما قال السادات ومن لف لفه- بسبب استمرار الحرب أو حالة اللاحرب واللاسلم، ولذلك أعلن مع بيغن أن «لا حرب بعد اليوم» وبموجب هذا الصلح أصبحت فلسطين في نظر الموقعين على اتفاقيات كامب ديفيد (أرض إسرائيل) إلى الأبد، وكانت النتيجة اغتيال السادات.

- تورط النميري في صفقة تهجير الفلاشا الأثيوبيين إلى الكيان اليهودي المتعطش إلى مزيد من المستوطنين من أجل المزيد من الجنود لجيشه والمزيد من التوسع في الأرض العربية ولم تنحل مشاكل السودان الاقتصادية، وكانت النتيجة سقوط نميري.
- وقعت الجزائر صفقة الغاز مع الولايات المتحدة الأميركية التي كانت من أسباب تعطيل انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر

- ضغطت الولايات المتحدة على تونس لاستقبال قوات منظمة التحرير الفلسطينية الخارجة من بيروت ثم ضغطت عليها مرة أخرى بعد الغارة الإسرائيلية على تونس من أجل تجريد الفلسطينيين من السلاح وشل فاعليتهم السياسية.

- طلبت المغرب الانضمام للسوق الأوروبية المشتركة لإنقاذ خزينتها الخاوية فكان شرط الموافقة هو الاعتراف بالكيان اليهودي، كما حصل بالنسبة لإسبانيا وكما هو مطلوب من اليونان الآن، فكانت زيارة بيريز للمغرب، علما بأن بيريز لم يأت للمغرب لحل القضية الفلسطينية وإنما لوضع ثقب جديد في الحاجز النفسي ضد التعامل مع اليهود بعد الثقب الأول الذي أحدثته اتفاقيات كامب ديفيد، ولتعميق الخلافات في العالم العربي إضافة إلى تعميق الخلاف الجزائري المغربي بسبب حرب الصحراء، وهناك سبب آخر وهو الحصول على أصوات اليهود المغاربة في الصراع على السلطة بين المعراخ والليكود.

وقد نتج عن هذه الزيارة إلغاء اتفاق الوحدة بين المغرب وليبيا.

- لم تشجب الدول العربية رسميًا فيما نعلم الهجوم الأميركي على ليبيا وأعلنت ليبيا من جانبها أنها ضد «الإرهاب» وسقط رهان ليبيا على دعم الاتحاد السوفياتي وهذا ما سنبينه فيما بعد.

- بعد الغارة الأميركية على ليبيا أعلنت أجهزة الإعلام السورية عن احتمال عدوان إسرائيلي على سوريا، في هذا الوقت زار مورفي دمشق وقال للمسؤولين السوريين: نحن نعلم أن اقتصاد سوريا منهار وأنها غير قادرة على الحرب، وأن الحرب إن وقعت فسينتج عنها سقوط النظام، ولن نقف إلى جانبكم ما دمتم تدعمون «الإرهاب». وكان يقصد بالإرهاب المنظمات الفلسطينية في لبنان.. فرد المسؤولون السوريون بقولهم إنه لا سيطرة لنا على المنظمات الفلسطينية في لبنان وإن دخول الجيش السوري إلى لبنان يحتاج إلى نفقات كما أنه لابد من ضمان عدم اعتراض «إسرائيل». فرد مورفي بقوله: نحن نتكفل بدعمكم ضمن «خطة مارشال».

وهذه الخطة أعلن عنها بيريز في أوروبا وتتضمن الدعم الاقتصادي لكل من الكيان اليهودي ومصر وسوريا ولبنان والأردن ونصيب سوريا من هذه الخطة 3,5 مليار دولار تدفع منها الولايات المتحدة 2 مليار وأوروبا 1,5 مليار.

وقد اتفق على أن يكون حجم القوات السورية الداخلة إلى لبنان باسم تنفيذ الخطة الأمنية 20 ألف جندي.

وكان نصيب الأردن من «مشروع مارشال» المذكور 150 مليون دولار خصصت لما سمي بدعم الصمود في الأرض المحتلة، وكان لهذا المشروع علاقة بالتقارب بين سوريا والأردن والتباعد بين الأردن والمنظمة، وضغط ريغان على بيريز لإيجاد حل مع الأردن وأن تستثمر جزءا من أموال المشروع في الضفة الغربية عن طريق فلسطينيين يقبلون الحل وتحركت منظمة التحرير في الداخل وأعلنت جريدة الفجر الصادرة بالضفة والمؤيدة للمنظمة أن 90 % من السكان مع المنظمة واستدعي مصطفى دودين المعروف بدعمه للسياسة الأردنية لاستطلاع رأيه فقال: هناك جيل ما بعد عام 1967م يقود الشارع، ولد وتربى ولا يعرف سيادة للأردن على الضفة وهذا الجيل يمثل 60% من السكان أما الباقون وهم 40% فهم قسمان: 30% مناهضون و10% مؤيدون.

(يتبع)

الرابط المختصر :