العنوان الصراع الدموي في اليمن والمستقبل المجهول للمنطقة
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1994
مشاهدات 82
نشر في العدد 1100
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 17-مايو-1994
بلغت مشتريات السلاح لطرفي الصراع في اليمن خلال
الشهور الثمانية الماضية 200 مليون دولار
ألقت الحرب الدائرة في اليمن ظلالاً على نفسية كل عربي ومسلم، لأن
كافة الحروب التي قامت بين العرب وبعضهم لم يستفد منها إلا أعداء الأمة والمتربصون
بها، ومع البيانات المتناقضة التي تصدر عن طرفي الصراع في اليمن كل يدعي فيها
نصراً على الآخر، تركنا هذه البيانات وسعينا لاستقراء ما وراء هذه الحرب، ومن هم
المستفيدون منها، وما هي سيناريوهات المستقبل، وأثر هذه الحرب على المنطقة كلها،
وما هو في نظر المراقبين المحايدين المخرج من هذا البلاء الذي ابتليت به الأمة؟!
ونظراً لتعذر الاتصال باليمن، ولأن أطراف الصراع كل ينظر إلى الحرب
بمفهومه فلقد سعينا للبحث عن شخصيات تدرك واقع اليمن، وتعرف مسارب أوديته وجباله،
وبعد مساعٍ حثيثة التقينا في واشنطن مع شخصيتين يمنيتين واعيتين أحدهما كان وزيراً
سابقاً للخارجية والآخر دبلوماسي يمني رفيع المستوى إلا أن كلاً منهما اشترط علينا
عدم ذكر اسمه لحساسية الوضع في اليمن الآن، مقابل أن يتكلم كل منهم بصراحة ووضوح
وحيادية، فقبلنا ذلك وكان حوارنا الأول مع وزير الخارجية الأسبق فقال:
إننا في اليمن جزء من هذه الأمة العربية وواقعها المأزوم بالتطرف
الغربي وغياب الاعتراف بالآخر، فالكل يريد لنفسه وحزبه الصدر، وللآخرين الهلاك
والتبعية والقبر.. إن الطرفين الحاكمين في اليمن عندما عقدوا النية على الوحدة،
كان كل واحد منهم يبيت في نفسه مجموعة من المصالح والأطماع، ويأمل أن يحققها
بالوحدة، فالقيادة في الشمال كانت تراهن على قوتها العددية والعسكرية وتحالفها مع
التجمع اليمني للإصلاح في استيعاب الجنوب أو احتوائه، وعلى كسب التأييد من قبائل
المناطق الشرقية وخاصة في حضرموت.. وكان - في المقابل - الحزب الاشتراكي في الجنوب
يأمل بإحداث ثورة في الشمال تمكنهم من الوصول إلى التفرد بالسلطة والحكم، والتخلص
بعد ذلك من عدوهم الحقيقي وهو التجمع اليمني للإصلاح، ولكن السنوات الأربع الماضية
كشفت الكثير من أوراق اللعب وتأكد لكل طرف أن الطرف الآخر يمكر له «مكر الليل
والنهار».
الوساطة العربية.. حلول ترقيعية
لقد تغيب العرب عن لعب أي دور إيجابي غير مصلحي، وتحركت بعض الأنظمة-
للأسف - لإفشال تجربة الوحدة، وتحطيم أول تجربة حقيقية للديمقراطية، ورغبة من
البعض الآخر في ضرب نفوذ الحركة الإسلامية وتعطيل دورها في بناء مجتمع إسلامي،
كانت الأحداث تتفاعل وتتسارع في اتجاه المواجهة العسكرية، دون أن يبدي اهتماماً أو
تفاعلاً، لقد ظلت بعض القوى العربية تغذي الحزب الاشتراكي وتمنيه بالوعود، وتدفعه
إلى توتير الأوضاع الداخلية، وهي صورة ممقوتة ولكنها انعكاس للواقع العربي
المهترئ، حيث غلبت المصالح والأهواء الشخصية، ونفسية الانتقام على أي اعتبارات
وطنية أو إقليمية أخرى.
لقد أشارت صحيفة نيويورك تايمز (10 مايو 1994 م) إلى أن الطرفين
الشمالي والجنوبي في اليمن قد أنفقا خلال الشهور الثمانية الماضية (200 مليون
دولار) على مشتريات الأسلحة، وهذا يعكس النية المبيتة لحسم الصراع على السلطة
عسكرياً، وبعيداً عن الوساطات والالتزام بما جاء في وثيقة العهد والاتفاق.
ومع غياب أي تحرك دولي جاد لحل الأزمة، وفشل المساعي العربية في حل
الخلاف، كانت الحرب هي الخيار لإنهاء المشاكل السياسية العالقة بين الحزبين وبين
الرئيس ونائبه علي سالم البيض، وهي الحرب التي حذر من ويلاتها الكثيرون وما زال
التخوف من امتداداتها قائماً، وذلك لقرب اليمن من أهم المناطق التي يتواجد فيها
أكبر احتياطي استراتيجي عالمي للنفط وخطوط مواصلاته، ولكن التجاهل العالمي وخاصة
الأمريكي لما يحدث في اليمن، يوحي بأن هناك طبخة يتم إعدادها لن تجني اليمن من
ورائها إلا المصائب والويلات والأحقاد لعقود طويلة قادمة.
سيناريوهات المستقبل
توجهت بعد ذلك إلى أحد الدبلوماسيين اليمنيين المرموقين في العاصمة
واشنطن، للتعرف منه على حقيقة ما يجري واستطلاع وجهة نظره في سيناريوهات الأزمة
ومستقبلها، وقد اندلعت الحرب ووقع المحظور.. فقال - بعدما أكد عليّ بعدم ذكر اسمه:
لا شك أن سيناريو الحرب هو أسوأ ما آلت إليه الأزمة، وسيهدد ذلك أمن المنطقة كلها،
ولعل هذا ما تخشاه الدول المجاورة، فلو توسعت الحرب وسط شعب مسلح بينه آلاف مؤلفة
من العاطلين، وثارات لا علاقة لها بالسياسة وثارات سياسية ونزاعات قبلية، فإن جهات
عديدة ستجد فرصتها لتصفية حساباتها مع الآخرين، هذا الحال إذا آلت إليه الأمور،
فإن الحرب ستأكل الأخضر واليابس وهناك قوى ستجد في ظل هذا الانفلات فرصتها للتحرك
لتغيير خارطة المنطقة، وهذه القوى متمثلة في بعض الدول التي لها مشكلاتها مع بعض
دول مجلس التعاون الخليجي وستجد في الأمر فرصة لتحقيق بعض أهدافها.
مسؤول يمني يعرض خطة للإصلاح والخروج من الأزمة
تتكون من 17 بنداً
أما الطرف الآخر فهي إسرائيل التي لها هدف في التحرك في هذا الجانب
لتقويض استقرار المنطقة، حتى لا تبقى قوة اقتصادية وعسكرية تهدد أمن إسرائيل،
وهناك تجار المخدرات الذين يستطيعون التحرك لسوق كبيرة في بلد لا قانون له، وهناك
ميليشيات من قبائل لها أقارب على الحدود المجاورة عندهم فرصة لتجارة كبيرة
للمخدرات والسلاح، وغير ذلك مما يجعل الأمن في خطر عظيم لا يستهان بنار شظاياها
تطير هنا وهناك.
وأما اليمن فستحصد داخلياً دماء ودماراً لا يساوي بالنسبة للبنان
شيئاً لكثرة السلاح والجبال والسكان، ولن يكسب أحد من الأطراف، وكلها خاسرة.
سيناريو الانفصال
أما السيناريو الثاني فالانفصال، وهو سيكون عامل هدوء مؤقت ومشاكل
مؤجلة، فالوضع في الشمال سيكون ضعيفاً اقتصادياً، وسيتوجب عليه العودة للاهتمام
بالشؤون العسكرية والأمنية، للخوف من الجار ومشاكل الحدود وغيرها، وضعف اقتصادي
رهيب سيكون عاملاً في اضطرابات وقلق.
أما الجنوب فهناك معارضة استطاعت خلال فترة الوحدة العودة إلى
مناطقها، غياب التحرك الدولي الجاد لحل الأزمة وفشل المساعي العربية هو الذي أشعل
فتيل الحرب وتجميع قبائلها وتوزيع أسلحة وتخزينها تهيئاً للوقوف المناسب؛ لتصفية
ثارات قديمة وأمل العودة للحكم.. كما أن أركان النظام التي وحدها مصيرها المشترك
مع علي صالح ستختلف على مصالح السلطة بين الحضارم وأهل يافع والضالع ودثينة،
فالحضارم يريدون السيطرة لوجود النفط والثروة عندهم، وأهل يافع والضالع ودثينة لن
يقبلوا بذلك، وستوجد إسرائيل تريد استمرار الحرب حتى تستطيع أن تحقق مطامعها في
المنطقة مشاكل وصراعات ربما تكون مسلحة لن يستلذ فيها أحد، لقد تحول الجنوب إلى
ثلاث دويلات على الأقل، وسيكون لأصحاب عبد الفتاح إسماعيل الذين سيبحثون لهم عن
دور سيجعلون من أنفسهم رقماً هاماً لا يحصلون عليه إلا باصطراع هذا الائتلاف
المتناقض في السلطة، وإشعال الفتيل بين هذا الائتلاف هو قوة واستمرار لوجود هؤلاء
«الفتاحيين» الذين يملكون قاعدة حزبية وميليشيات.
سيناريو المصالحة
السيناريو الثالث، المصالحة والعودة إلى وضع يجعل من علي صالح شخصاً
محدود الصلاحيات، وكذلك الحال مع باقي القوى الحزبية في الشمال والجنوب، ولكن هذا
السيناريو مرهون بما ستؤول إليه الحرب، ومن يخرج منها منتصراً أو فيه رمق لمواصلة
الحياة السياسية بعد ذلك.
الأزمة: المخرج والحل
وعندما طرحنا عليه تصوره للحل في ظل تناقض الرهانات التي عقدها
الطرفان المتصارعان على الوحدة، أجاب: بأن لديه تصوراً من سبعة عشر نقطة، هي - في
نظره - مفتاح الحل للأزمة والمخرج من مذبحة الحرب، وهذه هي:
1 - الدعوة إلى
مؤتمر وطني عام شامل للمصالحة، وتشكيل حكومة ائتلافية.
2- تشرف الدول
العربية على بناء أساس الدولة في اليمن إدارياً وتنظيمها بين الشركاء في السلطة،
وإبعاد الوزارات الفنية عن الخدمية والتقاسم السياسي.
3- صياغة دستور
بإشراف قانونيين عرب كمراقبين وباختيار الأطراف الحاكمة وغيرها، ويوقع الجميع على
ذلك على ضوء الدساتير ومطالب التعديل من جميع الأطراف وتحدد مهلة لذلك.
4- دمج الجيش
والأمن بما يتفق مع ظروف البلد وبإشراف خبراء عسكريين عرب بطريقة تجعله محايداً،
لا غالب ولا مغلوب، ولا ينتمي وزير الدفاع أو رئيس الأركان لأحد الأحزاب، بل جهة
مستقلة تماماً، ويضم للجيش بعد الحل كل قوة أو ميليشيات خارج هذا الإطار.
5 - يسحب السلاح من
العواصم الرئيسية أولاً ثم القبائل بالتدرج، ويسمح لأهل الضرورة من الرجال
اليمنيين بتصريح وإيجاد شركات أمن بإشراف الداخلية، لحماية الشركات والمؤسسات
وحمايتها بدلاً من المظاهر المسلحة، وذلك بإشراف مجلس وزراء الداخلية العرب.
6 - تحديد مدة
الرئاسة ومجلس الوزراء وغيره بفترات معينة، وكذلك الوزراء.
7- إيجاد حل
للأزمة الاقتصادية والاستفادة من الثروات والخيرات، وتشغيل القوى العاطلة من خلال
لجنة اقتصادية تشرف على ذلك.
8- الإسراع في
تقسيم إداري يداخل بين المحافظات الشمالية والجنوبية مع إعطاء صلاحيات محلية في
الأمور العادية.
9- تنظيم عملية
التعددية السياسية والصحافة والإعلام، بما لا يؤدي إلى الفتنة، واتخاذ إجراءات
عقابية لمن يخل أو ينشر ما يؤدي إلى الاضطراب والفتنة وتفعيل القضاء في ذلك.
10 - إصلاح علاقات
اليمن بجيرانها والخروج من نفق حرب الخليج، وتعهد بعدم التدخل في شؤون الغير،
والإسراع في رسم الحدود وبوساطة عربية جريئة، وإيجاد علاقات بعدم الإساءة والإضرار
في العلاقات والتوقيع على معاهدات أخوة عربية إسلامية، تنظم العلاقات السياسية
والاقتصادية بين اليمن وجيرانها، بما يوثق علاقات الشعوب على أساس حضاري، بعيداً
عن التشنجات والخيالات والانفعالات والمزايدات التي لا تخدم استقرار المنطقة.
11- كسر احتكارات
السلطة في الشمال لعلي صالح وجماعته والعناصر السائرة معه، وكسر احتكار الحزب
الاشتراكي للجنوب ومشاركة جميع القوى ذات التأثير ومن لها دور تاريخي في السلطة
والاستشارة في الشمال والجنوب من خلال المؤسسات.
12- إيجاد هيبة
لكيان الدولة لحفظ الاستقرار والأمن وإشاعة الطمأنينة في أوساط الناس وحفظ الحقوق
والأعراض، ومنع استخدام السلطة والنفوذ، واتخاذ عقوبة صارمة لذلك.
13- ضبط
الديمقراطية وممارستها بما يتفق وظروف البلد دون انفلات وخيالات وعدم عودة البلد
لحكم فئة دون فئة، وعدم السماح بأي عمل يؤدي إلى الوصول للسلطة عن طريق غير مشروع
بل عن طريق مؤسسات شرعية وبأساليب أخلاقية.
14- تغيير عدد من
الوجوه من الأطراف الحاكمة في اليمن، ممن لا ينسجمون مع بعض، بعناصر تألف بعضها
ووجوه جديدة تبدأ صفحة جديدة، مع رسم صلاحيات الرئيس ونائبه وأعضاء مجلس الرئاسة
والوزراء ونواب رئيس الوزراء بإشراف لجنة دستورية عربية محايدة.
15 - المساواة بين
أفراد الشعب في العمل والدراسة والحقوق وفقاً للكفاءة والعمل والجهد وعدم القفز
على الشروط، وإصلاح الخدمة المدنية وشؤون الضباط والأفراد بالقوات المسلحة والأمن
وجعلها بعيدة عن السياسة بل تحديثها بما يخدم مصالح البلاد والناس وبناء الدولة
الحديثة.
16 - تفعيل مجلس
النواب وتنظيمه والاستعداد لانتخابات مبكرة بإشراف عربي من الجامعة العربية، وأن
يكون حارساً على النظام ومساعداً للحكومة وموجهاً لها بعيداً عن التوجهات السياسية
لأعضاء المجلس.
17 - أن تتوجه
القيادات اليمنية لحل مشاكلها الداخلية وبناء وتحديث الدولة بما يوافق تطورات
العصر، مع المحافظة على ثوابت الأخلاقيات والمبادئ وألا تتورط وتورط شعبها في
مواقف سياسية خارجة عن مصلحة الشعب وأن تكون قراءتها تراعي مصالح البلاد.
انتهت تصورات ورؤى قطبين سياسيين يمنيين لأحداث اليمن المؤلمة التي
تأكل نارها الأخضر واليابس الآن، ويبقى مستقبل اليمن وربما مستقبل المنطقة كلها
مهدداً بهذه الحرب المشتعلة التي يلقى الصمت الغربي عن أحداثها حتى الآن عشرات
التساؤلات، فهل يسعى اليمنيون للإمساك بزمام المبادرة ووأد نار الفتنة، والوصول
لحل مرضٍ، أم أن القوى الخارجية ستمد يدها للمنطقة لتعيد رسم الخرائط من جديد؟
تعتيم شبه كامل على أحداث اليمن في وسائل الإعلام
الأمريكية
بالرغم من مرور أكثر من أسبوعين على المواجهات العسكرية في اليمن، إلا
أن الصحف الأمريكية الرئيسية، وكذلك المحطات التلفزيونية (CNN) لم تهتم بمتابعة تغطية الوضع ولا تطوراته
العسكرية، بل انصب جل اهتمامها بالتركيز - في هوامش الصحف والأخبار - على حركة
إجلاء الرعايا الأجانب وسلامة المواطنين الأمريكيين في الشمال والجنوب، لقد خلت
جميع الصحف الكبرى كالواشنطن بوست ونيويورك تايمز، ولوس أنجلوس تايمز وكريستيان
ساينس مونيتور من أي افتتاحيات أو مقالات تحليلية عن الأزمة والحرب، واقتصرت على
سطور محدودة نقلت فيها تصريحات روبرت بيليترو مساعد وزير الخارجية الأمريكي من
الإمارات العربية المتحدة.
وبالرغم من الحضور الأمريكي الكبير في اليمن وتوقع الجميع بحدوث
المأساة والتكهن بالمواجهة العسكرية والحرب، إلا أن غياب وجود مراسلين لوكالات
الإعلام الغربية الضخمة في تلك المنطقة الاستراتيجية المهمة يطرح أكثر من تساؤل،
ويدفع إلى الشك بالموقف الغربي تجاه الأحداث، ويجعلنا مضطرين للبحث عن إجابات كذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل