; الصحوة الإسلامية بعد هزيمة ١٩٦٧ | مجلة المجتمع

العنوان الصحوة الإسلامية بعد هزيمة ١٩٦٧

الكاتب عبد العظيم محمود الديب

تاريخ النشر الأحد 24-مايو-1992

مشاهدات 60

نشر في العدد 1002

نشر في الصفحة 26

الأحد 24-مايو-1992

يحلو للبعض أن يجعل هذه الصحوة من صنع السادات الذي أراد أن يمحو (الخط) الناصري، والشيوعي، فاستخدم الجماعات الإسلامية أو أنشأها إنشاءً بواسطة أجهزته، وكان يهبهم (المال) و(السلاح) حتى يتصدوا للناصريين والشيوعيين في الجامعة، وفي غير الجامعة.. كذا يقولون!

وهم أحيانًا يضيفون إلى ذلك سببًا آخر أو عاملًا آخر لقيام هذه الصحوة هو الطفرة البترولية، بعد حرب العاشر من رمضان ١٣٩٣هـ - السادس من أكتوبر (۱۹۷۳م) وكأنهم يغمزون ويلمزون إلى أن أموال البترول، أسهمت في إبراز هذا الاتجاه.

وأحيانًا يضيفون عاملًا ثالثًا لإيجاد هذه الصحوة، وهو استفحال الفقر بعدما أصاب مصر من انهيار اقتصادي، بسبب الانفتاح وتضخم اقتصادي أدى إلى اشتعال نيران الأسعار.

فمن هنا لجأ الشباب إلى المساجد كبديل عن النوادي، وإلى الثياب بديلًا عن القمصان والبنطلونات، ولجأت الشابات إلى الجلباب إخفاء للثياب الرثة، وإلى النقاب سترًا للوجه المغضن من سوء التغذية الشاحب من الجوع، أو إلى الحجاب سترًا للشعر الذي لا تملك له ثمن (الشامبو) و(التصفيف).

بل زاد آخرون أن هؤلاء الشباب واقعون في أزمات نفسية، وعاهات شعورية، وفي حاجة إلى مصحات نفسية.

وهذه كلها مغالطات فجة لا تقف أمام النظر، لا أقول الفاحص بل أمام أي نظر، وبيان ذلك فيما يأتي:

إن القول بأن السادات هو الذي أنشأ هذه الصحوة، وهو الذي أحياها يرده بداهة أمور منها:

* أن الذي ينشئ تنظيمًا، أو يحيي اتجاهًا، من السهل عليه أن يهدمه أو يمتلك توجيهه حيث يشاء، وهذا لم يحدث كما هو معروف.

* أن التنظيمات التي تنشأ بمثل هذه الطريقة، مثل التنظيم الطليعي، ومن قبله هيئة التحرير، وأخواتها، لا يمكن أن تنتقل من مرحلة (العمالة) لمنشئها وصاحبها إلى مرحلة الإيمان والجهاد وتحمل السجن والتشريد، والخوف والتهديد، بل والتصفية الجسدية، مما يشهد بأن هذه جماعات أصيلة في عقيدتها، ظاهرة في نشأتها ومنبتها.

* أن هذه الصحوة بدأت قبل السادات والواقع ينطق بذلك، فقد أقيم أول معسكر للجماعات الإسلامية من شباب الجامعات المختلفة، في صيف ١٩٦٨، أي بعد النكسة بعام واحد فقط، وقبل أن يتولى السادات طبعا؛ حيث مات (الزعيم) في ٢٨ سبتمبر ۱۹۷۰م.

كما تؤكد الإحصاءات الثابتة أن عدد المساجد زاد في مصر بنسبة 30% في الفترة ما بين 1967 – 1969م.

فهذا يؤكد أن الصحوة ليست من (عمل) السادات، ولا من (صناعة) الأجهزة.

ولكن لأن بعض، بل جل أصحاب الأقلام، هؤلاء عاشوا في ظل النظام القمعي وكانوا من سدنته، ومن أركان تنظيماته، التي كانت تصنعها السلطة صناعة، وتشتريها شراء، ظنوا أن كل (تنظيم) أو كل (عمل) لابد أن يكون وراءه أجهزة وسلطة، ولم تسعفهم عقولهم بتصور أناس وجماعات يحركها إيمانها وحده، ومبدؤها وحده، وتبذل كل ما تستطيع في سبيل (الله) وحده! لم يستطيعوا، ولن يستطيعوا أن يتصوروا ذلك.

أما القول بأن هؤلاء الشباب (ملتاثون عقليًّا) (مشوهون نفسيًّا) فما أحسن هذه اللوثة، ومرحبًا بهذا التشوه.. هؤلاء الشباب هم صفوة طلاب الكليات المرموقة، أو الكليات القمة كما يسمونها: كليات الطب، كليات الهندسة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، هؤلاء الشباب هم صفوة شباب مصر ذكاءً وخلقًا، ولكن كتابًا مكفوفي البصيرة بل والبصر، لا يرون الواقع الملموس أمامهم.

ها هم شباب الصحوة الإسلامية، قادة النقابات المهنية، ونوادي أعضاء هيئة التدريس بالجامعات هؤلاء الأفذاذ يقدمون لأمتهم ولجماعتهم أعظم الخدمات وأجل الأعمال.

ألا خاب وخسر، وتبا له، وتبًا لقلمه ولسانه، كل من قال عنهم: إنهم (ملتاثون عقليًّا) (مشوهون نفسيًّا).

أما الزعم بأن الفقر والحرمان هو الذي دفعهم إلى ذلك، فما أحسب ذلك عيبًا عند من له أدنى بصيرة، ومرحبًا بالفقر والحرمان إن كان من ينشأ في كنفه ينشأ هاديًا مهديًا، تقيًا نقيًا، راضيًا مرضيًا، ثم نابغًا ناضجًا في مدرسته متفوقًا في جامعته.

ولو وعى هؤلاء الكاتبون، لو كان عندهم ذرة من بصر لرأوا أن كثيرين من قادة هذه الجماعات الإسلامية، ومن أبناء هذه الصحوة هم من الأغنياء الذين كانوا يذهبون إلى الجامعة بفاره السيارات.

فإن قالوا: إن هؤلاء لجأوا إلى العمل الإسلامي؛ لأنهم ملوا الترف وسئموا الرفاهية قلنا لهم: كذبتم! إن هؤلاء نشأوا في الغنى المؤمن، والثراء الطاهر، نشأوا في ظل المال المزكى، والنعمة المشكورة والثروة العابدة، لا المعربدة، ولكن ما حيلتنا مع هؤلاء الذين لا يرون إلا ما يعرفون، ولا يكتبون إلا عما يعانون، فيسقطون ما بأنفسهم، وبيئاتهم ونشأتهم على الآخرين.

فما عوامل نشأة الصحوة إذن؟

إذا لم تكن هذه الصحوة من صنع السادات، ولا لأموال البترول، ولا أثرًا للفقر والحرمان أو المرض والأزمات النفسية، فهل هي أثر للهزيمة والضياع منيت به الأمة في سنة 1967م.

نقول: نعم، وتقول أيضًا: لا!

لا، ليست الصحوة الإسلامية مجرد رد فعل للهزيمة المنكرة التي رجت الأمة رجًّا، وأصابتها بزلزال عنيف أسقط كثيرًا من الشخوص والرموز، ودمر كثيرًا من النظريات والأيديولوجيات والأفكار والمذاهب.

* الصحوة الإسلامية لم تغب ولكنها توارث حجاب كثيف من الحصد والإبادة

لقد صنعت الهزيمة كل ذلك، ولكن كل ذلك لم ينشئ الصحوة الإسلامية، وما كان باستطاعته أن ينشئ ذلك، بل ربما أدى إلى مزيد من الضياع والشتات.

ولكن واقع الأمر أن الصحوة الإسلامية كانت موجودة في مصر، ولم تغب عن الساحة، وإنما اختفت فقط عن الأنظار تحت ستار كثيف من الاستبداد والقهر، والسجن والتشريد والتعذيب والتهديد والإبادة والحصد بالرصاص داخل السجون والمعتقلات، بدأ ذلك منذ 1954م، ثم اشتدت وطأته وزادت ضراوته منذ 1965م، خلف هذا الحجاب الكثيف اللعين توارى العمل الإسلامي، وما كان قادرًا أن يجاهر، ولا أن يخافت، فلما وقعت الطامة. وجاءت الصاخة، وانهدت أركان النظام القمعي وبدأ يأكل بعضه بعضًا، وشغل (ناصر) بأكل (عامر).. هنا تراخت القبضة عن أعناق الشعب شيئًا ما، وخفت الوطأة قليلًا، فسرعان ما بدأ معدن الشعب الأصيل، وظهر صوته الصادق، وانكشف الزيف، وذهب الزبد جفاء، فرأينا هذه الصحوة التي كانت مستكينة في مستقرها ومستودعها، في ضمير الأمة.

وبهذا يظهر نوع العلاقة بين صدمة 1967م والصحوة، أي إن الصحوة لم تكن مجرد أي صدی ورد فعل للهزيمة المنكرة التي لقيتها الأمة، وإنما كانت الهزيمة زلزالًا تحطمت بسببه جدران النظام القائم واهتزت أركانه، فظهرت الصحوة، وفاجأت من كان يظن أنها غابت إلى الأبد فظنوها خلقًا جديدًا.

والذين عايشوا العمل الإسلامي منذ الأربعينيات حتى منتصف الخمسينيات يعرفون صدق ما أقول، وأن ما حسبه الناس شيئًا جديدًا، هو صورة (ربما اختلفت في بعض التفاصيل) مما كان قبل البلاء الذي نزل بالعمل الإسلامي والعاملين به منذ أواخر سنة 1954م.

ومن كان عنده ذرة من شك فيما نقول فلينظر حوله، في كل أنحاء العالم الإسلامي، ما أن تسقط أو تهتز الأنظمة الشمولية إلا وينكشف معدن الشعب الأصيل، وحقيقته الصادقة، ويعلن أنه لا يريد بالإسلام بديلًا، ولا يتزحزح من الإسلام، وأن طول القهر والكبت والقمع والتشريد، والتجويع، والتضليل والتزييف بالإعلام والفنون، بل بمناهج التعليم.. كل ذلك لم يخرج ولن يخرج شعبًا عن إسلامه.

انظر إلى الجزائر، ما أن سقط النظام الشمولي القمعي حتى ظهرت النتيجة انفجارًا رهيبًا في وجه كل عدو لله والرسول، وكانت النتيجة انفجارًا لم يتوقعه أحد، مما يؤكد ما قلناه من أن الصحوة الإسلامية موجودة، لم تغب ولكنها تحجب أو تحتجب حينًا حتى يأذن الله فينفجر فجرها، الذي يحاول بعض الصغار أن يحجبوه بذيل ثيابهم، نعم يحاولون أن يردوا الفجر، يحاولون أن يردوا الشمس ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف:8).

_____________

(*)  أستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول- كلية الشريعة – جامعة قطر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

209

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟