العنوان الصحبة الخالصة
الكاتب فيصل مندني
تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1982
مشاهدات 65
نشر في العدد 561
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 16-فبراير-1982
خرج الرسول- صلى الله عليه وسلم- في مرضه وخطب المسلمين وكان مما قاله: «إن الله- عز وجل- خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عنده» فانفجر أبو بكر يبكي حتى أبكى لبكائه وتأثره وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا.. وعجب جمع من الحاضرين من بكائه وقولته... لأنهم لم يدركوا ما أدركه هذا الصحابي الجليل من كلام الرسول- صلى الله عليه وسلم- وبعد أن توفي الرسول- صلى الله عليه وسلم- علموا أن الذي خيره الله هو رسول الله- صلى الله عليه وسلم. ولذلك نظر الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى أبي بكر عندما رأى تأثره، وقال «إن من أمن الناس على ماله وصحبته أبا بكر ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر ولكن أخي وصاحبي». البخاري.
الصديق- رضي الله عنه- نراه دائمًا وأبدًا في سيرته مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- يفدي نفسه قولًا وعملًا.. فهو ما يخاطبه إلا ويقول له: فداك أبي وأمي يا رسول الله.
نجد هذه الصحبة وتلك العلاقة بين الصديق والحبيب محمد- صلى الله عليه وسلم- علاقة صادقة.. ومحبة عميقة... تختلج في نفسه. حتى إننا نراه في هجرته يسير مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن شماله.. وفي الغار يدخل يده في الجحور المظلمة مخافة أن تخرج دابة فتلدغ الرسول فيتأذى- عليه الصلاة والسلام.
يقول الصديق للرسول- صلى الله عليه وسلم- عندما سأله عن سلوكه الغريب مرة أمامه ومرة خلفه.. إذا تذكرت اللاحق صرت خلفك وإذا تذكرت السابق صرت أمامك فداك أبي وأمي أنت يا رسول الله.
نعم.. هكذا يكون القادة، وهكذا يكون الأتباع... محبة متبادلة ومودة متبادلة ونصرة متبادلة وفداء متبادل. أما أن يكفر الأتباع بالقادة والقادة بالأتباع ويلعن بعضهم بعضًا ويسفك بعضهم دم بعض في الحياة قبل الممات.. أما أن يتمنى الأتباع زوال القادة.. أما أن يتمنى الأتباع هلاك القادة.. أما أن يلجأ القادة إلى السلاح والتدمير.. يلجأون إلى السجون والمعتقلات.. يصادرون الأموال.. يهتكون الأعراض.. فهذا يدل على عدم اتفاق في المنهج والتصور.
بينما يظهر لنا قمة التوافق بين القائد وبين التابع عندما سأل الصديق- رضي الله عنه- الصحبة في الهجرة.. سألها وهو يعلم عظم مسئوليتها لأنها ليست كالصحبة العامة ولكنها صحبة من نوع جديد تحوي في طياتها الاستعداد التام للتضحية بالنفس في كل لحظة في الطريق الشاق طريق الهجرة إلى المدينة.. تتمثل هذه التضحية بدخوله الغار قبل النبي- صلى الله عليه وسلم- وتفحصه وتعرضه للدغ وخوفه عليه من وصول الكفار والسير مرة أمامه ومرة خلفه.. يا له من صدق عظيم.. ليسأل كل واحد منا نفسه: هل عنده الاستعداد أن يضحي من أجل دينه؟ أنحن صادقين مع الإسلام؟ أنحن على استعداد للتضحية من أجل الإسلام إذا جاء دور التضحيات بالنفس والمال والوقت والولد؟ أم أننا سنراوغ ذات اليمين وذات الشمال ونريده إسلامًا باردًا لا حرارة فيه ولا تضحية؟
إن الإسلام طلب من المسلمين اليوم أهون من ذلك.. طلب منهم أن يتركوا ربا البنوك وهي نسبة زهيدة.. فأبوا إلا أن يحاربوا الله ورسوله ويأكلوها وقد أغناهم مالًا وأمانًا.
هذه الصحبة نفتقدها اليوم في هجر المسلمين لسنة نبيهم وفي تضييع المسلمين لأحكام دينهم وفي أكل المسلمين للمحرمات وقد وسع الله عليهم في الحلال وضيق في الحرام. صحبة نفتقدها اليوم في تعطيل حكام العالم الإسلامي لحدود الله وإبعاد شرع الله والحكم بغير ما أنزل الله، وتنحية الإسلام عن المجالات السياسية والاقتصادية والتربوية وحصره في دائرة المسجد وفي احتفالات الهجرة النبوية والمولد النبوي وذكرى الإسراء والمعراج.
وإذا كان التفكير في التخلي عن بعض أمور الإسلام قد استوجب التحذير والوعيد من الله- عز وجل- لرسوله الكريم- صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ ﴾(المائدة:٤٩).
وقوله تعالى ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ (الإسراء:٧٤،٧٥).
فما الذي يستوجب في حق من تخلى عن الإسلام كلية وطبق بعض الفرعيات الإسلامية؟ جزاؤه قوله تعالى ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:٨٥)
ما أحوجنا إلى الصحبة الخالصة الصادقة.. كصحبة أبي بكر الصديق للرسول- صلى الله عليه وسلم- ننتصر فيها على أنفسنا أولًا لننتصر على أعداءنا بإذن الله ونعيد للأمة الإسلامية مجدها وعزها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل