; الصبر على الابتلاء | مجلة المجتمع

العنوان الصبر على الابتلاء

الكاتب أسامة أحمد أبو شادي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1975

مشاهدات 92

نشر في العدد 238

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 25-فبراير-1975

فقد آلمني كثيرًا قول أحد الزملاء وأنا أدعوه للصلاة منذ أيام.. قال الزميل العزيز: كنت أحصل على أعلى الدرجات وأنا تارك للصلاة، فلما واظبت عليها، ساء حظي وتخلفت في دروسي، ولذلك تركت الصلاة. وكدت أقع فيما وقع فيه الزميل ووسوس لي الشيطان كثيرًا، وبقيت في حيرة من أمري أبحث وأدرس حتى شرح الله صدري للحق. أيها الزملاء: إن حياة الإنسان من مولده إلى موته هي فترة اختبار وابتلاء، فالله سبحانه وتعالى خلق آدم عليه السلام ليكون خليفة في الأرض، وعلمه الأسماء كلها وأسجد له الملائكة، وفضله على سائر المخلوقات، بل جعله سيدها وسخر له كل ما في الكون قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ...﴾ (إبراهيم: 32- 33- 34). أعطاه الله كل هذه النعم ليختبره أيشكر أم يكفر! وكما أن الابتلاء يكون بالخير، فإنه كذلك يكون بالشر، قال تعالى: ﴿وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ﴾ (الأنبياء: 35). ومثاله أن يصاب الإنسان بنقص في ماله أو أهله أو ولده، لتظهر حقيقة إيمانه، فمن الناس من يدعي الإيمان بالله وبالقضاء والقدر، فإذا ما أصابتــــــه مصيبة في أهله أو ماله أو ولده، جزع وفزع واهتز إيمانه، وهذا شأن الإنسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعٗا وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَيۡرُ مَنُوعًا إِلَّا ٱلۡمُصَلِّينَ﴾ (المعارج: 19: 22)، ولكن الله سبحانه وتعالى استثنى فريقًا من الناس، لا يفزعون إذا ابتلوا، فقال تعالى: ﴿إِلَّا ٱلۡمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ دَآئِمُونَ﴾ (المعارج: 22 - 23) فأرشد سبحانه وتعالى إلى أن المؤمن الذي يحافظ على صلاته، لا يفزع عند المصيبة، ولا يهتز إيمانه عند البلوة، لأن الصلاة تعصمه وتكسبه قوة ومناعة، وقد جرت سنة الله في خلقه أن يختبرهم ليعلم الصابرين منهم، فهذا لقمان الحكيم يخاطب ولده فيقول: ﴿يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ (لقمان: 17). وهؤلاء أنبياء الله وأكرم الخلـق يمتحنهم الله، فهذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يتآمر قومه عليه، ويشعلون النيران لحرقه ثم يلقونه في وسطها، فينزل عليه جبريل الأمين يعرض عليه العون، فيقول له: أما منك فلا، وأما من الله فعلمه بحالي يغني عن سؤالي، ثم هو يرى فيه في منامه أنه يذبح ولده، فيلبي ما أمره الله به في منامه مخلصًا من قلبه، حتى علم الله منه صدق النية، ففدى ولده بذبح عظيم ونجاه من البلاء المبين. أيضًا سيدنا محمد عليه والسلام وقد اشتهر بين قومه بالصدق والأمانة ومكارم الأخلاق، حينما هبط عليه الوحي والتقى بورقة بن نوفل، قال له ورقة بعد أن أخبره أنه سيكون نبي هذه الأمة: «ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك» ولكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أجاب مستغربًا: أومخرجي هم؟ قال: نعم إنه لم يأت رجل بمثل الحق الذي جئت به إلا أوذي»، ومنذ ذلك الحين تعرض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- للأذى والابتلاء من أقرب الناس إليه، فاتهموه بالسحر مرة، وبالجنون مرة أخرى: ﴿وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ﴾ (ص:4)، ولم يقتصر الأمر على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بل تعرض أصحابه إلى البلاء من أمثال بلال وعمار بن ياسر وخباب وغيرهم، فما ضعفوا لما أصابهم في سبيل الله، وما تزحزحوا عن إيمانهم، وكان يسير على الله أن ينصر أنبياءه من غير ابتلاء، ولكن الله ابتلاهم ليكونوا قدوة للمؤمنين في كل زمان ومكان، وصدق الله العظيم عندما قال: ﴿وَالْعَصْرِإِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر:1-2-3). فالله يصفهم بالإيمان والإقدام على الأعمال الصالحة، والتواصي بالحق، وهذه كلها أمور حسنة، ثم يصفهم بالتواصي بالصبر، فيا أخي المؤمن ليكن لنا ولك في رسل الله أسوة حسنة، واسمع معي إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ﴾ (البقرة: 214) فلا تجزع يا أخي، وخالف نفسك والشيطان، فإنهما أعدى أعدائك. شرح اللـه صدورنا إلى طاعته وأرشدنا إلى خير ما يحبه ويرضاه.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل