العنوان وكيل الأزهر الأسبق في حوار صريح مع « المجتمع »: الشيخ محمود عاشور: استعادة دور الأزهر المفقود مسؤولية الجميع
الكاتب محسن عبد الفتاح
تاريخ النشر السبت 04-سبتمبر-2010
مشاهدات 71
نشر في العدد 1918
نشر في الصفحة 38
السبت 04-سبتمبر-2010
- الأزهر طوال تاريخه يقود ولا يقاد باعتباره منارة الوسطية الإسلامية والاعتدال الديني على مر العصور
- مجمع البحوث هو روح الأزهر وعموده الفقري وهناك مهام مها خطيرة تنتظره.. وليس معقولا أن يعقد المجمع مؤتمرا واحدا على مدى عشرين عاما مضت!
- قانون مجمع البحوث الإسلامية ينص على ضم عشرين عضوا من علماء العالم الإسلامي ضمن أعضائه
- هيئة كبار العلماء» (سابقا) كانت المرجعية الأولى للمسلمين في جميع أنحاء العالم المعرفة الأحكام الدينية
في الوقت الذي يحاول فيه البعض النيل من الإسلام وتوجيه الإساءة إلى نبيه الكريم تارة بالكلمة وتارة أخرى بالرسم وتارة ثالثة بالترهيب وفرض الإملاءات على الأنظمة نجد في هذه الفترة العصيبة تراجعا لدور الأزهر الشريف منارة العلم والعلماء في القديم وعلى مر العصور فضلا عن تقلص دور مجمع البحوث واقتصار عضويته على قلة من علماء مصر دون العلماء العرب والمسلمين.. الأمر الذي أدى بدوره إلى ضعف الخطاب الديني، ومن ثم ضعف المجتمعات، واختلاف آراء الأمة في مواجهة هذه الأخطار المحدقة بها.
عن هذه الجوانب المهمة وغيرها دار حوارنا مع فضيلة الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق.
• ما السبب في تراجع دور الأزهر كصرح إسلامي من صروح الدعوة والعلم في العالم الإسلامي؟
- لا يخفى على أحد أن الأزهر طوال تاریخه كان يقود ولا يقاد، ولم يكن فيه أحد ينتمي إلى جماعات خارجة أو فئات معينة وإنما كان الجميع ينتمون إلى الأزهر فقط باعتباره رائد الوسطية الإسلامية في العالم الإسلامي، كما أنه واجهة الاعتدال الديني أمام العالم أجمع.
أما اليوم فقد تقلص دور الأزهر. للأسف. فالمناهج التعليمية به لم تعد قادرة على تخريج عالم دين متمكن لأن الخريج لم يدرس إلا قشورا في علوم الفقه والحديث والتفسير، وغيرها من العلوم الشرعية التي تعد من ضرورات إعداد الدعاة والأئمة والخطباء.. وهذا الضعف انعكس بدوره على الأداء، وأدى إلى ضجة من الشكوى والانتقاد لكثير من الخطباء ورجال الدين المتصدين لهذه المسؤولية وتلك الأمانة.
• وما السبب في ضعف مستوى خريجي جامعة الأزهر؟
- مما لا شك فيه أن وراء ضعف مستوى خريج جامعة الأزهر في الفترة الأخيرة أسبابا عديدة منها الاهتمام بالكم دون الكيف.. فالقائمون على التعليم الأزهري أنشؤوا معاهد دينية كثيرة دون وجود خطة أو منهج يمكن من إعداد عالم أو داعية متمكن، ومن ثم فالآلاف التي تتخرج من تلك المعاهد سنويا يتم ضخها إلى كليات جامعة الأزهر.
ومع ضعف مستوى الطلاب الديني هناك فراغ فكري وثقافي لدى الكثيرين حاول البعض أن يتسلل من خلاله للتأثير في ولاء بعض الطلاب الذين يعدون - أو هكذا يفترض - المقاومة تيارات دخيلة على الفكر الإسلامي المعتدل.
• هل نعزو ذلك القصور إلى المناهج التي تدرس حاليا في مؤسسات الأزهر العلمية؟
- من الخطأ النظر إلى الأزهر ومؤسساته باعتبارها مؤسسات دينية مصرية بل هي مؤسسات عالمية ذات رسالة وقيادة؛ فقد كان شيخ الأزهر في وقت من الأوقات تونسيا مسلما»، هو الشيخ «الخضر حسين».. كما أن مجمع البحوث الإسلامية (أحد المؤسسات التابعة للأزهر يفترض فيه أن يضم ۱۰% من نسبة أعضائه من علماء العالم الإسلامي.
من هنا، فمن الضروري العودة إلى المناهج الإسلامية القديمة، بل إلى جامعة الأزهر القديمة التي كانت تضم كليات الشريعة والقانون واللغة العربية وأصول الدين، مع ضم كليتي الدعوة والدراسات الإسلامية إليها لتخريج داعية قادر على تبليغ الرسالة وأداء الأمانة، وفقا لسماحة الإسلام واعتداله ووسطيته.. أما الكليات العلمية الحديثة فلا مانع من تجميعها في كيان واحد تحت إشراف الأزهر الشريف. إن الأزهر قديما وعلى مر العصور كان رمزا للاعتدال والوسطية، وكان الجميع يرجعون إليه في كل أمورهم الدينية والدنيوية، ولكنه في الوقت الحاضر لم يعد له هذه المكانة.. وهذا يدعونا جميعا - علماء ومتلقي علم - إلى وقفة جادة لاستعادة تلك المكانة وذلك الدور المفقود.
ولنتذكر جميعا حقيقة أنه في ظل المناهج القديمة لم يعرف الأزهر، في مدراسه ومعاهده وجامعته، أي متطرف.
• يتساءل كثير من المتخصصين عن انحسار دور الأزهر في المجتمع المصري بالرغم من إنشاء المزيد من الكليات في شتى أنحاء البلاد، وزيادة أعداد الدارسين عاما بعد عام.
- رغم التوسع الكبير في السنوات السابقة بالعمل على إنشاء فروع للكليات بالكثير من المحافظات، فقد نتج عن ذلك العديد من السلبيات بسبب عدم الالتزام بالضوابط المتعلقة بإنشاء هذه الفروع، وهو ما أثر بالسلب على كفاءة العمل بها ومن ثم على مستوى خريجيها.. وهذا بلا شك شكل خطورة على المجتمع الذي يمكن أن يقبل أحيانا الحد الأدنى من الكفاءة في بعض التخصصات؛ إلا أنه ليس مقبولا بأي شكل من الأشكال عدم توافر حد معين من الكفاءة في مستوى الأئمة والدعاة.. كذلك غياب العدالة في إنشاء الكليات الأزهرية والتوزيع الجغرافي المتوازن والحاجة الفعلية لإنشائها.. فمؤخرا صدر قرار بإلغاء كلية الدراسات الإسلامية بمدينة المنيا الجديدة وتحويل المبنى لكلية للحاسبات الآلية بحجة أن سوق العمل بالمحافظة لا يحتاج إلى خريجي الدراسات الإسلامية وهو الأمر الذي يعد منافيًا لدور جامعة الأزهر في الوجه القبلي الذي يعاني بشكل عام ندرة الكليات الأزهرية، فهل مثل هذا الأمر وغيره يعد تنفيذا لسياسة هدفها القضاء على التعليم الديني بمصر وسلب الأزهر رسالته في نشر الوعي الإسلامي في مصر والعالم الإسلامي كله؟
إن الأزهر - جامعة وجامعًا – يعاني حاليا مشكلات خطيرة نتيجة عشوائية إنشاء بعض كلياته، فضلا عن تراجع مستوى خريجه وتدني ثقافته الدينية، وهذا الأمر لا يمكن قبوله أو التهاون فيه.. فالأزهر هو حصن الإسلام وقلبه النابض الذي يخفق بالوسطية والاعتدال منذ إنشائه.. فهل من منقذ له اليوم!
وماذا عن مجمع البحوث الإسلامية» الذي يفترض أنه يضم خيرة علماء الأمة، ومناط وضع الحلول الشرعية لشتى المشكلات التي تواجه المسلمين في أي بقعة من بقاع الأرض؟
- إن مجمع البحوث الإسلامية أنشئ ليحل محل هيئة كبار العلماء» التي كانت يوما ما المرجعية الدينية الأولى للمسلمين في جميع أنحاء العالم، حيث كان الجميع يلجأ إليها طلبًا لمعرفة الأحكام الدينية والحلول الشرعية الناجعة لمختلف المشكلات التي تواجه العالم الإسلامي، لقد كانت هيئة كبار العلماء تجمع الأمة الإسلامية من حولها، وتحكم فكرها وتنشر بينها الرأي الإسلامي السمح المعتدل.
وقد كان المسلمون يحتكمون لهيئة كبار العلماء في جميع مشكلات الأمة الإسلامية والتاريخ خير شاهد على أن كلمتها كانت مسموعة ومكانتها مرموقة وهيبتها مصونة على امتداد العالم الإسلامي كله... لقد كانت هيئة عالمية بما تحمله هذه الكلمة من معان، وما تستند إليه من حقائق وأدوار " قامت بها الهيئة في أنحاء العالم الإسلامي.
إن قانون إنشاء مجمع البحوث الإسلامية لا يزال ينص على أن يضم في عضويته ۲۰ عضوا من كبار علماء العالم الإسلامي محتلين نسبة %10% من مجموع أعضاء علماء المجمع، وأذكر هنا أن المجمع كان يضم بين أعضائه عددا من علماء المسلمين منهم الشيخ الحبيب بلخوجة الأمين العام المجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي وهو تونسي الجنسية أيضا، وكان من أعضائه الشيخ عبد العزيز الخياط، وزير الأوقاف الأردني الأسبق، والشيخ صالح فرفور» مفتي سورية الأسبق، وآخرون كثيرون.
• هل يقتصر دور العلماء بالمجمع على فحص الكتب، وإبداء الرأي فيها؟
- لا شك أن وجود مثل هؤلاء العلماء الكبار بالمجمع كان يضمن له مكانة الريادة في العالم الإسلامي، حيث إن الجميع كانوا يلجؤون ويرجعون إليه في كل ما يعن لهم من قضايا.. أما الآن فلا يوجد أعضاء من العالم الإسلامي بالمجمع.. كما أن دوره تحول من العالمية إلى المحلية من هنا فمن الضروري العمل على إعادة المجمع لمكانته العالمية واستعادة دورة المفقود، وتبوء الصدارة في حياة الأمة الإسلامية، ذلك أن المجمع هو روح الأزهر وعموده الفقري، ولا ينبغي أن يتوقف دوره عند مهمة فحص الكتب وبيان الرأي فيها.. فتلك جزئية صغيرة جدا من بين مهماته الجسام التي تشمل ضمن ما تشمل متابعة مناهج الدراسات الإسلامية بمعاهد الأزهر وجامعته، والعمل على استمرار تطويرها لضمان تخريج أجيال جديدة من الدعاة تحسن فهم الإسلام وتقدمه للناس في صورته الحقيقية السمحة المعتدلة.
• وكيف يواجه المجمع تلك الحملة الشرسة التي يقودها الغرب للإساءة للإسلام، وإلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟
- من أهم مهمات المجمع في وقتنا الحالي - متابعة ما ينشر عن الإسلام في كل مكان خاصة الإساءة المتكررة للدين ولرسوله الكريم ﷺ في الغرب والرد على كل ذلك وتفنيده ودحضه وإسقاطه.
كذلك لابد من عقد مؤتمر سنوي للمجمع يناقش فيه الأعضاء أحوال الأمة والعالم الإسلامي والمستجدات الطارئة في حياتنا واقتراح الحلول الناجعة لها، فلا يعقل أن يعقد المجمع مؤتمرا واحدا على مدى عشرين سنة مضت!
ولابد كذلك من إعادة النظر في تشكيل المجمع ليضم بين صفوفه من داخل مصر ومن خارجها - حسب قانون تطوير الأزهر - العلماء الكبار القادرين على النهوض بدوره وإعادته كمرجعية عالمية للمسلمين في جميع أنحاء العالم الإسلامي.
• وما دور الشباب في تحقيق ما تصبو إليه الأمة الإسلامية؟
- كتيبة الجهاد الأولى وطلائع المدافعين عن الدين هم الشباب المسلم المتمسك بالقيم والمعتصم بكتاب الله أمام هؤلاء الأعداء الذين يحاربون دين الإسلام علانية، ويحاولون بين الفينة والأخرى الإساءة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
إن تحمل الشباب عبء الدفاع عن الإسلام ورسوله والتصدي للاتهامات التي توجه لشخصه الكريم يتطلب منا جميعا أن يكون ﷺ قدوتنا و مرشدنا وهادينا إلى كل خير، لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب:۲۱)، وأن نقتفي آثاره الشريفة بتحقيق التقوى والتحلي بالصبر وتحمل المكاره امتثالا لمواقفه في الدعوة لدين الله رغم ما لاقاه من عنت وجحود وإنكار.. لكنه ظل رابط الجأش مثابرا حتى رأت دعوته النور.. ومن ثم لقد وقف العالم كله مشدوها وهو يرقب بزوغ فجر الحضارة الإسلامية العظيمة التي وضع أسسها الرسول الكريم وصحابته الكرام الذين لم يألوا جهدا في سبيل رفع راية الإسلام.
إن كل عمل يبتغي به خير هذه الأمة هو العبادة الحقيقية وهو العمل الحق الذي يدفع بهذه الأمة إلى المقدمة؛ فلا تحتاج لغيرها أن يقدم لها طعامًا أو شرابًا أو منتجًا صناعيًا وهذا لن يتحقق إلا بسواعد شباب هذه الأمة، وحين تسود القيم الدينية الإسلامية العظيمة والتي بها انتصرنا على الفرس والروم، ويتحقق قوله تعالى ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: ۱۱۰).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل