العنوان الوجه الآخر لإمام الكلمة.. الشيخ محمد متولي الشعراوي.. شاعرًا
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر السبت 01-مايو-2010
مشاهدات 84
نشر في العدد 1900
نشر في الصفحة 52
السبت 01-مايو-2010
- من قصائد الشيخ الشعراوي المجهولة «يا أمة الإسلام».. وهي القصيدة التي استنهض بها همم المسلمين للدفاع عن البوسنة والهرسك
- الشعر المجهول للشيخ الشعراوي بلغ ١٢ قصيدة ومن أجملها مقطوعة كتبها عام ١٩٩٠ م أمام قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب
لا يزال الشيخ محمد متولي الشعراوي (۱۹۱۱ - ۱۹۹۸م) -رغم رحيله- عالمًا يملأ الدنيا ويشغل الناس.
ومن منطلق الرسالة الحضارية للأدب الإسلامي، خاصة في زمن الحصار والتضييق والتراجع، جاءت هذه الخطوة الموفقة من الشاعر الناقد الدكتور صابر عبد الدايم يونس، عميد كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر -فرع الزقازيق- بجمع وتحقيق وتوثيق ديوان الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي.. الذي عقدت رابطة الأدب الإسلامي العالمي بالقاهرة ندوة موسعة لمناقشته مؤخرًا.. بحضور لفيف من كبار الشعراء والأدباء والمفكرين الإسلاميين والدعاة.
استهل الندوة د. صابر عبد الدايم قائلًا: هذه دراسة أدبية ورؤية جديدة، تلقي الضوء على الوجه الآخر للشيخ الإمام محمد متولي الشعراوي، وهو وجه مشرق مثل وجه الأزهر الذي عرفه الناس من خلاله، وهو وجه الداعية المستنير الواعي بمنجزات العصر ومتغيرات الحياة.. وأشار د. صابر إلى أن الشاعرية لم تفارق الشيخ الشعراوي منذ طفولته الباكرة، حيث بدأ حياته موهوبًا، يمارس كل الفنون الشعبية المتاحة في بيئته وهو طفل.. بل ويتفنن فيها ويبدع إبداعًا متميزًا .. حيث كان ينظم المواويل الشعبية للصيادين والعمال من أبناء بيئته «دقادوس ميت غمر – دقهلية».. كما كان يصنع الأشكال واللعب والطيور والحيوانات الصغيرة من الصلصال، ويصنع من أعواد وسيقان البوص والغاب.. السواقي والقواديس، غيرها من الأعمال التي تنبئ عن موهبة فريدة، مودعة في نفس إنسان مملوء بالجمال والابتكار، والإبداع... وفي ذلك يقول الشيخ الشعراوي:
«لقد أعجبت في طفولتي بقول شوقي: أساطين البيان أربعة: شاعر سار بيته، ومصوّر نطق زيته، ومثال ضحك حجره،موسيقي بكى وتره.
والحمد لله الذي هيأ لي أن اكتب الشعر، فقد أغناني بصوره وأخيلته عن فن التصوير «الرسم»، وأغناني بوزنه عن الموسيقى، وأغناني بالتصوير الرائع للحركة،أو السكون عن النحت».
ثم استعرض د. صابر عبد الدايم عمله في الديوان من تحقيق نصوصه، وجمع نصوص أخرى نادرة، كان الشيخ الشعراوي قد نشرها بالجرائد والمجلات السعودية أوائل الخمسينيات من القرن الماضي أثناء تدريسه بكلية الشريعة بالسعودية منتدبًا من الأزهر الشريف... وذلك في صحف «البلاد» و «المدينة المنورة».. وقد جمعت هذه المطولات في قسم خاص من الديوان تحت مسمى «الحجازيات».
أشعار مجهولة للشعراوي
ومن أجمل ما قدمه د. صابر عبد الدايم في هذه الدراسة الموسعة (۳۷۷) صفحة حصوله على عدة قصائد مجهولة للشيخ الشعراوي، منها قصيدته «يا أمة الإسلام» التي يستنهض بها همم المسلمين للدفاع عن البوسنة والهرسك، والتي يقول فيها:
يا أمة الإسلام عرضك يكلم
وإذا سكنت.. ولن يكون.. سنعدم
لا يستنيمك أن ربك حافظ
فالحفظ للقرآن.. ليس لأنتم
والله حافظه علينا حجة
لو تهزمون... فإنه لا يهزم
وشهادة التاريخ فيما قد مضى
ستظل أبلغ حجة تتكلم
منا الذي صدع التتار ولم يزل
فينا صلاح الدين... يا قوم افهموا
يا أمة الإسلام لو أعدتموا
فيما مضى ما يستطاع.. لأحجموا
إلى أن يقول:
اليوم يوم الزحف لا تتقاعسوا
ولكل فرد في المواهب مغنم
من صاحب الرأي الحكيم.. مشورة
ومن الشجاع حمية تتقدم
ومن الغني سماحه ونواله
ومن القؤول مقالة تتقدم
حتى الضعيف.. جهاده دمع جرى
حزنًا على أن لم يجد ما يسهم
والحاكمون عليهم تعضيدنا
بحمية تثري الجهاد وتيرم
والمعتدون ومن يظاهر بغيهم
إن لم يكفوا.. فالعلاقة تفصم
والله يجعل مخرجًا للمتقي
من غيلة.. أو عيلة.. تتحكم
وقد بلغت هذه القصائد المجهولة للشيخ الشعراوي (۱۲) قصيدة، بعضها مساجلات مع سمو الأمير محمد بن راشد، وبعضها إلى خادم الحرمين الشريفين، ومن أجمل هذه القصائد.. مقطوعة كتبها الشيخ الشعراوي عام ۱۹۹۰م أمام قبر سيد الشهداء، حمزة ابن عبد المطلب رضي الله عنه... فقال:
أحمزة عم المصطفى أنت سيد
على شهداء الأرض أجملهم طرّا
وحسبك من تلك الشهادة عصمة
من الموت في وصل الحياتين بالأخرى
لقد جهلوا إذ مثلوا بك أنهم
بتمثيلهم قد ضاعفوا لك الأجرا
الباكورة
وقد ألقى د. عبد المنعم يونس رئيس فرع رابطة الأدب الإسلامي العالمية بالقاهرة كلمته التي أشار فيها إلى جهود د. صابر عبد الدايم، كباحث محقق، وناقد مدقق، وأديب موهوب، وألمح إلى المكونات الإبداعية للشيخ الشعراوي، وتعدد المستوى الأسلوبي لديه كشاعر وداعية، خاصة في مطولته «الباكورة» في ذكرى الإسراء والمعراج وهي القصيدة المطولة التي أخرجها الشيخ الشعراوي في ديوان خاص وهو بعد طالب بمعهد الزقازيق الديني الأزهري، وذلك عام ١٩٣٦م، بتقديم من زميله الطالب بنفس المعهد، محمد فهمي عبد اللطيف الأديب الصحفي الكبير فيما بعد، والتي ترامت أصداؤها بين زملائه -من الطلاب الأعلام بعد ذلك- من أمثال: حسن جاد، ومحمد العزازي، وكامل أبو العينين، وعباس سرحان، واحمد عبد اللطيف بدر، وخلف السيد وغيرهم ...
وهذا الديوان، وتلك القصيدة تمثل الشيخ في طور من أطوار إبداعه وتفكيره يقول عنها الشعراوي: «إنني أعتز بها لأنها مدحة بادئ في خير ناشئ».
ثم تواكبت كلمات أ . د. محمد الحسيني الغزالي أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين حيث أشار إلى تعانق الفنون عند الشيخ الشعراوي، وإلى القدرة النقدية الرفيعة عند الدكتور صابر عبد الدايم، وأثرها في تحليل قصائد هذا الديوان، وفي تحليل الرؤى النقدية عند الشيخ الشعراوي في نظراته ومقالاته وأحاديثه المتناثرة.
ثم ألقى الشاعر الكبير محمد التهامي قصيدته الرائعة، بعد أن سرد جانبًا من ذكرياته مع الشيخ الشعراوي والمواقف الخاصة بينهما... فقال التهامي:
أيها الصادح ماذا روّعك
فالتزمت الصمت كيلا نسمعك
وارتضيت البُعد عن أنظارنا
فحملت الصبر والسلوى معك
وتركت الروض قفرًا موحشًا
فتمنى كلنا أن يتبعك
هذه أرواحنا نفدى بها
إن يكن في طوقها أن ترجعك
هل..؟ وكل الهول في أيامنا
أيها العملاق... نخلي موقعك
جئت بالحق ضياء ناطقًا
فتحرت كل عين موقعك
تقطف الورد وتهديه لنا
وعضوض الشوك يدمي أصبعك
وتصب الشهد في أفواهنا
قانعًا من نحله أن يلسعك
وتضيء الحلم في أجفاننا
والسهاد المر أشقى مضجعك
فشفيت الجرح في أعماقنا
بعدما أجريت فيه مبضعك
كيف نحيا... دون قول صادق
صاغه الرحمن لما أبدعك
أغلق الحق على أسراره
وعليها في جلال أطلعك
أترى أرهقت من أيامنا
وتمادى القهر حتى ضيعك؟
قل لنا بالله يا قنديلنا
كيف يحيا في الرحى من شيعك؟!
ثم ألقى الشاعر إسماعيل بخيت قصيدة بعنوان «جزاك الله خيرًا» موجهًا كلماته للشاعر الناقد د. صابر عبد الدايم قائلًا فيها :
جزاك الله خيرًا يا عميد
فأنت الفذ والنهج الرشيد
بذلت الجهد معطاًء وفيا
فطاوعك العصي كما تريد
و «شعراوي» البديع له
استباق وسبق كم يعز به القصيد
حوی دیوانه درر القوافي
فرام عقودها صدر وجيد
وتناول د. محمد علي أبو زيد رئيس قسم البلاغة بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر موازين النقد الأدبي المعاصر، التي لا تميلفي معظمها إلى صالح الأدب الإسلامي، مما يستدعي استنهاض الأدباء الإسلاميين بدورهم وأحياء تراثهم القديم والمعاصر.
ثم تحدث كاتب هذه السطور عن الآثار الإبداعية «لإمام الكلمة» الشيخ الشعراوي ودور د. صابر عبد الدايم في تجميع وتحليل هذا التراث النادر خاصة أحاديث الشيخ الشعراوي التي ألقاها في بداية خمسينيات القرن العشرين في الإذاعتين المصرية والسعودية.◘