العنوان الشيخ محمد أديب القسام عالم فقدناه
الكاتب عبدالله ناصح علوان
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1984
مشاهدات 68
نشر في العدد 669
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 01-مايو-1984
في مدينة حيفا السورية عام 1930م ولد الشيخ محمد أديب القسام رحمه الله من أبوين سوريين وعائلة القسام كانت تستوطن مدينة جبلة ولما حصل على الانتداب الفرنسي على سوريا رحل والده الشيخ فخر الدين القسام وعمه المجاهد عز الدين القسام إلى فلسطين.
تلقى الشيخ أديب دراسته الأولى في مدينة حيفا ثم التحق بالأزهر وهو في سن الرابعة عشرة من عمره حيث حصل منها على شهادة الإجازة العالمية للتدريس وعاد إلى جبلة بعد عم 1948م ليمارس مهنة التدريس. فعين مدرسًا للتربية الإسلامية في الثانويات العامة وقام بها خير قيام.
هذا بالإضافة إلى التدريس العام في المساجد فلازم رحمه الله التدريس والخطابة طيلة حياته في مسجدي: السلطان إبراهيم بن أدهم رحمه الله وأبي بكر الصديق رضي الله عنه دونما أجر، مبتغيًا في ذلك وجه الله عز وجل.
- أحس الفقيد بعين بصيرته انتهاء الأجل بعد مرض مضن طويل عانى منه الكثير، فاستجاب لدعوة أبنائه في السعودية لزيارة بيت الله الحرام فأكرم الله زائره ليقيم بجوار بيته المعمور إلى يوم البعث والنشور، فلم تمض أيام معدودات من زيارته حتى وافته المنية، وكان ذلك في الساعة السابعة والخمسين دقيقة من مساء الأربعاء الثامن والعشرين من جمادي الأولى عام 1404هـ، ودفن رحمه الله في مكة المكرمة في جوار بيت الله العتيق في مقبرة «المعلا»، فهنيئًا لفقيدنا هذا الختام المسك، والنهاية المباركة.
أما الطاقة عن مآثره:
- فأعظم بها من طاقة... فيكفي الفقيد فخرًا وشرفًا أنه تحمل في سبيل العلم شظف العيش وبؤس الحياة، ولا سيما بعد أن انقطعت عنه المعونة المادية من قبل المدرسة التي أوفدته لدراسة العلم الشرعي في الأزهر الشريف على أعقاب المأساة التي أصابت مسقط رأسه «حيفا» في غمرة الأحداث في فلسطين، والله يعلم كم عانى الفقيد في هذه المرحلة من بؤس وفاقة وحرمان، بل كان قوته رحمه الله عيش الكفاف، وسد الرمق... فاستقبل هذا بمصابرة نفس، وابتسامة رضى.
- ومن مأثره الكريمة رحمه الله أنه ربى جيلًا من الشباب المثقف على أساس الإسلام، وفقههم في الدين، وغرس في نفوسهم مبادئ الأخلاق، وبث فيهم روح العمل الدؤوب، وقادهم بصدق إلى طريق الدعوة إلى الله - وكانت حلقاته في بيوت الله امتدادًا لحلقات السلف العلمية والتربوية... بل كانت حلقاته مدرسة علم، وتربية سلوك، وتكوين رجال... فإذا عرفت -أخي القارئ- أن الفقيد لا يتقاضى عليها أجرًا، ولا يأخذ من أحد راتبًا.... ازداد تقديرك له، وقوي إعجابك به، وعظم مقامه عندك، وحكمت عليه أنه من بقايا السلف الصالح ولا يطلبون الحطام الزائل باسم العلم... وإنما يعمل من أجل رضوان الله وابتغاء الدار الآخرة.... ومن فضائله الحميدة أنه عانى كثيرًا من مضايقات السلطة في بلده، فلم يتبرم، ولم ينافق ولم يتزلف... وإنما وطن نفسه على الصبر والمصابرة، واستقبل المحنة بنفس مؤمنة رضية وقلب ثابت صبور، وثغر مشرق بسام... واستمر مثابرًا في مواعظه الإرشادية، وحلقاته العلمية... غير هياب ولا وجل ولا مكترث... إلى أن كتب الله له حسن الخاتمة في بلد الله الحرام مكة الحبيبة، وهذا -والله- هو الإعزاز والإكرام.
- ومن أبرز مآثره انكبابه الزائد على العلم، وجلده الدائب على التدريس والتعليم، وقد بلغ مجموع ما طالعه ودرسه تسعين مجلدًا في مختلف العلوم الشرعية والعربية. التلاوة وتجويدها، الفقه ومذاهبه، القرآن وعلومه، التفسير وأصوله، الحديث ومصطلحه.... مركزًا في كل ما يقرره وما يشرحه على التربية الفاضلة، والإعداد الروحي، والتكوين العلمي، والتطبيق السلوكي العملي... حتى استطاع رحمه الله أن يربي في بلده جيلًا من الشباب لهم في الدعوة إلى الله أثر، وفي الالتزام الإسلامي قدوة.. وهذا -والله- هو الذخر الأكبر، والأثر الباقي، والأجر الجاري... إلى ما شاء الله.
- هذا عدا عن تواضعه رحمه الله في كل شيء. تواضعه في ملبسه ومأكله، تواضعه في جلوسه ومشيته، تواضعه في لقاءاته ومدارسته، فكان يبادر بالسلام لمن يلقاه ويخفض جناحه للمؤمنين ويجلس مع الفقراء والمساكين ويخالط الخاصة والعامة.. ولم يستنكف عن إجابة الدعوة وتشميت العاطس، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وإرادة الخير للمنصوح له..
هذا غيض من فيض مما سردناه عن حياة الفقيد العلمية والدعوية والخلقية أرجو من الله أن قد أديت له في هذه العجالة بعض حقه، وأن أكون قد عددت له في هذا المقام أبرز مآثره وفضائله..
ولا يسعني في الختام إلا أن أقول: أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى فلنصبر جميعًا ولنحتسب، ولنرض بقضاء الله وقدره.... سائلًا المولى أن يتغمد الفقيد برحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وأولاده وإخوانه وتلامذته الصبر والسلوان إنه بالإجابة قدير.
سلام عليك أبا عبد الله في الخالدين - وسلام عليك إلى يوم نلقاك عندما يقوم الناس لرب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل