العنوان الشيخ عبد الرحمن البنا الساعاتي: هذه تجربتي مع المسرح الإسلامي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1987
مشاهدات 81
نشر في العدد 832
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 01-سبتمبر-1987
في جلسة ممتعة:
الشيخ عبد الرحمن البنا الساعاتي أخ للإمام الشهيد حسن البنا. عايش الإمام الشهيد باعتباره أخًا له وجنديًّا بين يديه... وكانت له تجربة طويلة في جعل وسائل الإعلام التي كانت متوفرة زمن الإمام الشهيد- رحمه الله- تخدم دعوة الإخوان المسلمين في مصر، وفي جلسة ممتعة مع الشيخ عبد الرحمن البنا طلبت منه «المجتمع» أن يستعيد ذكرياته مع المسرح الإسلامي الذي أنشئ في مصر أيام الإمام الشهيد... حيث قدم الشيخ عبد الرحمن للإخوان ثماني مسرحيات... وكان الحديث التالي مع فضيلته الذي قال:
كان من وسائل الإخوان المسلمين لنشر دعوتهم، الدعوة عن طريق المسرح، ذلك لأننا كنا نغشي المساجد وتجمعات الخير فلا نجد إلا الخيرين بطبعهم والشيوخ وكبار السن، وكنا نتفقد الشباب فلا نجدهم في هذه الأماكن لأن دعوة الإلحاد قد جرفتهم، والمسارح احتوتهم، والمفاتن استهوتهم، فكان لا بد أن تصل الدعوة إليهم حاملة رسالة الطهر، راسمة طريق الخير مبينة سبل النجاة، وكان لا بد من إعداد؛ وساق الله تعالى إلى تجربة مبكرة في ظل محنة أصابت مصر على يدي فرقة تمثيل إنجليزية، قامت بتمثيل مسرحية على مسرح دار الأوبرا وتناولت ذكر النبي- صلى الله عليه وسلم، بما ينقص من قدره العظيم وقرأت ذلك في مجلة «الصباح» الأسبوعية التي كان يصدرها الأستاذ مصطفى القشاش بالعدد ۲۸۹ السنة العاشرة بتاريخ ٢ ذو الحجة سنة ١٣٥٠ الموافق ٨ أبريل سنة ١٩٣٢، فأثارني ذلك وانفعلت به ودعوت الله تعالى أن يوفقني لكتابة مسرحية أدفع بها هذه الفرية، وتمثل على نفس المسرح مدحًا وإشادة بمقام النبي الكريم.
وعلم الله تعالى صدق النية وحسن القصد فوفقني لكتابة مسرحية «جميل بثينة» نظمتها شعرًا وطبعتها في كتاب ومثلتها جمعية التمثيل العربي في تونس وصفاقس والقيروان قبل أن تمثل في مصر، واستدعاني وزير المعارف العمومية «محمد باشا العشماوي» إلى الوزارة فوجدت على مكتبه نسخة من الرواية وأخبرني أن الوزارة قررت لإخراجها مبلغًا من إعانة التمثيل لسنة ١٩٣٤، كما قررت تمثيلها على مسرح «الهمبرا» بشارع عماد الدين وكان ينتظر أن يسرني هذا الخبر، ولكنه لم يجد من ذلك شيئًا، فسألني عن السبب فأجبته: لقد كتبت هذه المسرحية لتمثل على مسرح دار الأوبرا فأجابني: إن مسرح «الهمبرا» تمثل عليه الآن مسرحية «هرناني» ومعظم مسرحيات شكسبير، وان دار الأوبرا مغلقة في الصيف وفتحها يقتضي إجراءات كثيرة لتهويتها صيفًا. واستدعاء مديرها وموظفيها، وهذا أمر بالغ التكاليف. قلت: إني متنازل عن أي جائزة مالية، ولينفق ذلك على فتح دار الأوبرا لتمثيل الرواية، وفتحت دار الأوبرا يومي ۱، ۲ يونية ١٩٣٤، وأخرجها الأستاذ زكي طليمات، ومثلتها فرقة اتحاد الممثلين وعلى رأسهم أحمد علام وعباس فارس وعبد العزيز خليل وحسن البارودي وفتوح نشاطي ومحمود المليجي وإبراهيم الجزار وعبد العزيز أحمد وفاخر فاخر وغيرهم من أبطال التمثيل.
ولكن ماذا بعد هذه التجربة:
تكليف من الإمام البنا
وعهد إلى فضيلة الإمام حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين أن أركز هذا الجهد لإنشاء المسرح الإسلامي، وأن أجعل المسرح الإسلامي من وسائل الدعوة. وقال: «اترك ذلك لإيمانك ودينك».
وأبى على إيماني وديني أن أجعل العنصر النسائي مشاركًا في هذه التجربة وفي ذلك ما فيه من الخلط الذي لا يليق بدعوة علا بفضل الله ذكرها وطبق الخافقين.
والتفت إلى تدعيم فريق التمثيل للإخوان بشعبة الجمالية في حي الحسين- رضي الله عنه- بالقاهرة وإلى كتاب المسرحية الخاصة بالإخوان المسلمين والتحق معظم الفريق بمعهد التمثيل، وتفوق وتخرج فيه، وكتبت مسرحية «الحصار في الشعب» و«الهجرة» و«غزوة بدر» وبدأنا تمثيلها على مسرح جمعية الشبان المسلمين، وكان يقوم على مسرحها الإسلامي الأستاذ الكبير محمد عثمان على رأس فرقة جمعية الشبان المسلمين، وكنا نتعاون في كل شؤون المسرح الإسلامي وتربطنا صداقة قوية وإخوة صادقة يزينها خلقه الفاضل ويدعمها فنه الأصيل.
وبدأ المسرح الإسلامي كضرورة لازمة للدفاع عن الوطن الإسلامي، ونشر الدعوة ولفتة متبادلة بين شعوب المسلمين على امتداد رقعتها واتساع شعوبها، وظهر الكيد الصهيوني وبدت بوادره على أرض فلسطين، فكتبت مسرحية «صلاح الدين الأيوبي» وكان سباقًا بين نشوب المعارك وإتمام كتابة المسرحية.
وحدد لتمثيلها وإذاعتها على مسرح دار الأوبرا يوم ٢٥ يوم ١٩٤٨، وطلبت تقديم تاريخ عرضها بدار الأوبرا مع إذاعتها إلى يوم الجمعة ١٤ مايو ١٩٤٨، وهو اليوم الذي حدد لزحف الجيوش العربية والإسلامية لتعمل عملها مع قصف المدافع وأزيز الطائرات لإدراك الغاية ورفع الراية، وإصابة الأهداف، وكان بعض أعضاء فريق التمثيل ضمن المقاتلين في ميدان الحرب منهم الأساتذة إبراهيم الشامي وفطين عبد الحميد وإبراهيم القرش، وكان المفروض أن يخرج المسرحية الأستاذ زكي طليمات، ولما كنت لم أنته من كتابة فصلها الأخير، فقد قام بإخراجها الدكتور إبراهيم سكر من أعضاء الفريق وخريجي معهد التمثيل، وتأزمت الأمور وعظمت الشدائد وبعد أن صرحت وزارة الشؤون الاجتماعية بإذاعة المسرحية ونشر ذلك في مجلة الإذاعة ضمن برامجها، وقف الأستاذ سلیمان نجیب مدير دار الأوبرا، يطالب بعدم إذاعتها، فقد تطيح إذاعتها بمنصبه!!
وتمسكت بحقي وحق الفريق في إذاعتها وحسم الأمر فضيلة الإمام حسن البنا المرشد العام وأقنعني بالموافقة على عدم الإذاعة، فكتبت على صفحات البرنامج الذي يحمل أسماء الممثلين: «المسرحية التي هابت الحكومة قوتها فمنعت إذاعتها...»
أدعو الله تعالى أن يتقبل هذا الجهاد خالصًا لوجهه، كما تقبل إخلاص صلاح الدين الأيوبي، حينما قالوا له، لقد استدعوا يا مولاي ملوكهم ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، وفيليب ملك فرنسا وفريدريك بارباروسا إمبراطور ألمانيا، فيجيب، ولقد استدعيت ملائكة ربي وشهداء ديني جبريل على ثناياه النصح، ومحمد على راياته النصر وجعفر يطير في الجنة بجناحين مضرجة قوادمه بالدماء.
وسمعت بمسرحنا ومسرحياتنا مسارح مصر فبدأ بعضها يطلب مني الكتابة إليهم وفعلًا استجبت لبعضهم، لكن كانوا يقومون بتمثيل ذلك بعيدًا عن فرقتنا وتسامع الناس بما يجري على مسرح أوبرا ملك، وقالوا: إن الأزهر قد نقل بعض قداسته إلى ذلك المسرح حيث حضر مسرحية «سعدي» آنذاك بعض الوزراء والمستشارون، وجاء الأستاذ فتوح نشاطي يقول: كان أولى أن تعطى هذه المسرحية لفرقتنا القومية.
وكانت مقصورة الأديب الكبير محمود بك تيمور إلى جواري، فكان حين يتعالى التصفيق يقول إنه للحوار واللغة، وليس فقط للتمثيل... وجاءت السيدة فاطمة رشدي، وكان لها مكانة بين أهل التمثيل ونحن نقوم «ببروفات» مسرحية غزوة بدر فاعتذرنا لها بان مسرحيتنا خالية من العنصر النسائي.
وأذكر أننا قدمنا أيضًا مسرحية «بنت الإخشيد» التي طبعت وأخرجها الأستاذ سعد أردش لإذاعة الجزائر في ١٥ حلقة تشيد بمجد العروبة ومفاخر الإسلام.
احتجاج من الإخوان
وجاء دور إعادة تمثيل مسرحية جميل بثينة التي أخرجها الأستاذ سراج منير وكانت تجري بروفاتها على مسرح حديقة الأزبكية إعدادًا لتمثيلها على مسرح دار الأوبرا، وثارت ثائرة بعض الإخوان الأعزة وكنت يومها دون لحية قبل عام ١٩٤٨ وقالوا أحدث عبد الرحمن الساعاتي «البنا» حدثًا، وذكر الإمام حسن البنا ما قاله لي يوم إنشاء الفريق «اترك ذلك لإيمانك ودينك» فأخذ هذا النفر من الإخوان الكرام وذهب لتفحص البروفات فإذا به يسمع:
فتبًا لقلب لم ير الله فوقه *** ولم يخش بطش البارئ الرحمن
ولم يستمع صوت الضمير مناديًا *** تجنب سبيل الغي والخسران
ففي أي عصر أسرفت بنت يعرب *** تأوم عرضًا بالمتاع الفاني
لقد وصفوها بالمجون وقاحة *** وجاءوا بقول الزور والشنآن
ألم تر قول الإفك في زوج أحمد *** وليس لها فيما يقال يدان
فرد إله العرش أقوال إفكهم *** وبرأها بالوحي والقرآن
فلو كنت ترقى للسماء بسلم *** وأضحی قریبًا فالبعيد الثاني
سأسمو بطهري في الورى ونزاهتي *** وأعلو مع القصبان بالطيران
وعاد الإخوة الكرام إلى طبيعتهم، وغلبت طيبتهم غضبهم، وكذلك ربينا ونشئنا والحمد لله رب العالمين.
وأذكر أنني قبل طبع «جميل بثينة» وتقديمها ذهبت مع الأخ الكريم الأستاذ محمد حلمي نور الدين إلى منزل الممثل حسين رياض، وكانت تربطه بالأستاذ حلمي نور الدين صلة قرابة، فأسمعته المسرحية، فطرب لها واختال، وحين سألته هل تصلح للتمثيل؟
قال بلهجته الفصيحة البليغة: «يا أستاذ هذه المسرحية تمثل، وتحدث ضجة».
صدى واسع:
وطبعت المسرحية بعد ذلك ووزعت بعض نسخها على المكتبات ومنها مكتبة الوفد بشارع الفلكي بباب اللوق وكنت أتردد على المكتبة كل حين، شأن المؤلفين الناشئين، فإذا ببطاقة تحمل اسمًا كريمًا «عمر سري- ۱۰ ش الطلمبات- جاردن سيتي» أخذ نسخة الرواية وترك بطاقته ورجا أن يراني... ولقيت الرجل فإذا العلم والفضل وحسن الظن والإكرام والتكريم، حتى أجلسني على مكتبه في مكتبته المليئة بالكتب في مختلف العلوم وعلى بعض رفوفها مسرحيات أمير الشعراء أحمد شوقي وأيضًا جميل بثينة أبدى إعجابه واستعداده لكل مساعدة، وقال: إنك ترفعنا في شعرك إلى آفاق عالية، وتترفق بنا عند النزول متدرجًا، ولكن شوقي بك يرفعنا حتى نقارب السماء ثم يهوي بنا في مثل قوله:
هس هس هيا كلي من ترمس
فأجبته أين أنا من منزلة شوقي في الشعر؟ ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه. ولما ذكر النقاد بعد عرض المسرحية المقارنة بين مسرحيتي ومسرح شوقي قالوا: إن شوقي تفوق شعرًا والساعاتي تفوق في الحبكة والعنصر الدرامي.
وحين نشرت الصحف المقارنة مستشهدة بنصوص من مسرحيتي ومما كتبه أحمد شوقي ساءني ذلك، فأمير الشعراء شوقي، قمة لا تدانى.
أشخاص الرواية بترتيب ظهورهم على المسرح
عبد الصمد الكاتب مصطفى شرف أبو الهيجاء الهدياني نظير عبد الجابر
القاضي العويرس محمد عبد المعبود ريتشارد (قلب الأسد) محمد خليل
عمارة الحمني يوسف عبد الواحد جود فری (ملك القدس) نور الدين الحنفاوي
داعي الدعاة عبد الحكيم كفافي ومحتوك ( عقل خوداری ) عبد المنعم عمر
أبو البهائيل المحذوب عبدالرحمن بدوي علام القصر محمد زيدان
نديم المعنى أحمد عبد القادر رسول فلسطين عثمان محمود
رمیل ندیم حلمي قطة الطريق محمد عبد اللطيف
بهاء الدين قراقوش عبد المنعم إبراهيم الجنود وفرق الأناشيد من جواله الإخوان المسلمين
الملك العادل إبراهيم سكر -------- ----------
عبد الرحيم الحساني ( العالمي الفاضل ) محمد حسين
صلاح الدين محمد السبع مدير مسرح الأوبرا شكري راغب
الأمير عثمان عبد المنعم علي بصر مساعد مدير المسرح مصطفي شرف
الملك الظاهر عزت القاضي الملقن محروس عبدالوهاب
الملك الأفضل زغلول كوك الماكياج نظير عبد الجابر
حسين محمد حسين
من أعضاء الفريق في ميدان الحرب الآن: إبراهيم الشامي ..فطين عبد الحميد .. إبراهيم القرش
وخلاصة القول: إنني ألفت ثماني مسرحيات: «جميل بثينة» شعرية، المعز لدين الله الفاطمي، صلاح الدين الأيوبي، الهجرة، غزوة بدر، حصار في الشعب، سعدى بنت الإخشيد، طبعت كلها وطبع بعضها عدة طبعات عدا مسرحية سعدي، فقد اختص بها مسرح أوبرا ملك، ومثلت كلها على أكبر مسرحين في القاهرة: دار الأوبرا ومسرح حديقة الأزبكية، وأذاعت معظمها محطة الإذاعة المصرية، وكان نجاحها بفضل الله عظيمًا، فقاعة المسرح مكتظة بالجماهير التي تزهي بالقيادات الرسمية وسفراء الدول الإسلامية فممن شاهد مسرحية المعز لدين الله الفاطمي بمسرح دار الأوبرا يوم الأربعاء أول مايو سنة ١٩٤٦ معالي «تحسين باشا العسكري» سفير العراق بمصر آنذاك، وسماحة السيد محمد صادق المجددي سفير أفغانستان في ذلك الوقت وكان ممن شهد مسرحية الهجرة الزعيم المجاهد الأمير عبد الكريم الخطابي ومعالي صالح حرب باشا...
دعوة لإنشاء مسرح إسلامي
وظل المسرح الإسلامي على مدى أربعة عشر عامًا من سنة ١٩٣٤ يزهو ويزدهر ثم توقف رغم توفر أسباب نجاحه، فالممثلون الذين بدأوا صغارًا كبروا وتفوقوا وأصبحوا ممثلين في القمة، واعتقد أنه يمكن لوزارة الأوقاف وروافدها الإسلامية، كالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ولدول الإسلام التي تعني بالمسرح الإسلامي، كالكويت والسعودية وغيرهما أن تتعاون لإيجاد المسرح الإسلامي الذي يربطها روحيًّا وثقافيًّا، وليس أقوى على ربطها ووحدتها من المسرحية الإسلامية التي تكتب شعرًا إذا كان أبطالها شعراء، فتكون هناك المطابقة، ويجد الشعر مجاله ويؤدي رسالته، على أن يكون شعرًا فصيحًا مقفى أما المسرحية التي تروي التاريخ وتدفع إلى الجهاد فتكتب نثرًا، حيث يعين النثر على إتقان الصنعة، وإحكام الحبكة، وتكون آيات الجهاد ونصوص القرآن الكريم نجومًا تلمع في الحوار، وشهبًا تنقض على رؤوس الأعداء المناوئين وليس أقوى على الربط بين الشعوب الإسلامية ووحدتها من المسرحية الإسلامية، تصاغ باللغة العربية الفصحى السلسلة المطواعة، فتفهم على طول الرقعة العربية والإسلامية الممتدة من حدود الأندلس إلى الصين، وتكون لغة موحدة للآمال والمقاصد العالية، التي تعمل لها هذه الأمم جميعًا... والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل