العنوان تراجم إسلامية في الفكر والحركة في تركيا المعاصرة «2».. الشيخ عاطف الإسكيليبي
الكاتب محمد حرب عبد الحميد
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1980
مشاهدات 117
نشر في العدد 487
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 01-يوليو-1980
شهيد تحدي التغريب وقانون القبعة «1»
- الشيخ عاطف أول من احتج على احتلال اليونان المدينة أزمير...
- رسالة (تقليد الفرنجة والقبعة) تُعِدم الشيخ عاطفًا مع ٤٤ مسلمًا!!
- دعا الشيخ عاطف إلى معاقبة الذين يخلون بواجب الستر ولا يرعون الحجاب.
- «لم يستطيعوا أن يقولوا قتلناه... ذلك أنهم كانوا يخافون حتى من جثته بعد موته!!»
حياته
اسمه محمد عاطف، ويطلقون عليه عاطف أفندي، أو عاطف خوجه وكلاهما يعني عالم الدين، ولد الشيخ عاطف الأسكيليبلي عام 1876 في قرية طوبخانة التابعة لإسكيليب «في الأناضول» من أسرة عريقة في العلم عريقة في النسب. كان تحصيله الأولى في قريته. أما في عامي ۱۸۹۱ -۱۸۹۲ فقد تلقى بداية علومه الدينية في إسكيليب نفسها، ومن ثم انتقل إلى استانبول حيث كان وصوله إليها في إبريل عام ۱۸۹۳.
أنهى دراسته الدينية وقد بلغ من العمر ٢٦ عامًا، وفي عام ١٩٠٢ حصل على إجازته العلمية، وفي نفس هذا العام دخل امتحان التقدم لكلية الإلهيات التي كانت تابعة لجامعة استانبول، فكان ترتيبه الثاني على المتقدمين، وفي عام ١٩٠٥ تخرج في هذه الكلية وعين معلمًا بدرجة «درس عام» في جامع الفاتح وبذلك أتيح له التصدي لإلقاء الدروس الدينية من فوق كرسي الوعاظ هناك، وبالتالي بدأ الشيخ عاطف أفندي في التدريس.
كما كان يكتب المقالات الدينية والشرعية في مجلتي «بيان الحق» و«صراط مستقيم» أشهر المجلات الإسلامية في الدولة العثمانية.
وعندما أجبرت جمعية الاتحاد والترقي عام ١٩٠٨ السلطان عبد الحميد الثاني على إعلان المشروطية على أسس النظم الغربية، بدأ عهد الاتحاد والترقي وبدأت معه آلام الشيخ عاطف أفندي، فأبعدته الجمعية عن استانبول، إلى سينوب ثم إلى جوروم ثم إلى بوغارليان وإلى سنقرلو «من بلاد الأناضول» ثم أطلق سراحه بعد نفي أربع سنوات.
وعندما حدثت الانتخابات في عهد الاتحاد والترقي اختاره أهل جوروم نائبًا عنهم، فانتهز الفرصة لينتقد حكم الاتحاد والترقي، وكان أن أصبح مديرًا عامًا للمدرسة الابتدائية الداخلية باستانبول، فلم يسكت وظل مداومًا على نشر المقالات الدينية لتوعية المسلمين بأوضاعهم، فأكثر من الكتابة في مجلة محفل وركز على التوعية بأسس الفقه الإسلامي باعتبار أنها روح الشريعة الإسلامية.
كان الشيخ عاطف أفندي، مقصد المسلمين الذين كانوا يفدون من كل جهات العالم إلى استانبول باعتبارها مركز الخلافة الإسلامية، من اليابان من العراق ومن القرم وغيرها، يستفتون الشيخ عاطف أفندي في أمور دينهم، ولم يكن يرد قاصدًا إلا بعد أن يكرمه، فزاد هذا العلم الغزير والكرم، احترام الشيخ في قلوب المسلمين.
وعندما احتل اليونانيون أزمير في الحرب العالمية الثانية، كانت جمعية تعالي إسلام «أي رفعة الإسلام» التي أسسها الشيخ عاطف أفندي أول من احتج لدفع المعتدي.
قام الشيخ عاطف أفندي بتدريس مادة التفسير في القسم العالي في مدرسة دار الخلافة، ومادة حكمة التشريع في مدرسة القضاة باستانبول، كما اشترك في دروس مجلس السلطان «حضور درسلري» وهي مناظرات علمية يقوم بها العلماء في حضور السلطان العثماني.
واستمر الشيخ في وظيفته مديرًا للمدرسة الابتدائية ومدرسًا حتى عام ١٩٢٤، أما بعد هذا التاريخ فقد اقتصرت مهامه على التدريس فقط في جامع الفاتح مدرسًا واعظًا.
كانت الثورة التي قادها مصطفى كمال «أتاتورك» قد ألغت التعليم الديني في ١٥ فبراير عام ١٩٢٤، وقد اتخذ مصطفى كمال هذا القرار في مجلس من قادة الجيش والأركان، ومعه قرارين آخرين، والقرارات الثلاثة كانت كالآتي:
- إلغاء الخلافة.
- إلغاء وزارة الأوقاف والأمور الشرعية.
- توحيد التعليم.
وفي ٣ مارس عام ١٩٢٤ تم اتخاذ قرار مجلس الأمة التركي بإلغاء الخلافة وطرد كل أفراد آل عثمان خارج البلاد ونفذ هذا القرار في ليلة الموافقة عليه[1].
أما في عام ١٩٢٥ فقد صدر قانون الملابس في تركيا، والذي يستبدل الطربوش بالقبعة.
وقبل صدور هذا القانون بعام كامل وأربعة أشهر كان الشيخ عاطف أفندي قد أصدر رسالة بعنوان «تقليد الفرنجة والقبعة».
أما في يوم الخميس ٤ فبراير
عام ١٩٢٦، فقد نفذ حكم الإعدام على الشيخ عاطف أفندي هو و ٤٤
مسلمًا، حيث كانت رسالته المذكورة هي السبب المباشر لإعدامه.
في اليوم التالي صدرت الصحف التركية بالعنوان التالي:
«تنفيذ حكم الإعدام في الشيخ عاطف الإسكيليبلي مؤلف الكتب الرجعية» ولما أرادت زوجته التأكد من خبر إعدامه، أرسلت برقية إلى مدیر سجن أنقرة، فجاءها الجواب كالتالي: «مات الشيخ عاطف أفندي».
يعقب على هذا الرد المقتضب، الكاتب الإسلامي الشاب المؤرخ صادق آل بايراق بقوله: «لم يستطيعوا أن يقولوا قتلناه.. ذلك أنهم كانوا يخافون.. كانوا يخافون حتى من جثته بعد موته».
فكر الشيخ عاطف أفندي:
يمكن استقراء فكر عاطف أفندي من خلال مقالاته ورسالاته وكتبه وخطبه، ويمكن وضع خطوط فكره العريضة على النحو التالي:
اتباع أهل السنة والجماعة
يقول عاطف أفندي في مرأة الإسلام:
«مذهب أهل السنة والجماعة هو الحق. وكل ما عدا هذا باطلٌ. واعتقاد أهل السنة والجماعة هو الطريق الحق المستقيم والذي بينه جناب الله في القرآن الكريم، والذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم بأحاديثه الشريفة، وليس في اعتقاد من اتبع هذا، أي اعوجاج.....»
تعريف الخليفة
يقول عاطف أفندي: «الخليفة» هو خلف لسيدنا الرسول، مهمته النظر في أعمال الناس الدينية والدنيوية، وهو الرئيس العام الذي يدير هذه الأعمال، واختيار الخليفة واجب على كل المسلمين، ويشترط أن يتوفر في الخليفة أن يكون مسلمًا، حرًا، ذكرًا، بالغًا، عاقلًا، قادرًا على إدارة أمور الأمة، وعلي الحفاظ على البلاد، وعلي تنفيذ أحكام الدين، ويصبح الشخص الذي تتوفر فيه هذه الشروط خليفة، بقبول علماء الأمة وعقلائها له خليفة للرسول وحاكمًا على الناس، وواجب على عموم المسلمين وغير المسلمين الذين يقبلون التبعية للحكومة الإسلامية إطاعة أوامر الخليفة التي تتفق والشريعة الإسلامية، وأن يكونوا جنودًا، وأن يدفعوا الضرائب، وألا يعصونه ولا يقومون ضده، أما الذين لا يخضعون لأوامره المتفقة والشريعة والذين لا يكونون جنودًا ولا يدفعون الضرائب، يكونون عصاة مذنبين، ولكن تنفيذ أوامره التي تخالف الشريعة فحرام[2].
واجبات الشعب تجاه الخلافة
يذكر عاطف أفندي واجبات الناس تجاه الخلافة في عشر واجبات كالآتي:
- إطاعة أوامر الخليفة وعماله إذا وافقت الشريعة.
- دفع الضرائب الواجب دفعها للحكومة شرعًا مثل العشر والخراج وزكاة الأموال الظاهرة في حينها.
- أداء الخدمة العسكرية.
- معاونة الحكومة في كل ما هو حق، مالًا وبدنًا وفكرًا ولسانًا وقلمًا.
- بجانب عدم القيام ضد الخليفة، فالواجب صيانة الخليفة وحمايته من أصحاب الفساد ومن فتن أصحاب الفتنة، وكذلك من مؤامرات أعدائه.
- تحويل قلوب عموم التبعة «الشعب» خاصة هؤلاء الذين ينفرون من الخليفة، من العداء له إلى واجبه وطاعته.
- إخبار الخليفة بظلم موظفيه وعامليه وبمعاملاتهم السيئة.
- إيقاظ الخليفة إذا أغفل ومنعه من الظلم، وإرشاده إلى طريق الحق والعدل بتصحيح خطئه، ومنعه من ارتكاب المعصية.
- إظهار الاحترام اللائق للخليفة، والدعاء له بصلاح أمره.
- تقديم النصح للخليفة سرًا أو علانية[3].
وجوب البيعة للخليفة
يقول عاطف أفندي في ذلك: «إن بيعة المسلمين للخليفة أمر واجب، وهو ثابت بالعقل والشرع. والدليل الشرعي في هذا، هو إجماع الصحابة والتابعين واتفاقهم عليه، ففي يوم وفاة سيدنا الرسول_ صلوات الله وسلامه عليه_ اجتمع الصحابة رضوان الله عليهم قبل دفنه _صلى الله عليه وسلم_ في المكان الذي أطلق عليه سقيفة بني ساعدة وتشاوروا في أمر بيعة الخليفة وبايعوا سيدنا الصديق رضي الله عنه بعد أن اتفقت كل آراء الأمة على أنه أحق وأليق الجميع المقام الخلافة، وقد استمر الوضع على هذه الشاكلة أيضًا في عهد الصحابة وعهد التابعين من بعد، وبناء على ذلك فإن وجوب تعيين الخليفة ثابت بإجماع الأمة بطريق الأدلة الشرعية[4].
ضرورة وجود الخلافة القوية
في هذا يقول عاطف أفندي: «...وحيث إن الغاية الأساسية في الخلافة، هي تنفيذ أحكام الشريعة وتنظيم شؤون الأمة؛ ولأن هذا يستلزم الاعتماد على القوة والسلطة، فإن الأصل في شروط الخلافة والذي يتقدم على
كل الشروط هو: القدرة والقوة[5]».
مسئولية الأمة تجاه الشرع
حث عاطف أفندي الأمة على التحرر من أنواع الأسر بقوله: «أيتها الأمة! إذا كنتم تريدون التخلص من الظلم، إذا كنتم تريدون التحرر كليةً من الأسر، فاكسبوا أنفسكم القدرة على الإيفاء بواجباتكم الشرعية، ثوروا ضد ظلم الظالم، بأي شكل كان، ثوروا ضد كل عمل مخالف للدين يقوم به فرد أو تقوم به حكومة.[6]»
مسئولية الأمة تجاه العدو الغاصب
في مقالة له بعنوان «الجهاد»نشرها في بيان الحق قال عاطف أفندي موجهًا حديثة للأمة المسلمة: «إن الأمة المسلمة سواء كانت في منطقة الروملي «أوروبا الشرقية وكانت تابعة للدولة العثمانية»، أو في الولايات الأخرى أو حتى في الشرق أو في الغرب إذا أظهرت هذه الأمة التكاسل في الحرب ضد العدو الغاضب سواء كان هذا التكاسل بدنيًا أو ماليًا، وإذا ما تسببت هذه الأمة «في أي مكان هي فيه» في هزيمة الحكومة الإسلامية أو تسببت في انهيارها كلية، فإن أفراد هذه الأمة المسلمة جميعًا آثمون قد
ارتكبوا بذلك الذنب الكبير مثل ذلك مثل قتل النفس، وأكل لحم الخنزير وشرب الخمر وارتكاب الزنا، وتكون الأمة كلها قد عصت
شريعة الله»[7]
مثل المتبرع بثمن مسمار في مدمرة حرب إسلامية
يقول الشيخ عاطف أفندي في مقالة له بعنوان «القوات البرية والبحرية في نظر الشريعة» نشرها في جريدة صراط مستقيم في ١٠ سبتمبر عام ۱۹۱۰ ما نصه: «لو أن شخصًا دفع عشر عملات «باره» من النقود مساعدة للأسطول، ونتج عن هذه المساعدة مسمار في مدمرة اشترتها «الدولة الإسلامية أو صنعتها لحسابها» وتم دفع هذه المدمرة إلى الحرب، وكان المسمار «موضوع الحديث» فيها، فإن للشخص المتبرع بالمبلغ المذكور أجره، وثوابه دائمًا سواء في حياته أو بعد موته وكما لو كان اشترك بالفعل في الحرب»[8].
الحجاب والمرأة المسلمة
للشيخ عاطف أفندي رسالة في تستر المرأة المسلمة وحجابها بعنوان «التستر الشرعي» يقول فيها:
- المرأة مجبرة على الاشتغال بالأعمال المنزلية، وبتربية الأطفال فهذا من وظائفها الأساسية.
- ضرورة منع ما يفسد سعادة العائلة من أسباب الكدر والوهم والوقوع في الشبهات ذلك الذي يحدث عند رؤية رجل عفيف، وشريف لعائلته وهي تختلط برجال أجانب عنها، فيأخذ منه الشك مأخذًا، ويتولد من هذا السبب حدوث النفور بين الرجل وأهله.
- ضمان سعادة الأسرة في إطار العفة، والشرف بمنع زيادة سوء الخلق ومنع الفواحش وظهورها.
لذلك، يجب منع الذين يعملون للإخلال بهذا قولًا وكتابة وفعلًا ومعاقبتهم، كذلك الأمر للذين لا يرعون الحجاب من الناس. إن هذا من الواجبات الدينية الإداريين «المسئولين» الذين تكون مهمتهم حكم الناس.
أما الذين يبدون- من هؤلاء- تسامحًا أو إهمالًا فإنهم يكونون مسئولین أمام الله؛ لأنهم لم يوفوا بواجباتهم الشرعية وهم بذلك يستحقون العذاب الإلهي والجزاء السيء، وإنه لفرض على كل مسلم، كل حسب قدرته، تنفيذ أوامر الدين ونواهيه، بدفاعه وبمواجهة الذين يعملون على إزالة شعار من شعائر الإسلام أو أركانه أو لغوها»[9]
أعمال عاطف أفندي
يورد نجيب فاضل في كتابه «المظلومون من الإسلاميين في العهد الأخير» استانبول ۱۹۷۷» أثناء حديثه عن عاطف أفندي قائمة بأعماله أوردها بالتالي كالآتي: «ملاحظة أن عاطف أفندي لم يكتب إلا بالتركية»
- مرأة الإسلام.
- طريق الإسلام.
- دعوة الإسلام.
- المسكرات في دين الإسلام.
- القوات البرية والبحرية في نظر الشريعة.
- التستر الشرعي.
- حضارة الشريعة.
- تقليد الفرنجة والقبعة «وهو الكتاب الذي شنق بسببه».
[1])) انظر: مظفر کومکان؛ مضبطة خمسين عامًا من الجمهورية ١٩٢٣- 1973، إستانبول 1973
(2) طريق الإسلام ص ۷۷- ۷۹، عن صادق آل بايراق، معركة الدين في تركيا. إستانبول ١٩٧٥ ص ٥١٦
(3)عاطف أفندي طريق الإسلام إستانبول ۱۹۲۲، عن صادق آل بايراق معركة الدين ص٢١٦
(4) شريعة الحضارة، نقلًا عن صادق آل بأبران، السائرون والمنفيون في سبيل الشريعة، ص ۳۹ إستانبول ۱۹۷۹
(5)المرجع السابق ص ٤٠
(6) نفس المرجع ص٤١
(7)المرجع السابق ص38
(8)عاطف أفندي، القوات البرية والبحرية في نظر الشريعة مجلة صراط مستقيم ج 5ص 77 23سبتمبر/ 1326/ ۱۹۱۰، نقلًا عن صادق بايراق المرجع السابق ص٢٦
(9)محمد عاطف أفندي، تستر شرعي، ص ١-١٦، استانبول ۱۹۲۳ نقلًا عن معركة الدين في تركيا لصادق آل بايراق، استانبول ١٩٧٥
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل