العنوان الشيخ الإمام محمد عبده
الكاتب د. هشام الحمامي
تاريخ النشر السبت 19-أغسطس-2006
مشاهدات 2
نشر في العدد 1715
نشر في الصفحة 42
السبت 19-أغسطس-2006
رواد الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث
الشيخ
الإمام محمد عبده
د. هشام الحمامي
·
في مرض موته قال له تلميذه رشيد رضا: لقد أعطيت
نفسًا أبية وعزيمة قوية وما عهدنا فيك ضعفًا
·
فرد عليه متألمًا مبتسمًا: دعني من نفسي.. فما
أبالي بها ومن عزيمتي فما كنت يومًا مرتخصًا لها وما أنا بآسف على الحياة
·
فكرة التربية كانت تسكن وعيه الإصلاحي بعمق أكثر
من الثورة والعمل السري.. ولكن القوة التأثيرية للأفغاني جعلته يخوض غمار كل
التجارب
سبعة وخمسون عامًا« 1849م - 1925م » هي طول
الرحلة.. ولأن العظماء تقاس أعمارهم بمادتها لا مدتها فإن مادة عمر الشيخ الإمام
كانت شديدة الكثافة والتنوع والثراء.. الفكري والحركي.. السياسي والثقافي.. العلمي
والاجتماعي.. صال وجال في كل هذه الميادين وراكم تجارب وخبرات غنية موفورة بالمعنى
والقيمة والعبرة والدلالة.
ثورة وسجن ومنفى وعمل سري وعلني وصدام مع الحكام
والعلماء وحوارات مع مفكرين وفلاسفة وسياسيين.. خاصم وصالح.. كتب ووعظ وأفتى.. رحل
وارتحل راضيًا ومكرهًا.. حياة عريضة خصبة ما أغناها وما أقلقها.
فيارب إن قدرت رجعي قريبة
إلى عالم
الأرواح وانفض خاتم
فبارك على الإسلام وارزقه مرشدًا
رشيدًا يضيء
النهج والليل قاتم
كانت هذه كلماته وهو على فراش الموت وحوله أهله
وأصدقاؤه، وعلى رأسهم تلميذه النجيب رشيد رضا.. الذي يبدو أنه كان المقصود
بالدعوات التي في الأبيات السابقة.
تلقى تعليمه الأولي في المسجد الأحمدي بطنطا
القريبة من قريته شبراخيت – دمنهور، وهجر التعليم مبكرًا وعاد ليعمل «فلاحًا» ويتزوج،
ولكن والده وخال والده رفضا ذلك، فعاد إلى التعليم.. وانتقل إلى القاهرة «1866م»
وبدأت الرحلة.. تعرف على الأفغاني وواظب على حضور دروسه في منزله وانفعل بها، فكان
يلقيها على زملائه في حماس.. حصل على العالمية «1878م» وعين مدرسًا للتاريخ بمدرسة دار العلوم
العليا، بعدها بعام نفي الأفغاني من مصر، وعزل محمد عبده من التدريس، وأعيد إلى
قريته التي مكث بها عامًا واحدًا حتى توسط له رئيس الوزراء رياض باشا عند الخديوي
توفيق وعينه في «الوقائع المصرية» الذي ما لبث أن رأس تحريرها.. وعين عضوًا بالمجلس
الأعلى للمعارف العمومية.. قامت الثورة العرابية فشارك في قيادتها.. وفشلت بعد أن
فتتها قهر الإنجليز وخيانة البطانة، وحكم عليه بالنفي ثلاث سنوات فذهب إلى بيروت
التي استقبله أهلها بحفاوة بالغة وأكبره علماؤها، ولأن الأسد لا غربة له حيثما
ينقلب تنقلب معه قوته.. فقد ساهم هناك بدور كبير في الإصلاح التعليمي وتأسيس
المدارس الرسمية.
العروة الوثقى
ويبدو أن فكرة التربية كانت تسكن وعيه الإصلاحي
بعمق أكثر من الثورة والعمل السري، ولكن القوة التأثيرية للأفغاني جعلته يخوض غمار
كل التجارب.. ففي أواخر عام 1883م جاءه خطاب من الأفغاني باللحاق به في باريس،
فيترك زوجته وبناته الثلاث في رعاية أصدقائه في بيروت، ويلبي دعوة من لا يسعه
مخالفته.. وعندما يصل إلى باريس يجد الأفغاني قد أنشأ «تنظيمًا» محكمًا اسمه «العروة
الوثقى».. وتم الإعداد لإصدار جريدة بالعنوان نفسه يرأس تحريرها الأفغاني، وينوب
عنه محمد عبده، ويحكي شكيب أرسلان في كتابه «حاضر العالم الإسلامي» أن الإمام قال
له: إن الأفكار في العروة الوثقى كلها «للسيد» - يقصد جمال الدين - ليس لي منها
فكرة واحدة، والعبار ةكلها لي ليس له منها كلمة واحدة.. وهي الجريدة التي لم يصدر
منها سوى 18 عددًا في سبعة
أشهر «مارس إلى أكتوبر».. وكانت توزع في العالم الإسلامي، وكان تأثيرها قويًا
مدويًا.
يذكر الشيخ سلمان الكيلاني، وهـو أحد علماء
العراق، أنه كلما ظهر عدد
من العروة الوثقى يوشك أن تقع ثورة من تأثير هذه الجريدة قبل أن يجيء العدد
الذي بعد هذا.. وفي المعنى نفسه يقول الشيخ حسين الجسر، أحد كبار علماء سوريا:
«كانت تحدث انقلابًا عظيمًا في العالم الإسلامي ولو طال عليها الزمان»، وبالطبع
منعت الجريدة من دخول مصر والهند.
وبدعوة من أحد الإنجليز المتعاطفين مع المسألة
الشرقية يذهب محمد عبده إلى لندن صيف 1884م، ويرتب له الرجل مقابلات مع عدد من
رجال السياسة البريطانية أعضاء مجلس العموم.
في تونس
بعد توقف العروة الوثقى وانقضاء مدة النفي، بدا
أن الأمر يحتاج إلى حركة جديدة في اتجاهات جديدة، فأشار عليه جمال الدين فغاني أن
يذهب إلى تونس 1885م ليلتقي علماءها وشيوخها، وكان أن أتم الزيارة بنتائج ليست
مرضية بالقدر الكافي فيعود إلى بيروت حيث أسرته ما زالت هناك، ويدخل مصر متخفيًا
خلال الرحلة إلى بيروت باسم مستعار «العربي بسيس».. وسرعان ما يغادرها .. ويمكث في
بيروت أربع سنوات يتم خلالها ترجمة رسالة «الرد على الدهريين» للأفغاني.. ويلقي
الدروس في الجامع الكبير ويتزوج ثانية بعد وفاة زوجته الأولى.. وتتراخى حبال الود بينه
وبين أستاذه وأحب الناس إليه الذي اختار أن يعيش دومًا على حافة المأساة.. ويبدو
أن العمر والغربة وطول السفر، مع ما أشرنا إليه قبلًا من أن العمل الإصلاحي
التربوي كان سكن وعيه بعمق.. جعلته يبحث فكرة العودة إلى مصر، وتنجح مساعي أصدقائه
- وعلى رأسهم سعد زغلول - فيصدر عفو الخديوي عنه، ويعود إلى مصر 1889م بعد أن قرر قرارًا نهائيًا باجتناب العمل
السياسي كلية.. وليس من يطلبني الآن سوى «أنا» القديم.
فيعمل بالقضاء ويكثف جهوده لإصلاح المؤسسات
الإسلامية «الأزهر والأوقاف والمساجد»،
وسعى كرومر لمعاونته في تحقيق هذه الأهداف ليناهض به التيار الشعبي الثوري الذي
كان متمثلًا في مصطفى كامل.. ويبدو أن هذه الصلات بكرومر لم تكن مريحة لأطراف
كثيرة على رأسها الخديوي «عباس حلمي» إضافة لموقفه التاريخي من أسرة محمد علي وتصديه
لأطماعها في أراضي الأوقاف.
مفتي الديار المصرية: في يونيو 1899م يتولى الشيخ الإمام منصب مفتي الديار
المصرية.. وكانت فترة شديدة الخصوبة والثراء العلمي والفقهي لدار الإفتاء، فقد
أصدر مجموعة من الفتاوى وصلت بين النص والواقع المتطور، على نحو لم يكن معهودًا من
قبل.. ولم تخل هذه الفترة من منغصات ومعاندات، فتوترت العلاقة بينه وبين الخديوي
عباس إلى الحد الذي دفعه لتقديم استقالته في يناير 1904م، ولكنه رفضها وطلب منه
الاستمرار في منصبه.
وفي الحادى عشر من يوليو 1905م تشارف الرحلة على
نهايتها.. ويقول له رشيد رضا وهو يغالب النهاية: «لقد أعطيت نفسًا أبية، وعزيمة
قوية، وما عهدنا فيك ضعفًا».. فيقول له الإمام متألمًا مبتسمًا - رغم شدة الداء: «دعني
من نفسي.. فما أبالي بها، ومن عزيمتي.. فما كنت يومًا مرتخصًا لها، وما أنا بآسف
على الحياة».
لم ير رحمه الله من ثمرات غرسه في میدان التجديد
والإصلاح إلا القليل.. إلا أن صيحاته في هذا الميدان جعلته رائدًا كبيرًا من
رواده.. إذ أنه بحق أوفى من أشار إلى اتجاهات كل البدايات الصحيحة.. فهو الذي أدخل
في برامج التعليم في الأزهر الجغرافيا والتاريخ وعلم الأحياء والرياضيات والفلسفة
فسرت في الأزهر روح جديدة.. وهو الذي أصلح المحاكم الشرعية، وهو الذي أسس جمعية
إحياء الكتب العربية بعد أن كانت حكرًا على المستشرقين، ناهيك عن مجادلاته
وحواراته الفكرية الخصبة مع فرح أنطون وتولستوي وهانوتو المفكر ووزير الخارجية
الفرنسي.
وينعاه
صديقه شاعر النيل حافظ إبراهيم عند وفاته بقصيدة من أصداء روحه:
أبنت لنا التنزيل حكمًا وحكمة
وفرقت بين
النور والظلمات
ووفقت بين الدين والعلم والحجا
فاطلعت
نورًا من ثلاث جهات
وقفت لـ «هانونو» و«رينان» وقفة
أمدك فيها الروح بالنفحات
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل