; الشيخ القرضاوي- الظهور العلماني الجديد يستهدف مقاومة الصحوة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ القرضاوي- الظهور العلماني الجديد يستهدف مقاومة الصحوة الإسلامية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1989

مشاهدات 63

نشر في العدد 925

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 25-يوليو-1989


  • الصحوة الإسلامية تمثل جيلًا وتيارًا متكاملًا عند النساء والرجال.
  • القوة الذاتية للإسلام استطاعت أن تضعه في موضعه الصحيح.
  • الانتفاضة تعبير عن الجروح الإسلامية، وهي مظهر من مظاهر الصحوة.
  • اليهود يريدون اجتثاث الوجود الإسلامي في كل مكان.

فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي داعية له آراء ثاقبة في معظم قضايا الحياة المعاصرة. التقت به المجتمع وطرحت عليه عددًا من الأسئلة التي تجول في أذهان الشباب المسلم ودار الحوار كما يلي:

المجتمع: ما هي في رأيكم أهم العوائق التي تقف في طريق الدعوة والداعية في العصر الحديث؟

د. القرضاوي: الحمد لله.. هناك عوائق تقف في طريق الدعوة والدعاة في العصر الحديث كما في العصر الوسيط والعصر القديم والعصر القادم. بطبيعة الإنسان وطبيعة الحياة فإن الله سبحانه وتعالى خلق الحق والباطل والخير والشر وآدم وإبليس وموسى وفرعون وإبراهيم والنمرود ومحمد وأبي جهل، هذا الصراع- وهو صراع أزلي أبدي- سيستمر ما دام هناك حق وباطل وخير وشر وفضيلة ورذيلة وصلاح وفساد، لا بد إذا دعوت إلى الحق أن يقاومك أهل الباطل وإذا دعوت إلى الخير أن يقف بوجهك أهل الشر وإذا دعوت إلى الصلاح أن يقف الفاسدون والمفسدون في مواجهتك.. هذا أمر طبيعي كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام: 112) أليس بغريب أن نجد في عصرنا من يقاوم الدعوة؟ هناك طبعًا عوائق خارجية وعوائق داخلية، وكثير من الناس يركز على العوائق الخارجية وحدها فيتحدثون دائمًا عن هذا الثالوث الجهنمي الخطر الذي يعمل ضد الإسلام وأمته، وهو ثالوث اليهودية العالمية والصليبية الغربية والشيوعية الدولية. ولا شك أن هذا الثالوث يعمل ليل نهار لتحطيم الأمة الإسلامية ومقوماتها. لكن أنا دائمًا لا أحب أن أركز على العوائق الخارجية وحدها وإنما ينبغي أن ننبه على العوائق الداخلية التي هي منا وفينا أساسًا. فهناك عوائق من داخل المسلمين أنفسهم. ومن هذه العوائق الجهل بحقيقة الإسلام وهذا الجهل طبعًا له بروز في عصور الانحطاط الإسلامي حينما أساء المسلمون لدينهم وأساءوا تطبيقهم له. ثم جاء الاستعمار الذي احتل ديار المسلمين مدة غير قليلة من الزمن، وزاد تجهيل المسلمين بدينهم أنه كان تجهيلًا منظمًا فرّغ فيه الرؤوس- وخصوصًا رؤوس النخبة- فرغها من حسن الفهم للإسلام فنشأت أجيال من أبناء المسلمين تعادي الإسلام لأنها تجهله، ومن جهل شيئا عاداه كما قال تعالى﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ (يونس: 39)، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ (الأحقاف: 11).

فنشأ من أبناء المسلمين من يعادي الإسلام نفسه وخصوصًا العناصر القيادية، سواء في القيادة الفكرية أو القيادة السياسية أو الإدارية فحدث هذا الصراع الداخلي بين المسلمين، ووجد من أبناء المسلمين أنفسهم من يقاوم الدعوة إلى الإسلام ويسير في خط أعداء الإسلام أنفسهم، لذلك رحل المستعمرون عن بلاد المسلمين ورحلت عساكرهم ولكن لم ترحل أفكارهم ولا تشريعاتهم ولا مخططاتهم.

المجتمع: هل أفلح الغرب في التأثير على الصحوة الإسلامية على أساس أن الصحوة الإسلامية لها تياران داخلي وخارجي؟

د. القرضاوي: لعلك تريد أن تسأل هل أفلح الغرب في أن يؤثر على المسلمين ويبعدهم عن الإسلام؟

طبعًا هو في فترة من الفترات نستطيع أن نقول إن الغرب أفلح إلى حد كبير ونجح فيما سميناه بالاستعمار الثقافي أو الغزو الفكري وهو الغزو الذي لا يحتل الأرض ولكن يحتل العقول والأنفس في فترة من الفترات أفلح إلى حد كبير وسيطر على الفئة المثقفة، ولكن نستطيع أن نقول الآن بفضل الصحوة الإسلامية أو فضل الدعوة الإسلامية التجديدية التي قام بها مجددون استطاعت هذه الدعوة أن تسترد الأرض أو تصد القدر الكبير من الغزو الاستعماري الثقافي وأن تستعيد أبناء المسلمين إلى الساحة الإسلامية من جديد، هذا ما صنعته الدعوة وصنعته الصحوة فأصبح كثير من المثقفين المسلمين الآن والحمد لله يحملون الإسلام فكرة واضحة في رؤوسهم وعقيدة راسخة في قلوبهم ورسالة يتنادون بها و يؤمنون بها، رسالة لإصلاح المسلمين وإنقاذهم ورسالة لإنقاذ البشرية نفسها. الإسلام رسالة عالمية فالآن نستطيع أن نقول إن الكرة أصبحت بأيدينا بعد أن كانت بأيدي غيرنا، أصبح لنا الآن جامعات إسلامية والتي بنيت أساسًا لتكون قلعة للعلمانية، فهذه صروح الجامعات الإسلامية في كل بلد من البلدان، وأصبح عماد الصحوة الإسلامية الآن ليسوا من الفلاحين أو العمال بل الشباب المثقف شباب الجامعات والمعاهد العليا، هذا أمر واضح، الذين يسمونهم الأصوليين الآن هؤلاء هم الشباب الذي تعلم معظمه في جامعات مدنية وتثقف بثقافات غربية ولكن القوة الذاتية للإسلام استطاعت أن تجتذبه وتعيده إلى أرضه وإلى موقعه الصحيح.

المجتمع: إن الفكر العلماني كما تفضلتم مطروح في هذه الأيام في الصحف بشكل ملحوظ وكبير، نريد أن نعرّف القراء ما هي أهداف العلمانية وأساليبها؟ ولماذا وجد هذا الطرح العلماني في هذا الوقت بالذات؟ 

د. القرضاوي: هذا الطرح العلماني موجود من قديم، وكان- من قبل- أقوى مما هو عليه الآن، ولكن الذي جعله يبرز الآن بروزًا قويًّا ونراه في كل موقع وفي مختلف البلاد العربية والإسلامية- وهذا أمر واضح- الذي جعله يحيا ويصحو ويقوى ويبرز هو قوة الصحوة الإسلامية، هذه الصحوة نبهت هؤلاء القوم وأيقظت فيهم غرائز الدفاع عن وجودهم وجعلت القوى العالمية المختلفة تتنبه لهذا الخطر الذي يعتبرونه خطرًا على أنفسهم، هذه الصحوة لم تعد مجرد كلمات تقال ولا دعوة تدعى وإنما أصبحت هذه الصحوة تمثل جيلًا وتيارًا إسلاميًّا عند الرجال والنساء، جيل له شأنه وصحوة ليست صحوة مشاعر وعواطف بل بالإضافة إلى ذلك صحوة عقول وأفكار، والآن أثبتت الإحصاءات أن الكتاب الإسلامي هو الكتاب الأول في سوق التوزيع في أي معرض وفي أي سوق دولية يكون الكتاب الإسلامي هو الكتاب الأول، هذا ما تدل عليه الأرقام والإحصاءات؛ إذًا فهم يقرأون عن الإسلام ويعرفون الإسلام. هذه الانتخابات في كثير من البلاد برغم العوائق التي توضع وبرغم مقاومة السلطات الحاكمة وبرغم الأموال التي تبذل فإن هذا التيار الإسلامي يثبت وجوده في مصر تحت شعار الإسلام هو الحل. في السودان دوائر الخريجين كلها أخذها الاتجاه الإسلامي وفي أماكن شتى والحمد لله، هذا كله جعل هذا الغرب يجن جنونه وأحيانًا يحرك قواه العسكرية، طبعًا نحن نعلم أنه يمكن أن يستعمل القوة ويريق الدم حينما لا يجد سبيلًا إلا الدم.

قتلوا أحمدو بللو من قبل وقتلوا عدنان مندريس وقتلوا حسن البنا وقتلوا سيد قطب وعبد القادر عودة وهم مستعدون أن يقتلوا ويذبحوا كل من يجدونه خطرًا عليهم، ولكنهم أيضًا يستعملون سلاحًا آخر.. الثقافة والفكر، فعندما ظهرت هذه الصحوة قوية وامتد أثرها بدأت هذه الحركات العلمانية تظهر وبدأت هذه الأقلام تكتب في كل مكان، يلاحظ الإنسان أن هذا ليس في بلد واحد ولكن أكثر من بلد. الصحف هنا وهناك كأن هناك محركًا يحرك هؤلاء في وقت واحد وكأن هناك منسقًا ينسق بين هؤلاء؛ لأن العدو واحد يوجه هؤلاء العلمانيين كما يريد وإن كان يتمثل بأعداء كثيرين ولكن يتفقون مع اختلافهم علينا كما قال فقهاؤنا «الكفر كله ملة واحدة»، وهذا كما قال الله تعالى:﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾(الأنفال: 73) من أجل هذا نرى هذا الظهور العلماني الواضح في وقتنا هذا.

المجتمع: هناك سؤال يتبادر إلى الأذهان ويعاني منه الشباب في الوقت الحاضر.. معاناة الحركة الإسلامية المعاصرة من الفرقة والتشتت كما تعلمون، ترى كيف نصل إلى حركة إسلامية واحدة تلتقي على حد أدنى من التفاهم؟

د. القرضاوي: أنا لا أريد حركة إسلامية واحدة، طبعًا أتمنى أن تكون هناك حركة إسلامية واحدة، ولكن بحكم طبيعة البشر واختلافهم في أفكارهم واختلافهم في أمزجتهم واختلافهم في أساليبهم لا بد أن يحدث هناك اختلاف على تحديد الأهداف. قد يحدث هناك اختلاف على تحديد الأهداف وعلى أولوية الأهداف أيها رقم واحد وأيها رقم اثنان؟ وبماذا نبدأ وماذا نؤخر؟ ومن ناحية أخرى حتى لو اتفق الناس على الأهداف يختلفون في الوسائل.. هل نتبع وسيلة التربية أم نتبع وسيلة الانقلاب؟ أم تتبع الطريق الديمقراطي أم الطريق العسكري؟ هل نبدأ من القمة أم نبدأ من القاعدة؟ يختلف الناس في هذا ولو اتفق الناس أيضًا على الأهداف والوسائل سيختلفون على الأشخاص، فهذا يثق بزيد وآخر يثق بعمرو. من أجل هذا سيختلف الناس؛ ولهذا نقول إنه ليس من المهم أن يكون الجميع حركة واحدة إنما المهم أن يكون هناك تعاون وتنسيق بين الجميع، أنا أكتب في هذا في أكثر من مناسبة وفي مقالاتي، وقلت إنه لا مانع من تعدد الجماعات الإسلامية والحركات الإسلامية على أن يكون تعدد تنوع وتخصص لا تعدد تعارض وتناقض، جماعة تشتغل بالتربية وجماعة تشتغل بالسياسة، وجماعة تشتغل بالإصلاح الاجتماعي وجماعة تشتغل بالجهاد العسكري، وجماعة تشتغل بقضية المرأة وجماعة تشتغل بالقضية الاقتصادية، وجماعة تشتغل بتأسيس شركات وبنوك والميدان يسع الجميع. المهم أن هؤلاء جميعًا في القضايا المصيرية يقفون صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص يساعد بعضهم بعضًا ويشد بعضهم أزر بعض ولا يحاول بعضهم هدم بعض، فهذا الذي نريده ولا بد أن يكون هناك قدر من التنسيق وأن يسع الجميع هذا الشعار وهذه القاعدة الذهبية «نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه».

المجتمع: هل من كلمة نصح وإرشاد للشباب وللمتحمسين لنصرة الإسلام في كل مكان؟

د القرضاوي: نصيحتي للشباب هو أن الشباب عدة الدعوة وذخيرة الإسلام وهو ثروة الأمة، وإذا أردنا أن نعرف ماذا عند أمة من الغنى والشروة نعرف ماذا عندها من شباب واعٍ لرسالته مؤمن بربه وبدينه ومستقبله، على الشاب أن يهيئ نفسه لمستقبل عظيم، لمستقبل الإسلام.. أنا أعتقد أن القرن القادم هو قرن الدعوة الإسلامية إن شاء الله.. القرن الثامن عشر كان قرن الرأسمالية والقرن التاسع عشر والقرن العشرين هو قرن ظهرت فيه الشيوعية.. أنا أعتقد أن القرن الحادي والعشرين ونحن على أبوابه سيكون قرن الإسلام بإذن الله، فعلى هؤلاء أن يعدوا أنفسهم لهذا القرن؛ لينهضوا بأمتهم ويخرجوها من عصر التخلف ومن دائرة العالم النامي أو العالم المتخلف.. عليهم أن يخرجوها إلى عالم التقدم. نحن كنا العالم الأول لمدة قرون عديدة ثم أصبحنا الآن العالم الثاني أو الثالث وربما في بعض الأحيان عالمًا رابعًا.. علينا أن نعود كما كنا عالمًا أول وهذا لن يكون إلا بالإسلام الصحيح.. الإسلام الأول كما فهمه الصحابة والتابعون بعيدًا عن غلو المغالين وتفريط المفرطين.. هذا الإسلام الوسط.. الوسطية هي التي ندعو إليها. الاعتدال في فهم الإسلام وفي سلوكه مع أنفسنا ومع الناس ومع من نحب ومع من نكره، وهذا السلوك الصحيح والفهم الصحيح هو الذي ندعو إليه شبابنا، نرجو أن يسدد الله خطاهم وينير لهم الطريق إن شاء الله.

المجتمع: وهناك سؤال يفرض نفسه.. الانتفاضة تكلم فيها الكثير، نريد إذا تفضلتم أن تعطونا رأيكم في هذه الانتفاضة؟

 د. القرضاوي: الانتفاضة في الحقيقة هي تعبير عن الجروح الإسلامية الجديدة وهي مظهر من مظاهر الصحوة الإسلامية التي أخافت أعداء الإسلام وجعلت العلمانيين يتحركون، لأن الصحوة الإسلامية كان لها ظهور عسكري ظهر في أفغانستان وظهر في فلسطين وظهر في أماكن شتى، كما كان لها ظهور فكري وسلوكي وحركي ودعوي. ظهرت هذه الانتفاضة وكانت تسمى في أول الأمر ثورة المساجد لأنها انطلقت من المساجد ورفعت المصاحف، رفعت شعارات «لا إله إلا الله والله أكبر» هذه الثورة الحقيقية هي تعبير عن روح الشعب الفلسطيني المسلم، هي الآن الأمل في أن تحقق النصر في هذه القضية التي نعتبرها قضية الصراع الأولى بالنسبة للمسلمين؛ لأنها ليست مجرد صراع، فهي وإن كانت تأخذ من الناحية الشكلية صراعًا من أجل الأرض المقدسة وأرض الإسراء والمعراج ولكنها في حقيقة الأمر صراع عقدي وحضاري.. صراع من أجل الوجود

هذه اليهودية العالمية تريد أن تقتلعنا من وجودنا، وفتش عن اليهود في كل مكان تجدهم في السودان وتجدهم في السنغال وباكستان، وهم وراء كل مصيبة إسلامية؛ لذلك نحن من أجل تحرير الأمة الإسلامية وإنقاذها يجب تحرير فلسطين، وعلى جميع المسلمين في العالم أن يؤيدوا هذه الانتفاضة أو هذا الجهاد الإسلامي الجديد، بعد أن رفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن نقدم الأرواح والأنفس وأن نقدم كل ما نستطيع لشد أزر أهلنا حتى يحققوا ما يريدون وما نريد نحن لهم إن شاء الله ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ أن اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ  (الحج: 40). 

المجتمع: نشكر فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي ونأمل أن نلتقي معه دائمًا لطرح قضايا الإسلام والمسلمين.

 

الرابط المختصر :