العنوان الشيخ الغزالي.. من قريب
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1996
مشاهدات 89
نشر في العدد 1193
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 26-مارس-1996
أنا واحد من
ملايين البشر على امتداد العالم الإسلامي الذين يدينون للشيخ الغزالي –رحمه الله– بالاستفادة من علمه الغزير، ومن الذين مست كلماته العميقة والمتدفقة شغاف
قلوبهم، وقد كنا في أواخر السبعينيات ونحن في الجامعة وما بعدها، تلهث وراء
محاضراته وخطبه يوم الجمعة في جامع عمرو بن العاص العتيق بالقاهرة، وقد جاءت أفكار
الشيخ الغزالي مع غيره من كوكبة الدعوة المباركة واضحة ثابتة، تقاوم أمراضًا غريبة
كانت أعراضها تطفح بسرعة غريبة على الجسد الإسلامي، وجاءت كتبه وأبحاثه ومحاضراته
في جانب كبير منها صيحات تحذير وحصنًا ضد دعوات سطحية كانت تنتشر بين الشباب عن
التكفير والتجهيل، وألوان غريبة من التحريمات.
كان للرجل –رحمه الله– جاذبية
واكتسبت كلماته الصادقة احترامًا يليق به، وجعلت من يسمعه أو يقرأ له لا يتركه بسهولة.. كنت هكذا، ولذا لم تواتني مناسبة للقائه إلا واغتنمتها بلا تفكير.. زرته في بيته
مرات وكان يلقاني على باب بيته – كغيري دائمًا – بابتسامته الفطرية الهادئة.
كان رجلًا
رقيق القلب دمعته أقرب من كلماته، إذا شعر بشبهة خطأ في حق أحد، فذات مرة كنا
مجموعة من الصحفيين في لقاء معه، وسألناه عن سر كلماته الحادة ضد جهالة فريق من
العاملين للإسلام، مما تزيدهم إصرارًا على جهالتهم، وأخذت هذه النقطة نقاشًا
طويلًا بعض الشيء إلى أن فاجأنا الرجل برفع يديه إلى السماء باكيا.. ماذا أفعل.. أسأل الله أن يغفر لي.
كما كان هذا
الإمام رجاعًا للحق عندما يستبين له ودون تردد، فقد أطلعني المفكر الإسلامي الكبير
الدكتور محمد عمارة، على رسالة يعتز بها، يعتذر إليه فيها الشيخ الغزالي عما بدر
منه في الثمانينيات بوصف الدكتور عمارة بأنه علماني، وقال لي الدكتور عمارة إن
السبب في الرسالة شاب قطري حمل للشيخ الغزالي مؤلفات الدكتور عمارة، وطلب منه
دراستها ثم الحكم عليها، والحق أن الرجل بعد أن قرأها وجه رسالته للدكتور عمارة
وتوطدت بينهما العلاقة بعدها أكثر.
وما من مرة
جاء فيها ذكر الإمام حسن البنا أمام الشيخ الغزالي، إلا واختطف الحديث على الفور
ليكرر هذه العبارة أنا تلميذ حسن البنا حسن البنا أستاذي أردت مرة أن أعرف سر هذا
التعلق من الرجل بالشيخ البنا فقال لي: لقد تعرفت على الإمام عام ۱۹۳۸م عندما كنت طالبًا في الشهادة الثانوية الأزهرية
العالمية.... كنت استذكر دروسي في أحد المساجد. واستمعت قدرًا بعد صلاة العصر إلى
درس من أحد لمصلين البنا..... نفذت كلماته إلى قلبي، وبعد أن فرغ أعلن أحد مرافقيه
أن الشيخ البنا له محاضرة في المساء لمن أراد الاستزادة، ويضيف الغزالي ذهبت إلى
المحاضرة، وبعدها لم أفارق درسًا للإمام البنا، وأصبحت لصيقًا به، حتى صرت أشبه
بسكرتيره الخاص، ووثق بي لدرجة أنه كان يطلب مني وأنا إلى جواره أن أكمل له بعض
مقالاته عندما يشغله شيء، وعندما يعود كان كثيرًا ما يقرني على ما كتبت... ويواصل
الشيخ الغزالي أشرفت يومًا على نقل مكتبة الشيخ البنا من منطقة السبتية بالقاهرة
إلى منطقة أخرى، وكانت المكتبة زاخرة بأكثر من 4 آلاف كتاب، وما فتحت كتابًا منها
إلا ورأيت أثر قراءة الأستاذ البنا وتعليقاته في الهوامش، ويضيف الغزالي: كان هذا
الرجل بحرًا متلاطمًا من العلم، وهكذا ظل الشيخ الغزالي وفيًا لأستاذه، وذلك درس
من دروس الوفاء لقد مضى الشيخ الغزالي في قافلة الدعوة لا يفارقها.. وعاش
للإسلام لا يحمل إلا همه، ولا يتحرق إلا عليه.. فجزاه الله عنا خير الجزاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل