العنوان الشيخ أحمد مفتي زاده.. ومسيرة الأمل والألم
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-1994
مشاهدات 81
نشر في العدد 1088
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 15-فبراير-1994
بقلم: صالح بن راشد المسعود
عرعر - السعودية
في يوم الأربعاء ٩/٢/١٩٩٤م الموافق ٢٩ شعبان
١٤١٤هـ يكون قد مر العام الأول لوفاة الشيخ المجاهد أحمد مفتي زاده -رحمه الله-
الذي ولد سنة ١٩٣٣م في منطقة كردستان الكردية الموزعة حاليًا بين إيران والعراق
وتركيا.. وانخرط الشيخ في بداية حياته في حزب كردستان الديمقراطي، حيث كان أغلب
شباب الأكراد من أحفاد صلاح الدين قد انخرطوا في الأحزاب القومية والشيوعية
والعلمانية والطرق الصوفية التي تعج بها كردستان.. وبسبب نشاطه السياسي وضع الشيخ
أحمد في السجن عدة أشهر، ولما خرج ترك الحزب الديمقراطي واتجه إلى الله وإلى دراسة
القرآن الكريم ودعوة الشباب للتمسك بدينهم وإخراجهم من براثن تلك الأحزاب فأسس
مكتب القرآن، أو مدرسة القرآن، وانضم إليه مجموعة من الشباب وأطلق على المرحلة
السابقة من حياته التي عاشها في ظل الحزب الديمقراطي الكردي مرحلة المراهقة.
لقد قاوم الشيخ أحمد -رحمه الله- اضطهاد
مخابرات الشاه (السافاك) لأهل السنة وإلى جانب ذلك حارب الشيخ المجون والانحلال
والفجور وتيار العلمنة التي كان نظام الشاه يغرسها وينشرها بين صفوف أهل السنة في
إيران. فكان الشيخ أحمد -رحمه الله- يطوف كردستان محاضرًا وخطيبًا كاشفًا ذلك
الخطر، وأرسل الرسائل إلى رئيس الوزراء الإيراني في هذه الفترة اللواء الركن
"أزهاري" يفضح له سياسة الشاه ونظامه العفن في ظلم الناس وإرهابهم، وقام
أتباع الشيخ في مكتب القرآن بتصوير المنشورات التي تعري الشاه وأعوانه من الوزراء
والقضاة وعلماء السوء.
وحين شعر الشاه بخطورة الشيخ أحمد دبر محاولة
لاغتياله ولكن الله نجى الشيخ منها، وكانت الثورة الخمينية في تلك الفترة ترفع
شعار الإسلام حيث كان أئمة الشيعة يهتفون: "لا طوائف بل إسلام"، فأخذ
الشيخ أحمد من الخميني قائد الثورة وعدًا بإعادة حقوق أهل السنة في إيران إذا ما
نجحت الثورة وأسقط الشاه، فكان الشيخ -رحمه الله- من المناصرين للخميني وثورته،
لكن زعماء الثورة بعد أن أطاحوا بالشاه لم يفوا للشيخ بما وعدوه من رفع الظلم عن
أهل السنة!
فحاول الشيخ أحمد -رحمه الله- ثني الحكومة عن
هذا التوجه ضد أهل السنة، وعندما فشل في ذلك تنبه -رحمه الله- إلى خطئه فسارع هو
ومجموعة من علماء أهل السنة في أنحاء إيران في أواخر سنة ١٩٨١م إلى تشكيل مجلس
الشورى لأهل السنة الذي عقد جلسته الأولى في مدينة طهران العاصمة، وكان على رأس
المجلس الشيخ أحمد مفتي زاده والشيخ المولوي عبدالعزيز -رحمهما الله.. وكانت مهمة
مجلس الشورى العمل على ربط أهل السنة فيما بينهم وعرض مطالبهم على الحكومة
الإيرانية، وكان من بين مطالبهم التي عرضوها على الحكومة بناء مسجد لهم في العاصمة
طهران التي لم ينشأ فيها مسجد لأهل السنة حتى الآن.
وكان من أشد المعارضين لمجلس الشورى لأهل
السنة قائد الثورة الخميني إذ اتهم مجلس الشورى بالعمالة الأمريكية وبإثارة الفتن
وزعزعة الاستقرار فمنعوا من إقامة المؤتمرات والاحتفالات، فكتب الشيخ أحمد إلى
قيادات الثورة كالخميني و"بني صدر" رئيس الجمهورية آنذاك يطالبهم بإيقاف
سفك دماء أهل السنة وخاصة في كردستان، وكانت رسالته إلى الخميني بتاريخ ٢٣/٤/١٩٨١م.
ولم تستجب قيادة الثورة لذلك، فعرض عليهم
الشيخ في أحد بياناته الأخيرة سنة ١٤٠٢هـ المباهلة معهم، فاشتاطوا غيظًا، وقامت
زبانية الثورة بالهجوم على منزل الشيخ أحمد ونهبوا الكتب والأثاث واعتقلوا عددًا
من المعلمين والتلامذة من أهل السنة وخاصة التابعين لمكتب القرآن الذي اتهمته
الثورة بالنفاق والعمالة الأمريكية. وأدرك الشيخ أحمد المؤامرة التي تحاك لتصفيته
وتصفية أنصاره باستفزازهم وجرهم إلى حمل السلاح والقتال ليسهل بعد ذلك القضاء
عليهم وإبادة أهل السنة عن بكرة أبيهم، فأمر أتباعه باتخاذ طريق البيان والصبر
وتجنب الصدام المسلح مع حرس الثورة، وفعل ذلك أيضًا الشيخ ضيائي، فآثر أهل السنة
في إيران السجن والهجرة على حمل السلاح فهم لا يريدون أن يخوضوا معركة لم يحددوا
وقتها ومكانها. ووضع الشيخ أحمد وابنه وتلامذته وكثير من أهل السنة في (كرمانشاه)
و(كامياران) و(بوكان) في السجون أمثال: الشيخ عبدالباعث فتالي والشيخ عبدالرؤوف
الكمالي، واستشهد بعضهم داخل السجون كالطبيب المعروف في شيراز مظفريان الذي كان من
أسرة شيعية معروفة وتحول إلى المذهب السني وقد قتل في ٨/٨/١٩٩٢م داخل السجن.
أما الشيخ أحمد مفتي زاده فلم يكن يعرف مكانه
وفي أي سجن وضع أهو في سجن (إيفين) الرهيب، أو في سجن (تبريز) أو في سجن (غزال
حصار) أو في سجن (جوهر دشت) أو في سجن (ديزل آباد)، ولم يكن يسمح لأحد بزيارته،
وحكم عليه بالسجن مدة خمس سنوات عانى -رحمه الله- فيها الحجز في زنازين مظلمة لا
تدخلها أشعة الشمس، وقضى أربعة شهور متوالية داخل إحدى دورات المياه وأصابته
الأمراض فترك دون معالجة حتى أصبح لا يستطيع تحريك يديه ليتيمم للصلاة، وعلى الرغم
من ذلك التعذيب النفسي والجسدي أبى الشيخ إباء الصامدين ورفض أن يكتب شيئًا يتنازل
فيه عن مذهبه أو يطلب الذهاب إلى المسؤولين ليعفوا عنه.
وعندما تأكد النظام أنه إذا بقي الشيخ في
السجن فسوف يموت حتمًا بعد أن أكد الأطباء له ذلك سارع بالإفراج عن الشيخ فخرج
-رحمه الله- في الشهور الأخيرة من عام ١٩٩٢م وكان قد وضع في السجن سنة ١٩٨٢م، أي إنه
اعتقل لمدة تسع سنوات ونصف بلا تهمة محددة، فخرج من السجن وهو مصاب بالشلل من جراء
التعذيب ومحمل بالأمراض، فقد سقطت أسنانه وضعف بصره، وأدخل المستشفى، وفاضت روحه
-رحمه الله- في عصر يوم الثلاثاء 9/2/1993م، وكانت آخر وصاياه: "أوصيكم ألا
تخافوا إلا الله"، فنسأل الله أن يتقبله مع النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
ونعته جماعة أهل السنة في إيران في بيان لها
صادر في 10/2/1993م.