; الشورى وآدابها في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان الشورى وآدابها في الإسلام

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1996

مشاهدات 77

نشر في العدد 1222

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 22-أكتوبر-1996

  • إن الشورى تعلم المسلم كيف يهجر أسلوب الإثارة وحملات التجريح، وأن يتسع صدره لكل خلاف.
  • الإسلام ترك للأمة أن تشكل صورة الشورى حسب ما ترى من مصلحتها في كل زمان.

يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شىءٖ فَمَتَٰعُ ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَير وَأَبقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ وَٱلَّذِينَ يَجتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلإِثمِ وَٱلفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُم يَغفِرُونَ  وَٱلَّذِينَ ٱستَجَابُواْ لِرَبِّهِم وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمرُهُم شُورَىٰ بَينَهُم وَمِمَّا رَزَقنَٰهُم يُنفِقُونَ  وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلبَغيُ هُم يَنتَصِرُونَ وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَة مِّثلُهَا فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُۥ عَلَى ٱللَّه إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (الشورى: ٣٦ -٤٠).

تعريف الشورى: هي التعاون في تبادل الرأي ومداولته في أمر من أمور المؤمنين على أسس وقواعد، تلتقي جميعها لتبحث عن الحق والصواب، أو ما هو أقرب إليهما، كل ذلك طاعة لله وعبودية له.

وتدور حول الأمور المباحة أو المشروعة التي تتعلق بالمؤمن أو الأمة، مما تحتاج في عرضه للشورى.

والذي نؤمن به أن الاختلاف سنة من سنن الله في الحياة، وأوضح ما يظهر الاختلاف فيه هو في ميدان الشورى، حيث تعرض الجوانب والآراء المختلفة، فالاختلاف في الرأي سنة قضى الله بها في هذه الحياة، «واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية».

وهذا الاختلاف راجع إلى التباين في طبائع الناس، وفي قدراتهم وبعض مكوناتهم، وهذا الاختلاف في الإسلام له قواعد ومناهج ليوزن على أساسها خلافهم، ويقضوا بها في مشورتهم، وهي الرد إلى الله ورسوله، وهذا الرد هو المنطلق الأساسي لهذا السبيل.

آداب الشورى والحوار

إن نظام الشورى في الإسلام يضبط أصول الحوار البناء، ويبين قواعده وآدابه، ويلتزم بأخلاقياته، والشورى في الإسلام عفة لسان، وحرص دائم شديد على صون كرامة من نحاوره، وتقديم حسن الظن بالنية والقصد، فما أقبح أن ينزل الحوار إلى جارح اللفظ أو سيئ التعبير، بحجة أن الصدور تضيق، والصبر ينفد، أو أننا ندافع عن الإسلام، ونذود عن مبادئه، ويدفعنا الحماس والانفعال إلى الوقوع في الخطأ، والبعد عن الطريق الصحيح، إن ذلك لا يستقيم أبدًا مع من يقرأ في صحيح مسلم أنه: قيل للرسول- صلى الله عليه وسلم- يا رسول الله: ادع على المشركين، فقال صلى الله عليه وسلم: «إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة»، وقوله صلى الله عليه وسلم في حادثة الطائف: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون».

ورأينا في سيرة ابن هشام في قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي جـ٢ يقول رضي الله عنه: «ثم دعوت دوسًا إلى الإسلام، فأبطؤوا عليَّ، ثم جئت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بمكة، فقلت له: يا نبي الله، إنه قد غلبني على دوس الزنى، فادع الله عليهم، فقال: «اللهم اهد دوسًا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم».

وكذلك ما جاء في صحيح البخاري أنه- صلى الله عليه- وسلم قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر».

إن الشورى تعلم المسلم كيف يهجر إلى غير رجعة أسلوب الإثارة وحملات التجريح، هذا الأسلوب الذي يتأرجح دائمًا من نقيض إلى نقيض حسب المصالح والأهواء، وأصحاب هذا الأسلوب ينسون دائمًا فطنة القارئ وذكاءه، فإن أساليب التدليس جميعها تختفي حينما تصدق في أساليب الحوار، بعيدًا عن تحريف الكلم عن مواضعه، وبعيدًا عن التجريح، وبعيدًا عن شحن نفوس الآخرين بالضغائن والأحقاد.

لا بد من اتساع الصدور لكل خلاف، وهذه دعوة إلى مراجعة الحوار الذي دار بين سيدنا عمر– رضي الله عنه– وبين نفر من الصحابة، حين أراد عمر ألا يوزع الأرض المفتوحة على المقاتلين من المسلمين، فقد كان موضوع الخلاف مثيرًا، وكان يحمل في جوانبه مصالح لبعض الفئات تتمثل في الثروة، فما اشتد عمر– رضي الله عنه– في كلامه، وما عنف أحدًا من الصحابة، وما انتقل الحوار من شواهد الرأي وأدلته إلى البواعث أو الدوافع والنوايا، وإنما تبادلوا رأيًا برأي، كل يتوخى المصلحة العامة، مهتديًا بأضواء المنهج الرباني دون أنانية أو تعصب وحاشاهم، وهذا الطريق في الحوار يؤدي إلى تلاقي الآراء سواء بالإجماع أو بالأغلبية، ونلاحظ في هذه الواقعة أن الجميع اقتنعوا برأي عمر، فقالوا بعد حوار طويل: «نعم ما قلت وما رأيت».

ولذلك فإن نظام الشورى في الإسلام نظام عميق في حياة المسلمين، وهو طابع أساسي لهم، والآية التي صدرنا بها هذه الرسالة من سورة الشورى تضع هذا الأمر- كقيمة أساسية- في صف واحد مع الإيمان بالله والتوكل عليه، واجتناب كبائر الإثم والفواحش، والمغفرة عند الغضب، والاستجابة لله، وإقامة الصلاة، ثم الشورى الشاملة ﴿وَأَمرُهُم شُورَىٰ بَينَهُم﴾ (الشورى: ٣٨)، ثم تستمر الآية في ذكر صفات المؤمنين الثابتة، ومنها: الإنفاق مما رزق الله، والانتصار من البغي، والعفو، والإصلاح، والصبر.

 هذه الأوصاف المقرونة معها الشورى في نسق واحد، تدلنا على أن القرآن جعلها واجبة وضرورية في حياة المسلمين، ولا غنى للفرد أو للأسرة وللأمة عنها بحال من الأحوال، يقول الشيخ شلتوت- رحمه الله- تحت عنوان «الشورى أساس الحكم»:

«وزيادة في تأكيد هذا المعنى السامي الذي لم يسبق الإسلام إليه، قرر أن يكون الحكم شورى بين المسلمين، وأمر الرسول المعصوم أن يشاور المسلمين في أمرهم، وهو بالطبع لا يشاورهم فيما هو من شأن الوحي والتشريع، بل في غيره، وأهم أمر المسلمين مما لا دخل للوحي فيه، هو أمر الحكم، وهو موضع الشورى بينهم، فلا يستبد به الحاكم ولو كان رسولاً معصومًا، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، ﴿وَأَمرُهُم شُورَىٰ بَينَهُم﴾ (الشورى: ٣٨)، ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: ٢٢)، «لست عليهم بجبار»،  ثم قال: «أما ما هو شكل الشورى؟ وما هو مداها؟ فقد ترك ذلك للأمة تشكله حسب ما ترى من مصلحتها في كل زمان ومكان، فالمبدأ ثابت دائم، ولا رأي لأحد فيه، ولا تملك الأمة تغييره، لأنه تشريع دائم، والشكل متغير متطور، للأمة الرأي في تغييره وتطويره برأي ذوي العلم والخبرة من بنيها وهم أولياء أمرها، وأهل الحل والعقد فيها» راجع كتاب «من توجيهات الإسلام ٥٢٩ – ٥٣٠». 

ولقد نقل لنا القرآن الكريم صورة طيبة عن الحكم الذي يقوم على الشورى من واقع الحياة في مملكة سبأ، التي فاجأها دعوة سيدنا سليمان– عليه السلام– فعلى الفور جمعت الملكة أهل الرأي والمشورة، وعرضت عليهم ما كان من أمر الرسالة، وطلبت منهم الرأي قائلة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾ (النمل: ٣٢).

الشورى ملزمة

يقول الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُم وَلَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلقَلبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَولِك فَٱعفُ عَنهُم وَٱستَغفِر لَهُم وَشَاوِرهُم فِي ٱلأَمر فَإِذَا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى ٱللَّه إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩):

 «ولذلك كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييبًا لنفوسهم؛ ليكون الشطر لهم فيما يفعلونه، كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: یا رسول الله، له لو استعرضت بنا هذا البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغمام لسرنا معك»، «وشاورهم أين يكون المنزل حين أشار المنذر بن عمرو بالتقدم أمام القوم، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم فخرج إليهم.

 وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى عليه السعدان، سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فترك ذلك.

وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين، فقال له الصديق: إنا لم نجئ للقتال، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال»، ثم ختم كلامه بقوله: «فكان- صلى الله عليه وسلم- يشاور في الحرب ونحوها».

وقد اختلف الفقهاء، وهل كان واجبًا عليه أو من باب الندب تطييبًا لقلوبهم على قولين.... وروى ابن مردويه عن على بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: «سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن العزم، قال: مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم».

 وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، أي إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، قال الإمام ابن الجوزي: «اختلف العلماء- رضي الله عنهم- لأي معنى أمر الله– عز وجل– نبيه بمشاورة أصحابه- رضي الله عنهم- مع كمال رأيه وتدبيره، فقيل: ليستن به من بعده، قاله الحسن وسفيان بن عيينة».

فالشورى تشريع لبيان أن ما لا نص فيه من مصالح الأمة وسياستها، يجب على الأمة والأمراء أن يستشيروا فيه الأمة، أي أهل الرأي منها، وليس لهم أن يستبدوا به. 

وإذا كان الله– عز وجل– أمر رسوله الأكمل باستشارة المسلمين في أمور الحرب أو غيرها حتى كان يعمل برأيهم وإن خالف رأيه، كخروجه من المدينة يوم أحد، فمن دونه أولى ولا سيما وقد وصف الله المؤمنين بقوله:  ﴿وَأَمرُهُم شُورَىٰ بَينَهُم﴾ (الشورى: ٣٨).

والخلاصة أن هذه الآية ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩) موجهة إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وملزمة له باستشارة المسلمين والعمل برأيهم مع كمال رأيه، وحسن تدبيره، ومع أنه يوحي إليه، فإنما ذلك ليستن بالشورى المؤمنون من بعده، ولا يكون ذلك مستقيما إلا إذا كانت ملزمة للإمام؛ لأنها بذلك وحده تكون نظامًا جديدًا مفيدًا.

أما الشورى الاستثنائية فهي أمر عادي يلجأ إليه الحكام في أشد النظم الاستبدادية في كل عصر دون ما حرج عليهم.. طالما أنهم أحرار في الاستشارة وعدمها، والالتزام بها وعدمه.

مجال الشورى

هو الأمر المباح أو المشروع الذي يتعلق بالمؤمن أو الجماعة أو الأمة، فحياة الفرد الخاصة، وشؤون الأسرة، وقضايا الأمة والدولة، كلها داخلة في هذا الميدان، وهذا الشمول هو الذي يكفل للشورى قدرتها على النمو والتطور في إطار نهج وقواعد ثابتة.

ويستثنى النص الثابت في منهاج الله قرآنًا وسنة، حين لا يكون موضع خلاف في الفهم أو التطبيق، وكذلك أصول العقيدة، فهذه ليست أمرًا من أمور الشورى.

أسلوب وقواعد وأسس الشورى

الشورى في الإسلام تمضي بعيدًا عن قتل الجهود، وبعيدًا عن الفلسفات التائهة، أو الجدل الضائع، أو الشعارات والمزايدات؛ لكنها عزيمة وإيمان، وعلم وعبادة وصدق، فالاختلاف سنة من سنن الله في الحياة، وأوضح ميدان لظهور الاختلاف هو ميدان الشورى، حيث تعرض الآراء المختلفة، وهذا الاختلاف ناتج عن اختلاف طبائع الناس وقدراتهم، واختلاف ظروفهم، لكن الحق- تبارك وتعالى- جعل للمؤمنين قواعد ونهجًا، وموازين يسوون على أساسها خلافهم، ويقضون عندها في مشورتهم، ويقيمون عليها حجتهم.

ولقد جعل الحق- سبحانه وتعالى- سبيلاً  ومنطلقًا رئيسيًا، ألا وهو رد الأمر إلى منهاج الله، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩).

وقال جل شأنه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: ١٠)، فلا بد من عرض رأي الإسلام في الاختلاف عرضًا يقوم على الآيات والأحاديث.

ركائز الشورى

هناك ضوابط لا بد منها، فالمؤمن الذي يمارس الشورى يحتاج إلى يقظة، وقدرة على الموازنة بينها، منها:

 أ – الموازنة بين التزام المؤمن، وبين النصح والرأي والمشورة، كيف يوازن المؤمن بينهما؟ حتى لا يعتبر رأيه تفلتًا من عهد، أو إشاعة لفتنة؟ وكيف يتنبه وهو ينصح، ويحترس حتى لا يقع في تتبع العورات؟

كيف يكون أمينًا فلا يبالغ في الأمر؛ فينصرف الناس عنه؟ وكيف لا يقصر فلا يبلغ مقصده؟ إن تصغير الأمر الكبير يشبه تمامًا تكبير الأمر الصغير.

 كيف يوازن بين الحب والبغض حتى لا يضطرب رأيه؟

ب– بعض الناس حين يشير برأي يعتقد أن رأيه هو الصواب، فهو معجب برأيه، وقد يدفعه هذا الرأي إلى الفتنة والضلال، وهو ينسى الحديث: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون».

ومن المهلكات «إعجاب المرء برأيه»، وقد يسيطر على البعض الإعجاب بالرأي، والكبر والإصرار على ما رأى، وبهذا يقتل الشورى، ويفسد الرأي، ويبطل النصيحة.

يجب على المسلم أن يضع رأيه بين الخطأ والصواب، ولذلك علينا أن ندرس الإنسان بين الخطأ والصواب، وأن نعرف قواعد الإسلام في هذا الميدان؛ حتى يهتدي المؤمن بنور الحق، وهو يشير أو ينصح أو يستشير، أو يسأل النصيحة..

الرابط المختصر :