العنوان الشورى عبر بوابة الديمقراطية.. المشروع السياسي لسورية المستقبل.. نموذج واعد لديمقراطية الإخوان
الكاتب إسماعيل أحمد
تاريخ النشر السبت 22-يناير-2005
مشاهدات 94
نشر في العدد 1636
نشر في الصفحة 30
السبت 22-يناير-2005
العلمانيون صادروا الديمقراطية باستبعادهم الإسلاميين من حق الممارسة السياسية
خلفاء أتاتورك ما زالوا يسوقون الأمة بعيدًا عن منهج الحق منذ مطلع القرن العشرين
الجماعة استقرأت رأي القوى الإسلامية والوطنية قبل إعلان المشروع
صناديق الاقتراع واعتماد آليات العمل الديمقراطي.. الوسيلة الشرعية للتغيير
ارتبطت العلمانية في بلاد الغرب بالديمقراطية، وكان الحياد الديني العلماني لدى الغربيين يعني إفساح المجال لغير المتدين بممارسة العملية الديمقراطية على قدم المساواة مع المتدين، ومن هنا كانت العلمانية ظهيرًا للديمقراطية، تعززها وتحميها من المصادرة على حق الآخر سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا تحت ذريعة الدين أو العنصر أو الجنس.
في العالم العربي انسلخت العلمانية عن هذا الدور المعزز للديمقراطية، وتخلت عن هذا البعد الأساسي في كيانها، نظرًا لتقديرها، أنه سيكون بمثابة تدمير للذات في البيئة العربية والإسلامية!!
وفي تجربتها التي استغرقت تاريخ دولنا القطرية منذ التأسيس غدت العلمانية حليفًا استراتيجيًا للاستبداد بكل صوره«السياسي والفكري والعلمي». وكان في مقدمة إعراض الإسلاميين عن الاستئناس ب «الديمقراطية»، أنها ارتبطت بليبرالية فوضوية، معطية الإنسان حق التشريع المطلق في كل أمره!. وهذا ما جعل كثيرًا من الإسلاميين يتخذ موقفًا رافضًا أو متحفظًا على استخدام مفردة «الديمقراطية»، مع قبول شريحتهم العريضة لممارستها كآليات نافعة تحت عنوان«الشورى»!
رؤية الإخوان
غير أن جماعة الإخوان المسلمين في سورية كانت لها نظرة تكميلية ترفع الحرج عن استخدام العبارة، في إطار ضوابط بينة، إذ رأت أن رفضها بالمطلق يغري تلقائيًا أو بشكل غير مباشر بتكريس واقع الاستبداد والشمولية والقمع الذي يعاني منه عالمنا العربي والإسلامي!
نعم كان البديل أن نستخدم مصطلحًا مطهرًا من لوثات العلمانية والليبرالية والرأسمالية، وكانت الشورى الإسلامية مهيأة لتعبر عن هذا البديل الذي يهدف إلى أن يخرج الأمة من بؤرة الاستبداد الذي جمد كل طاقات الوطن واستنزف خيراته.
غير أنه في دائرة خطاب العصر، وشيوع معنى الديمقراطية،ومن منطلق دعوي وفقهي، ارتضى الإخوان أن يعبروا إلى الشورى من بوابة الديمقراطية، فقد رأوا بوصفهم دعاة إلى الله سبحانه وتعالى، أن فرض نظام أو قانون لا يتم بقوة السلطة المادية والمعنوية، وبهذا انحازوا إلى خيار مخاطبة الناس بما يعقلون، حرصًا على جوهر الممارسة الذي ثبت نفعه وجدواه، بعيدًا عن الجدل في الاصطلاح الذي لا مشاحة فيه.. ومن هنا كان استخدام الإخوان المسلمين لهذه المفردة «الديمقراطية» مبكرًا، ومارسوها وفق تصور محدد، وهو أنها آليات مجردة من أي محتوى أيديولوجي.
ففي الجلسة الرابعة للجمعية التأسيسية بتاريخ ٢٧ ديسمبر ١٩٤٩م مثلًا، قال مصطفى السباعي رحمه الله: «إننا نريد لوطننا نظامًا شعبيًا ديمقراطيًا يقوم على إرادة الشعب وتتمثل فيه إرادة الشعب»، وفي هذا المعنى يقول في كتابه: «هكذا علمتني الحياة»: «إن الإخوان المسلمين لن يتساهلوا أبدًا في محاربة كل حركة تقضي على الحكم الشعبي الجمهوري الدستوري في سورية».
في المشروع السياسي لسورية المستقبل استخدمت مفردة «الديمقراطية» عشر مرات، وقد وضح المشروع مراده من«الديمقراطية»: «أنها الديمقراطية الإجرائية والآليات الديمقراطية المرتبطة بها، والمتمثلة في الحكم النيابي الدستوري، المستند إلى التعددية الحزبية والانتخابات الحرة وصناديق الاقتراع، باعتبارها وعاء عصريًا وآلية لممارسة الشورى». وقد برزت المفاهيم الديمقراطية التالية في أطروحات المشروع: «الجماعة تريده تغييرًا سلميًا ديمقراطيًا يستند إلى الحوار الذي لا يستثني أحدًا على الساحة السورية»، إذ لا يمكن لأي طرف من الأطراف أن يظل بعيدًا عن التغيير الذي تتوقف عليه طبيعة المرحلة المقبلة وأهدافها وأولوياتها، وإبعاد أي فريق يعني حرمانه من حق المشاركة في تشكيل المستقبل وضمان مصالحه الأساسية فيه.. كما في قوله: «الاحتكام في العمل السياسي إلى صناديق الاقتراع، واعتماد آليات العمل الديمقراطي». والحقيقة أنه في سياسات المشروع بدا أن الإخوان يتقبلون الوسائل والأفكار الديمقراطية بآفاق رحبة، تحت سماء: «الحاكمية لله والسيادة للقانون والسلطان للأمة»، غير أنه ربما يحق للمتابع أن يكون متشككًا من هذه المقولات النظرية، خاصة من جرب تلاعب الأنظمة الشمولية بهذه المفردات والشعارات، فقد عرف شعبنا ما هي الحرية وما هي الديمقراطية التي «تجعجع» بها السلطة البعثية! وكيف تتحول المبادئ الدستورية والانتخابات التشريعية وسائر مظاهر الدولة الحديثة إلى ديكور جميل لواقع استبدادي فاسد وشمولي! ها هنا كيف لنا أن تختبر حقيقة الممارسة الإخوانية لهذه الشعارات التي يتبنونها ويتبناها غيرهم؟ إنهم لم يتسنموا سلطة في سورية، ولم يشاركوا فيها حتى نحكم عليهم من خلال مثل هذه الممارسة، وحتى تلك التجربة التاريخية التي خاضوها أيام السباعي والعطار ربما نسوها بعد أن خاضوا تجربة ثورية دفعهم إليها نظام البعث!
شورى داخلية
كانت آلية إقرار المشروع السياسي السورية المستقبل في مؤسسات جماعة الإخوان برهانًا حقيقيًا على تمسك الجماعة بالممارسة الديمقراطية مهما كانت النتائج، ولعلي أستشف من هذه الآلية ما يمثل التجربة الواقعية لهذه الأطروحات الإخوانية. كمتابع في قواعد الإخوان المسلمين قدر لي أن أطلع على الطريقة التي سار بها المشروع منذ أن كان فكرة حتى أقره مجلس الشورى وأعلنه المراقب العام، وكنت منشرحًا جدًا للروح الجماعية التي سار بها، حتى إن عرضه وتريث القيادة في استجلاء الآراء وجمعها وتقويمه على ضوئها كان أحد أبرز أسباب تأخيره قرابة ثلاثة سنوات!.
فالمشروع -ابتداء- لم يكن جهد فرد بل كان عملًا جماعيًا بمعنى الكلمة، ومع هذا حرصت مكاتب الجماعة التنفيذية على عرض المشروع على أوسع قاعدة من قواعد الإخوان، وعلى غيرهم من الإسلاميين ومن سائر الاتجاهات داخل سورية وخارجها، حتى شمل المئات من القواعد الإخوانية، وردت منها عشرات التعقيبات والتصحيحات تفاوتت ما بين أغلبية تؤيد الروح العامة لأطروحاته- وإن سددته في بعض ما طرح- وبين قلة اعترضت عليه جملة، معتبرين ذلك ردة عن نهج الجماعة! بل بالغ البعض واعتبره رضوخًا لإملاءات السلطة!! بينما اتخذ فريق محدود منهم أسلوبًا تصعيديًا ثوريًا إعلاميًا يدعو للانقلاب على قيادة الجماعة وإصلاح أوضاعها.
وفي مراحل الصياغة الأخيرة عرض المشروع خارج الصف الإخواني، وعلى شرائح وطنية متعددة، كثير منهم من خارج الاتجاه الإسلامي، وبعضهم من غير المسلمين أصلًا، ولم لا؟! وحين كان يتساءل بعضنا عن جدوى استجلاء آراء غير المسلمين في مشروع كان يسمى –ابتداء- بالمشروع الإسلامي الحضاري، كان جواب قيادة الجماعة محددًا وواضحًا: أليس مشروعنا مشروعًا وطنيًا عامًا؟ أليس من حق الجميع أن يجد في المشروع ضمانة ورعاية حقيقية لحقوقه؟ طرح المشروع على أطياف الاتجاه الإسلامي، فشمل توزيعه قبل اعتماده مشایخ من طرق واتجاهات وجماعات ودول إسلامية مختلفة..
ثم بعد هذه العملية الموسعة في جمع الملاحظات تمت صياغة المشروع صياغة مناسبة استفادت من آراء الجميع، ثم عرض على مجلس الشورى وهو أعلى سلطة في الجماعة عدة مرات، وكان يحظى بتأييد واسع، حتى إنه أقر بأغلبية مريحة جدًا في آخر المداولات بشأنه قبل ثلاثة أشهر تقريبًا.
من خلال متابعاتي الخاصة لم أقع على مشروع إخواني سابق، حظي بمثل هذا التعميم والممارسة الديمقراطية والتداول والتقويم، وأرى أن هذه الممارسة الشوروية الإخوانية، ممارسة واعدة بمستقبل إخواني أفضل إن بقيت في هذا المستوى المشرف، وأنها أصدق برهان على جدية الجماعة في اعتماد أفكار المشروع، وكم كنت سعيدًا بقرار قيادة الجماعة الذي أوصى مكاتب الجماعة وإداراتها ولجان التربية والتوجيه فيها، باعتماد منظومة أفكار المشروع وقيمه في مناهجهم التربوية لتتمثلها قواعد الجماعة فكرًا وسلوكًا وممارسة لديمقراطية المشروع التي دعا لها، وتمثلها كلمة وفاء أقولها للقائمين على أمر الجماعة بصدق ودون مجاملات... وهو نداء في الوقت نفسه لكل من يقف عقبة في طريق الديمقراطية تحت ذريعة أن الإسلاميين يتسلمون حصن الديمقراطية ليقوضوه من الداخل بعد أن يستتب لهم الأمر!
ولأجل دعاوى زائفة كهذه يحللون لأنفسهم المبادرة بتزوير الديمقراطية وملى صناديقها بالنتائج ذات التسعات الخمس!! وفي هذا الادعاء المفترى، كما في هذا التصرف المقيت، مصادرة على المطلوب، تجعل الاستبداد المتوقع مسوغًا للاستبداد القائم!! من هنا أبدى المشروع السياسي لسورية المستقبل في معرض حديثه عن الديمقراطية والتعددية، استهجانه واستغرابه من دعاوى المصادرة المستبدة فقال في صفحته الثلاثين: «إنه لمن المستغرب أن يصادر بعض الديمقراطيين «العلمانيين» على الديمقراطية، فيضعوا شروطًا مسبقة للأسس العامة لتكوين الأحزاب السياسية، وذلك باستبعاد الأحزاب الإسلامية التي تقيم بنيانها على عقيدة الإسلام، وتشتق برامجها السياسية من شريعته، وهذا ينافي قيمتين أساسيتين من القيم الإنسانية، وهما الحرية والمساواة.
فأما منافاته للحرية فلأنه مصادرة لحق سياسي مشروع، وأما منافاته للمساواة، فلأن هذه المصادرة الانتقائية تحرم المواطن المتدين من ممارسة حقه وحريته السياسية، في حين يتمتع غير المتدين بذلك دون حرج!».
ولن يتسع المقام هنا لمناقشة الدعاوى الهزلية التي تساق لتسويغ المنطق المعوج، غير أن نشير إلى أن هذا الموقف هو تعبير مسبق عن الإحساس بالهزيمة أمام قوة الحق الذي مازال خلفاء أتاتورك يسوقون الأمة بعيداً عنه منذ مطلع هذا القرن.
المشروع السياسي السورية المستقبل يدعو لديمقراطية تسع الجميع، فكلنا شركاء في هذا الوطن، وكلنا حريصون عليه، وكلنا نتأذى من وصاية فصيل منه على فصائل أخرى! فضلًا عن هيمنة حزب على الدولة والمجتمع... ولا أجمل من تلك الخاتمة التي أنهى إليها مشروع سورية المستقبل كلامه حيث قال: «وجماعة الإخوان المسلمين إذ تتحمل مسؤولياتها للبدء في خطوات التنفيذ العملي لهذا المشروع، فإنها تطالب الجميع بتحمل مسؤولياتهم أيضًا، بمد يد التعاون لما فيه خير سورية الوطن والمواطن، في أجواء من الحرية والتنافس الديمقراطي الشريف».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل