; الشورى حق للأمة وواجب على الحاكم | مجلة المجتمع

العنوان الشورى حق للأمة وواجب على الحاكم

الكاتب د. عبد الكريم زيدان

تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1971

مشاهدات 81

نشر في العدد 46

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 02-فبراير-1971

للدكتور/ عبد الكريم زيدان -أستاذ الشريعة المساعد بجامعة بغداد وعميد كلية الدراسات الإسلامية

·                   لا بقاء لحاكم مستبد في دولة الإسلام.

·                   المشاورة تكون في الشؤون الهامة

نشرت المجتمع مقالًا بعنوان «الشورى أم الاستبداد» للأستاذ عبد الله أبي عزة وتعليقًا على المقال المذكور للأستاذ عبد الله العقيل، وجاءنا رد من الأستاذ أبو عزة على التعليق، ولكن المجتمع رأت إغلاق باب النقاش ورحبت بنشر تتمة مقال الأستاذ أبي عزة فاعتذر عن ذلك.

 وننشر فيما يلي بحث الدكتور عبد الكريم زيدان عن الشورى «من كتاب أصول الدعوة» ليطلع القراء على وجهة نظره في هذا الموضوع:

وجوب الشورى:

مبدأ الشورى من أهم مقومات نظام الحكم في الإسلام، به نطق القرآن، وجاءت السنة، وأجمع عليه الفقهاء. وهو حق للأمة وواجب على الخليفة، والتفريط به سبب لعزله كما سنذكره.
والأدلة على وجوبه تستفاد من القرآن ومن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومن أقوال الفقهاء:
 1 - قال تعالى ﴿شَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159) وظاهر الأمر يدل على الوجوب ومن أقوال الفقهاء والمفسرين بصدد هذه الآية قول ابن تيمية «لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله تعالى أمر به نبيه -صلى الله عليه وسلم-» وجاء في تفسير الطبري بصدد آية ﴿شَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران:159): «إنما أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بمشاورة أصحابه مما أمره بمشاورتهم فيه تعريفًا منه أمته ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم فيتشاوروا فيما بينهم». وفي تفسير الرازي «قال الحسن وسفيان ابن عيينة إنما أمر بذلك -أي أمر الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالمشاورة- ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير سنة في أمته».

٢- ومما يؤكد وجوب المشاورة على رئيس الدولة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- على جلالة قدره وعظيم منزلته كان كثير المشاورة لأصحابه، شاورهم يوم بدر في التوجه إلى قتال المشركين وشاورهم قبل معركة أحد أيبقى في المدينة أم يخرج إلى العدو. وشاور السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة يوم الخندق فأشارا عليه بترك مصالحة العدو على بعض ثمار المدينة مقابل انصرافهم عنها فقبل رأيهما» «٤» وهكذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثير المشاورة لأصحابه حتى قال العلماء «لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» «5»

ترك المشاورة موجب لعزل رئيس الدولة:

وإذا كانت المشاورة حقًا للأمة وواجبًا على رئيس الدولة، فإن التفريط بها إلى حد تركها موجب للعزل، جاء في تفسير القرطبي «قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين له واجب» «٦» فلا بقاء لحاكم مستبد في دولة الإسلام.

تعليل أهمية المشاورة:

مما ذكرناه يتبين لنا بوضوح أن المشاورة في نظام الحكم في الإسلام ذات أهمية بالغة، وتعليل ذلك، على ما نرى، إن المشاورة سبيل معرفة الرأي الصواب لأن كل مستشار يظهر رأيه ووجهة هذا الرأي ومدى فائدته. ويعرض هذه الآراء ومقارنتها ومناقشتها يظهر الصواب غالبًا. كما أن بالمشاورة استفادة بلا جهد من خبرات الآخرين وتجاربهم التي اكتسبوها في سنين طوال وبجهود وتضحيات. كما أن بالمشاورة عصمة لولي الأمر من الإقدام على أمور تضر الأمة ولا يشعر هو بضررها ولا سبيل إلى إصلاح الضرر بعد وقوعه، ولا يرفعه كونه حسن النية.. وفي المشاورة أيضًا تذكير للأمة بأنها هي صاحبة السلطان وتذكير لرئيس الدولة بأنه وكيل عنها في مباشرة السلطان، وفي هذا وذاك عصمة من الطغيان الذي هو من صفات الإنسان، قال تعالى ﴿كَلَّا إِنَّ الْإنسان لَيَطْغَىٰ﴾ (العلق:6)

في أي شيء تجري الشورى:

والمشاورة مع الأمة تجري في شؤون الدولة المختلفة وفي الأمور الشرعية الاجتهادية التي لا نص فيها، أي أن رئيس الدولة يستشير في أمور الدين والدنيا كما يقول الفقهاء، فقد جاء في تفسير الجصاص:«الاستشارة تكون في أمور الدنيا وفي أمور الدين التي لا وحي فيها..» «۷» والمشاورة في أمور الدنيا أي في شؤون الدولة المهمة منها مثل تسيير الجيوش وإعلان الحرب وعقد المعاهدات وإسناد المناصب المهمة في الدولة إلى مستحقيها ونحو ذلك، فلا تكون المشاورة في كل شيء من شؤون الدولة حتى في صغائرها وجزئياتها، فإن هذا غير ممكن ولا مطلوب ولا حاجة إليه ولا منفعة فيه ولا دليل عليه.

أهل الشورى:

ولكن كيف تتم المشاورة؟ هل يجب على رئيس الدولة أن يشاور الأمة كلها أو طائفة منها أو أفرادًا منها؟

المستفاد من سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهديه في الشورى، أنه كان يشاور جمهور المسلمين في الأمور التي تهمهم مباشرة كما حصل في مسالة الخروج إلى قتال المشركين في معركة أحد، فقد استشار جمهورهم الموجودين في المدينة، وكان يقول: «أشيروا على». «۸» وكذلك في مسألة غنائم هوازن فقد حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على أن يعرف آراء جميع المسلمين المشتركين في حرب هوازن في مسألة الغنائم التي صارت إليهم، فقد جاء في أخبارها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن ذكر لهم ما يراه بصدد الغنائم، قال الحاضرون: یا رسول الله رضينا وسلمنا، قال: فمروا عرفاءكم أن يرفعوا ذلك إلينا حتى نعلم.. فكان زيد بن ثابت على الأنصار يسألهم: هل سلموا ورضوا؟ فأخبروه أنهم سلموا ورضوا ولم يتخلف عنهم رجل واحد.. إلخ. «۹» فهذه الواقعة تدل على أن أهل الشورى كانوا جميع المسلمين الذين يتعلق بهم موضوع المشاورة. وأحيانا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستشير بعض أصحابه لا كلهم كما حصل في مسألة أسرى بدر، فقد استشار عليه الصلاة والسلام بعض أصحابه في هؤلاء الأسرى وهل يأخذ منهم الفداء أم لا.

واستشار عليه الصلاة والسلام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في مسالة مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا عن قتال المسلمين في معركة الخندق، فقالا: یا رسول الله إن كان هذا أمرًا من السماء فامض به، وإن كان أمرًا لم تؤمر فيه ولك فيه هوى فسمعًا وطاعة، وإن كان إنما هو الرأي، فما لهم عندنا إلا السيف، فأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- برأيهما وترك موضوع المصالحة مع غطفان «10».

 فهذه السوابق الثابتة في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- تدل على أن أهل الشورى، تارة يكونون جمهور الأمة، وطورًا يكونون جميع المسلمين الموجودين وقت المشاورة ويتعلق بهم موضوع المشاورة كما في مسألة غنائم هوازن، وأحيانا يكون أهل الشورى المتبوعين في قومهم كما في مسالة مصالحة غطفان حيث شاور النبي -صلى الله عليه وسلم- السعدين وهما من سادات الأنصار والمتبوعين فيهم. وأحيانا أخرى يكون أهل الشورى بعض المسلمين من ذوي الرأي كما في مسألة أسرى بدر.

وفي ضوء هذه السوابق يمكن أن نقول: إن من يشاورهم رئيس الدولة يختلفون باختلاف موضوع المشاورة، فإن كان من الأمور العامة التي تهم الجميع وجب مشاورة الجميع إن أمكن، وإلا فجمهورهم وإلا فأهل العقد والحل، وإن كان موضوع المشاورة من المسائل التي تحتاج إلى نوع معرفة وحسن رأي ولطف إدراك، شاور رئیس الدولة أهل الاختصاص والمعرفة، وقد أشار الإمام القرطبي في تفسيره إلى ما نقول، فقد قال رحمه الله «واجب على الولاة مشاورة العلماء مما لا يعلمون وما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح. ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها.. إلى أن قال، قال العلماء المستشار: إن كان في الأحكام أن يكون عالمًا دينًا، وصفة المستشار إن كان في أمور الدنيا أن يكون عاقلًا مجربًا» «١١»

يتبع


١- السياسة الشرعية لابن تيمية ص ١٦٩.

٢- تفسير الطبري ج ٤ ص ٩٤.

٣- تفسير الرازي ج ٩ ص ٦٦.

٤- إمتاع الأسماع للمقريزي ص ٢١٩، وتفسير الرازي ج ٩ ص٦٧.

٥- السياسة الشرعية لابن تيمية ص١٦٩.

٦- تفسير القرطبي ج ٤ ص٢٤٩.

٧- أحكام القرآن للجصاص ج ٢ ص٤٠.

٨- إمتاع الأسماع للمقريزي ص ١١٦.

٩- إمتاع الأسماع ص ٤٢٩.

١٠- إمتاع الأسماع ص ٢٣٦.

١١- تفسير القرطبي ج ٤ ص٢٤٩-٢٥٠.

 

كتب وأبحاث للدكتور عبد الكريم زيدان

۱- أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام.

2- الوجيز في أصول الفقه.

٣- المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية.

٤- الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية.

5- أحكام اللقيط في الشريعة الإسلامية.

 ٦- أصول الدعوة.

«خلاصة محاضرات ألقيت على طلبة الصف الرابع في كلية الدراسات الإسلامية»

أبحاث:

1- أثر المقصود في التصرفات والعقود. «مجلة كلية الدراسات الإسلامية»

٢- اللقطة وأحكامها في الشريعة الإسلامية «مجلة القانون المقارن»

٣- حالة الضرورة في الشريعة الإسلامية «مجلة كلية الدراسات الإسلامية».

4- الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام.
«قدم للحلقة الثالثة للبحوث في القانون والعلوم السياسية ونشر في مجلة كلية الدراسات الإسلامية».

 

الرابط المختصر :