; الشق الثاني للإرهاب | مجلة المجتمع

العنوان الشق الثاني للإرهاب

الكاتب د. مأمون فندي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1996

مشاهدات 116

نشر في العدد 1196

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 16-أبريل-1996

لاجتماع قادة ما يقرب من ثلاثين دولة عربية وغير عربية في مدينة شرم الشيخ، بقيادة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون من أجل نبذ الإرهاب، لهذا الاجتماع دلالات كثيرة على تغيير السياسة في المنطقة، وعلى العلاقات الدولية، وكذلك على طريقة تعامل العرب والمسلمين مع قضايا جوهرية ربما كانت في فترة من الفترات من المسلمات.. إن الدراية بهذه التغيرات أو تلك ودلالاتها تعتبر ضرورية لفهم ما يحدث.

رغم أنه لم يكن لهذا الاجتماع أهمية من وجهة النظر العملية، بمعنى أنه يصعب على أية دولة- بما في ذلك الولايات المتحدة- الدخول في حرب مع جماعات متفرقة ذات مرونة تنظيمية مثل حماس، تلك الحركة التي يصعب تحديد مواقعها أو أرض لها، أو تحديد جهاز حكومي تُلقَى عليه تبعية أعمالها، إلا أن لهذا الاجتماع دلالات كبرى ستلقي بظلالها على السياسات العامة للدول المشاركة، وخصوصًا العربية منها، يكمن المغزى الحقيقي لهذا الاجتماع في رمزية الصور التي التقطتها الصحف ووكالات الأنباء العالمية والتليفزيونات، والتي فرزت الدائرة العالمية إلى عالم الخير المتمثل في القادة المجتمعين، وعالم الشر المتمثل فيما يسمى قوى الإرهاب، وبدأ الإعلام في رسم صورة الإرهاب وكأنه شيء معروف ومحدد، يفهمه الجميع في كل بقاع العالم دولًا ومنظمات وشعوبًا ومثقفين.

كما رسمت صورة الإرهابي كما لو كان ذلك مفهومًا ثابتًا لا يتغير بتغير طبيعة الصراع، وكان النص الجانبي لهذا «الإرهابي» يعرفه على أنه «عربي ومسلم ومعاد لإسرائيل» نص مفهوم من الصورة، ولكنه غير مصرح به أو مكتوب، شارك في رسم هذه الصورة قادة هم مسلمون وعرب، وفي الوقت الذي كانت تسمي وسائل الإعلام الغربية هذا التجمع في شرم الشيخ «بمؤتمر مكافحة الإرهاب»، كانت العناوين الصحفية القادمة من الدول العربية المشاركة تسمي ذلك المؤتمر «مؤتمر صانعي السلام» القادة يعرفون في أي شيء يشاركون، ومع ذلك يقنعون شعوبهم بأنهم يشاركون في شيء آخر.

إن التركيز على أن الإرهاب هو مفهوم ثابت لا يتغير يضر بقدرة الإنسان على تحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية، ذلك إذا ما غض الواحد منا الطرف عن المدلولات القيمية لهذا المصطلح، المشكلة الأساسية في إطلاق هذا المفهوم هو أنه يؤدي إلى الخلط بصورة تتساوى فيها مقاومة الاحتلال في الجزائر ما قبل سنة ١٩٦٢م، وما حدث في «البوستن تي بارتي» في أيام الثورة الأمريكية، وأعمال العنف التي قام بها الوطنيون الأمريكيون ضد بريطانيا، يساوي هذا المفهوم بين هذه العمليات وعمليات الكونترا في نيكاراجوا، كذلك هو لا يفرق ما بين عمليات الجيش الجمهوري الأيرلندي ومنظمة التحرير الفلسطينية قبل أن توقع اتفاق السلام، وجماعات القتل المنظم الذي تقوم به الدول مثل ما حدث في ما يسمى بـ «الحرب القذرة» في الأرجنتين في السبعينيات، والتي كانت ترسل فيه الحكومة جماعات منظمة لقتل معارضيها، أو ما يحدث في الأراضي العربية المحتلة عندما كانت ترسل إسرائيل جماعات متخفية في ملابس العرب تمارس القتل المنظم، كذلك يساوي مفهوم الإرهاب المطلق هذا بين عمليات إسرائيل في صبرا وشاتيلا، والتي قتل فيها أكثر من ثلاثة ألاف فلسطيني بأوامر من آرييل شارون، وتحت رعاية إسرائيل وجنودها، كذلك يساوي هذا المفهوم المطلق ما بين حركة الهجاناه اليهودية ومنظمة الأرجون الصهيونية وحركات التحرر العالمية.

هذه بعض الأمثلة لتوضيح حجم الخلط الفكري والتحليلي، وهناك أمثلة أخرى كثيرة تضيق المساحة هنا للخوض فيها، لكن النقطة الأساسية هنا هي أن كون هذا الخلط موجود في صحف الغرب وأدواته الإعلامية لا يعني ذلك أن يتلقفها المحلل العربي دونما رؤية نقدية، وبذلك يطل علينا فوج من الكتاب العرب الذين «ينبذون الإرهاب» على غرار قادتهم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لو سلمنا أن هناك إرهابًا يزعزع استقرار الدول، لا بد كذلك من محاولة التعرف على الشق الثاني للإرهاب، وهو الإرهاب الذي تمارسه الدولة ذاتها.

إرهاب الدولة

أبدأ هنا بمحاولة لتعريف الإرهاب في إطار ما كتب عن هذا الموضوع في الأدبيات الأكاديمية، وبعدها أحاول أن أقدم الجانب الآخر للصورة من خلال مناقشة إرهاب الدولة والعنف المباشر، وكذلك العنف الثقافي الذي تقوم به بعض الدول، لتبرير ممارسات يمكن أن نطلق عليها «إرهابية» حسب المعايير الدولية المتعارف عليها.

في مقال أكاديمي عن «مشكلة المفاهيم لدراسة إرهاب الدولة»، يطرح الدكتور مايكل نيكلسون تعريفًا للإرهاب يعد أشمل مما سبقه في هذا المجال، يقول نيكلسون:

«الإرهاب هو استخدام لوسائل تهدف إلى خلق جو من الرعب في جماعة اجتماعية، أو في سكان في مكان ما، من أجل تغيير سلوك هذه الجماعة، والتي لم تُجدِ الوسائل الأخرى في تغيير سلوكها»([1]).

هذا التعريف يشمل إرهاب الدولة وإرهاب الجماعات في ذات الوقت، وبما أن كل الكتابات السابقة ركزت كثيرًا على إرهاب الجماعات خصوصًا في المنطقة العربية، فأجدني هنا مدفوعًا لتغطية الشق الناقص في هذه المعادلة، وهو ظاهرة إرهاب الدولة، وعلاقتها بالواقع السياسي المعاش في المنطقة العربية، يصنف الدكتور نيكلسون إرهاب الدولة إلى حالات أربع كالتالي:

١- محاولة الدولة السيطرة على المواطنين عن طريق الإرهاب.

٢- استخدام الإرهاب في إطار السياسات الاستعمارية.

٣- استخدام الإرهاب في الحروب.

٤- استخدام الإرهاب كبديل للحرب.

تلك حالات يمكن أن نراقب من خلالها السلوك الإسرائيلي وسياساته في طريقة تعامله مع الفلسطينيين تحت الاحتلال.. فكل الممارسات الإسرائيلية تقع تحت طائلة التصنيف الثاني، وهو استخدام الإرهاب كوسيلة للسيطرة على المواطنين الأصليين في المستعمرات، ويمكن إثبات ذلك من خلال قراءة محايدة لعدد المسجونين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وطريقة معاملتهم، التي تتمثل في التعذيب الذي تؤكده كل يوم تقارير منظمات حقوق الإنسان العالمية، كذلك نشير إلى ممارسات إسرائيل المتمثلة في العقاب الجماعي للفلسطينيين عن طريق إغلاق المناطق السكانية، وفرض حظر التجول وغيره ومن الوسائل الأخرى المستخدمة، كما رأينا أخيرًا هدم المنازل الخاصة بأي فلسطيني، حتى لو كان الذنب هو أن صاحب البيت قد تحدث مع فلسطيني آخر له صلة بالحركة الإسلامية في فلسطين، وأخيرًا وليس آخرًا في السياسة الإسرائيلية المتمثلة في الاغتيالات السياسية مثل اغتيال فتحي الشقاقي، ويحيى عياش، والرسالة الموجهة من إسرائيل هنا لكل الفلسطينيين هي أن يد إسرائيل ستطولهم سواء كانوا خارج الحدود أو داخلها.

وتلك الرسالة الهدف منها بث الرعب في قلوب كل الفلسطينيين، وأي إنسان له مواقف غير مؤيدة لكل سياسات إسرائيل.

ويمكن للقارئ أن يضيف الأدلة التي توكد ممارسات إسرائيل واستخدامها للإرهاب في حالات الحرب ١٩٤٨ و ١٩٦٧، و ١٩٧٣ و ١٩٨٢ في لبنان، أو استخدامها للإرهاب كبديل عن الحرب.

ربما يكون ذلك كافيًا لتوضيح الحالات الأربع التي ذكرها الدكتور نيكلسون عن إرهاب الدولة.

ويمكن للقارئ أيضًا أن يقارن بين تلك الحالات والممارسات الإسرائيلية وبعض الممارسات في الدول العربية التي تواجه معارضة الإسلاميين «الجزائر– مصر»، وبهذا يفهم الفرد لماذا ذهب من ذهب من القادة العرب إلى «شرم الشيخ»، إن التشابه في وسائل المواجهة والتعذيب والقتل لمعارضي السياسيات الخاصة بتلك الدول هو القاسم المشترك بين بعض القادة العرب وإسرائيل.

معايير إرهاب الدولة

وحتى لا تكون الصورة بالشكل الذي يتعامل معه الغرب مع القضية تلك الصورة التي تقول: «إن من هو إرهابي في نظرك، في نظر الآخرين هو مناضل من أجل الحرية»، صورة ليبرالية أمريكية تحاول التخلي عن التعامل مع الظاهرة من خلال معايير محددة، سأحاول هنا أن أعرض للمعايير المتعارف عليها في الأدبيات الأكاديمية التي تتعامل مع هذه الظاهرة.

يقدم البروفيسور تيد روبرت جر «Ted Robert Gur» المنظر الرئيسي في قضايا العنف والتمرد، يقدم لنا معيارين أساسيين في التعامل مع ظاهرة إرهاب الدولة، يقول البروفيسور جر «Gur»: 

«يمكننا إدانة سياسات الدولة العنيفة من خلال مجموعة المبادئ المتعارف عليها دوليًا، رغم أن الاعتماد على هذه المبادئ الدولية قد يبدو مناقضًا لفكرة سيادة الدولة على أرضها، لا بد من أن نقبل معايير كمعاهدة ١٩٤٨م التي تجرم أعمال الإبادة الجماعية للأقليات العرقية والدينية»([2]).

ورغم أن القانون الدولي يجرم الإبادة الجماعية، نجده صامتًا تجاه قضايا عنف الدولة المباشر، وليس هناك أكثر من محاولة التأكيد على مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وربما يكون ذلك ليس كافيًا؛ لأنه وفي بعض الحالات نجد أن الإرهاب أصيل في قانون الدول، بمعنى أن بعض الدول مثل جنوب إفريقيا- قبل مانديلا- كان قانونها يحض على التمييز ضد الأغلبية السوداء، كذلك الحال بالنسبة للقانون الإسرائيلي الذي يميز بين اليهودي وغير اليهودي، وكذلك فلسفة الاختيار الإلهي التي تجعل من لا يختارهم الإله أوتوماتيكيًا يختارهم الشيطان، وبذلك يمكن لليهودي القتل دونما إحساس بالذنب؛ لأنه يقتل أهل الشيطان، إن هذه النظرة تبرر العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، كذلك العلاقات القائمة الموجودة بين بعض المتعصبين المسيحيين التي تؤيد رؤية التوراة تؤيد نفس الممارسات– أن العنف الثقافي المتمثل في الرؤية الصهيونية للعالم هو جزء لا يتجزأ من القانون الإسرائيلي ومصادره التشريعية، وبذلك يكون الإرهاب للآخر جزءًا لا يتجزأ من آلة الدولة الإسرائيلية.

أما المعيار الثاني الذي تطرحه الأدبيات الخاصة بعنف الدولة هو مبدأ التناسب بين أعمال الجماعات التي تقاوم حكمًا ما، وحجم الرد الحكومي على هذه المقاومة([3])، هذا المبدأ ينطلق من فلسفتي الواقعية السياسية والحرب العادلة، وبذلك تكون ممارسات فرنسا في الجزائر قبل الاستقلال ممارسات إرهابية، نفس المعيار ينطبق على حكومة ستالين في روسيا وحكومة الأرجنتين في السبعينيات، كذلك ينطبق مبدأ عدم النسبية على الحكومة الإسرائيلية وممارساتها ضد الفلسطينيين طوال فترة احتلالها لفلسطين، وهنا لا بد للباحث أو المحلل أن يفرق بين عنف الدولة في وقت محدد، وبين دولة تعتمد الإرهاب كسياسة منظمة وبشكل مستمر.

هنا يقول البروفيسور جر «Gur»:

«إذا كان العنف الذي تقوم به الدولة ضد أعدائها المحليين منظمًا ومستمرًا، وليس هناك ما يدل على أن الحكومة تحاول وقف هذه الممارسات، فإن تلك الممارسات هي بالضبط ما يمكن أن نطلق عليه كلمة إرهاب الدولة»([4]).

كذلك كما ذكرت سابقًا أن أحد المؤشرات على إرهاب الدولة هو اللجوء إلى استخدام جماعات تقع داخل جهاز الدولة وخارجها في أن، واستخدامها للقتل، مثل استخدام إسرائيل لجماعات المستوطنين لإرهاب الفلسطينيين، إن تسمية هذا الإرهاب بإرهاب المستوطنين يعفي إسرائيل كدولة من المسؤولية أمام القانون الدولي.

هذه بعض الملاحظات النظرية لتصحيح المفهوم حتى لا نقع ضحية للبلبلة الناتجة عن تغطية مؤتمر «شرم الشيخ» الإعلامية، والتي أنتجت حتى الآن كمًا هائلًا من الكتابات العربية حول الإرهاب، والتي لا تختلف في أي من معالمها عن الكتابات الغربية، والتي كما ذكرت سابقًا تؤكد نصًا جانبيًا غير مكتوب يقول: «إن الإرهاب هو واضح ومعلوم، وأن هويته عربية وإسلامية»، لقد قال شيمون بيريز ما يساوي هذه العبارة صراحة في «شرم الشيخ» إذ يقول: «إن للإرهاب عنوانًا ومركزًا هذا العنوان والمركز هو طهران ومن يؤيدها».

محاولة للفهم

وإذا عدنا إلى مؤتمر شرم الشيخ لمحاولة فهم أنه مؤتمر لا يدل على قوة المجتمعين، بل ضعفهم تجاه قضية جديدة ونوع جديد من الصراع، إن أمريكا الآن ليست في مواجهة قوة عظمى أخرى، أو في مواجهة دولة أخرى، إنها في مواجهة مع منظمة واحدة هي حركة المقاومة الإسلامية حماس، ولا تعرف الدول العظمى كيف تتعامل خارج الأطر المعهودة من خلال مواجهة نووية، أو مواجهة من أجل الدفاع عن حدود، لكن التحدي الجديد لنظام عالمي جديد هو أن العديد من الدول بما فيها الدول العظمى حائرة في مواجهة خطر غير تقليدي يتمثل في أيديولوجيات عابرة الحدود، ومنظمات ليس لديها عنوان على عكس ما يدعي بيريز.

ثانيًا: يمثل مؤتمر شرم الشيخ إعلان حرب على ما يسمى «الأصولية الإسلامية» تقودها الولايات المتحدة، وربما هذا الإعلان سيأتي بمخاطر على أمريكا أكثر من مكاسب، فهو إعلان لم يدبر له سياسيًا، وربما كان مدفوعًا بالانتخابات الأمريكية، فقد كانت الأحداث في إسرائيل في يوم ثم بعده بيومين ذهب الرئيس الأمريكي إلى شرم الشيخ دونما ترتيب أو تدقيق في تبعات هذه الخطوة.

وكان بمقدور حماس أن تفشل هذا المؤتمر إذا ما قامت بعملية واحدة في هذا اليوم، هذا النوع من السلوك السياسي من قبل الرئيس كلينتون يؤكد أن السياسة الأمريكية في فترة الانتخابات مدفوعة بأغراض ومكاسب شخصية للرئيس أكثر من كونها مدفوعة بسياسات تحمي المصالح الأمريكية الوطنية في المنطقة.

إن دخول أمريكا إلى حلبة الصراع بهذا الشكل له دلالات خطيرة، ربما يؤكد وبطريقة أخرى على أن إعلان أحد قادة حلف الناتو، والذي يقول: «إن الأصولية الإسلامية هي عدو الناتو الوحيد في البحر المتوسط»، هي مقولة تتبناها أمريكا الآن، ورغم أن سياسات أمريكا في الغالب حذرة ومؤسساتية أكثر من كونها شخصية، إلا أن هذا التغير يعد بمثابة مؤشر خطير يدعو إلى الحذر.

وأخيرًا أتساءل هل ستؤدي سياسة أمريكا التي تكافح ضد الإرهاب في وقت الانتخابات الأمريكية إلى هجمة عسكرية على دولة عربية مثل ليبيا، أو إسلامية مثل إيران، بدعوى مكافحة الإرهاب؟ إذا كانت الأمور قد وصلت بالرئيس الأمريكي إلى أن الفوز في الانتخابات أهم من سياسة أمريكا وإستراتيجيتها الكبرى، فإنني لا أستبعد عملًا كهذا.

_____________________________________________

المصادر

([1])  M. Nichelson, Government Violence «Connechcut: Greenwood Press. 1986» P. 46.

([2]) Ted R. Gur: المصدر السابق  P. 46.

(([3] المصدر السابق.

([4]) Ted R. Gur مصدر سابق.

(*) للمزيد انظر George A. Loper, The state as Terrorist .

الرابط المختصر :