; الشعر وتيار الوعي | مجلة المجتمع

العنوان الشعر وتيار الوعي

الكاتب محمد السيد

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-2000

مشاهدات 90

نشر في العدد 1399

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 09-مايو-2000

■ الشعر الإسلامي يثبت شيئا من الحضور الواعي لأنه يمثل التجربة الشعورية الصادقة ممزوجة مع لحظة التوتر.

■ شعراء التيه والغواية غرباء يدفعون باتجاه الهدم تكسبا لمال أو مكان أو مكانة وتعضيدا لقناعة صادرة من بواطن حاقدة مريضة.

يزاحم الغزو قلوبنا وعقولنا، حتى غدت البسمة على شفاهنا مستنكرة، لأن فيها ضوعا من ذلك المخزون الأصيل، يريدون أن يحرثوا حتى شفاهنا، يريدون أن يستولوا حتى على بيت الشعر نعبر به عن مكونات الهوية، التي يحاولون درسها بغبن يكيلون به لنا كل بضاعتنا.

يقولون لنا إن الشعر تمرد على كل شيء، إنه الجنون الثائر على كل ثابت، على اللغة وقواعدها ومراسيها، على الدين ويسمونه «المتحجر» أو الظلامي .. إنهم يريدون للشعر أن يهدم كل شيء تكمن فيه قوة لهذه الأمة، يريدون أن يكون تهويما، مرضا، وجدانا ضربا يركض خلف كل ناعق بالخراب، فيعملون له صنما، يقدمون عند أقدامه القرابين، ويتلون عند مقامه الدنس طلاسم الثناء والمديح، ويكتبون له الشهرة والمجد بأحرف من نار تحرق كل جميل من حلم هذه الأمة .. بدءا من شيخ عشيرة الحداثيين «أدونيس» وانتهاء بأصغر عضو في هذه العشيرة البائسة.

ما الشعر: عقود النصف الثاني من القرن العشرين، اتسمت بسيطرة غامرة لاتجاه

مدمر في الأدب العربي، ونخص بالذكر عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، والاتجاه الذي أكمل قوس هيمنته في تلك السنين العجاف على سطح الحدث الأدبي، هو اتجاه سعى إلى تحويل الشعر إلى ألغام موقوتة تدمر كل ما يلامسها من فكر أصيل أو قواعد أمنية، تحفظ وجه الأمة من التماهي في وجوه الآخرين، أو تحفظ ضفافها من الغرق في متاهات العقول المريضة، التي تحاول أن تجعل من مرضاها بطولات تغييرية، أو مغامرات تطويرية، بينما هي في حقيقة الأمر لا تستطيع أن تغادر عتبات التخريب المخزون في خلايا عقول المرضى، إما لأنهم ينتمون إلى طوائف معادية أصلا لتاريخ وعقيدة الأمة، وإما لأنهم يقبضون ثمن ما يجدفون به، وإما لأنهم أسلموا عقولهم وأرواحهم للآخر فهم منومون يتصرفون كيفما يريد هذا الآخر وإلا كيف يريدنا أصحاب مقولة: «الشعر كمثل الحلم، ليس مجالا للفهم العقلاني([1])، أن نقتنع أن شعرا قائما على تلك المقولة مفيد لنا، أو أنه يعبر عن حالة تطور؟! أو كيف يريد هؤلاء منا أن نقرأهم، أو نتابعهم؟ أو نفتح لهم بوابات عقولنا مع أنهم يقولون: «المبدع هو ابن لحياته وعصره، أكثر مما هو ابن لأبيه وأمه، الفرق بينهم وبينه: هم يعيشون في عالم لا يتطلب منهم، لكي يؤسسوا أمجادهم (أو يستعيدوها) إلا إعادة تنظيمه، وفرض سياستهم عليه، أما هو فلا يرى في هذا العالم نفسه إلا ما يجب تهديمه وتجاوزه»([2]). 

ألم أقل لكم: إنهم عوامل الهدم في هذه الأمة بدءا من الأدب والشعر، وانتهاء بكل فقرة بناءة، متجاوزين الفهم السليم لأي أمة المتمثل بالقول: إن الأمم ماض مستلهم، وحاضر يبنى، ومستقبل غائب يخلط الماضي مع لحظة الحاضر، ليقوم وخلقا كاملا لا مولودا شائها منبتا، لا أرضا قطع ولا راحلة أبقى .. وهو ما يريده كل عدو للأمة، إلا أن الحال تغير منذ العقد الأخير، فقد بدأ الأدب الإسلامي يتلمس طريقه وراح الشعر الإسلامي يثبت شيئا من الحضور الواعي لمفهوم أنه تلك التجربة الشعورية الواعية، التي تستلهم بيقظة تامة كل التجربة الصادقة السليمة، لتمزجها مع لحظة التوتر التي لا تلبث أن تخضع للعقلانية، لتخرج نصا بديعا فنِّيا مفيدا للحياة، ملتزما خطوط عقيدة المسلم في الكون والإنسان والحياة، وإلا فإن الشعر خصوصا والأدب والكتابة عموما، يكونان عبثا وتهويما، خارجين عن تيار الوعي المطلوب دائما في كل تصرف إنساني إسلامي، وداخلين تحت طائلة الذم الذي قرره كتاب هذه الامة المقدس «القرآن» حيث قال رب العزة جلَّ من قائل: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء: 224- 226)، ولا يخرجهم من ذلك أبدا أن يتمثلوا الاستثناء الذي جاء به القرآن الكريم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: 227)، إن حياة هذا الإنسان على وجه الأرض لم يوجدها رب العزة عبثا، بل إن الله جلت قدرته جعل هذا الإنسان خليفة ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)، وخليفة الله في الأرض له مهمة إيمانية وإعمارية عظيمة، فهي أمانة كبرى، لا يمكن أن تصرف وتضيع وراء الهائمين على وجوهم ممن جعلوا من أنفسهم- كونهم شعراء- قيمين على الناس، روادا لهم، بل نظروا لأنفسهم على أنهم أنبياء يحملون لهم هدم ما عندهم، ليتركوهم في الفراغ القاتل لا يحكمهم في كل ذلك إلا المزاج والهوى، إن الإنسان المسلم الملتزم شاعرا كان أو إنسانا عاديا، عنده من المهمات الكبرى في الحياة المتقلبة، التي لا تستقر على قرار، ولا تنهل من معين الفطرة الإسلامية الصافية فينطبق عليها حينئذ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذام للشعر إذ قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قبحا حتى يريه (يفسده) خير له من أن يمتلئ شعرا» (حديث صحيح رواه الإمام أحمد).

إن هذا الكلام يهدم نظرية الفن للفن، وكذلك نظرية الشعر كلام يفرغ به الشاعر مشاعره وعواطفه ولحظه التوتر، مهما كانت نوعية الكلام ومعانيه فضلا عن نظرية الشعر لحظة حلم غير واعية يحكمها اللاشعور، وتخضع للباطن الإنساني، مهما كان ذلك الباطن مضمرا من دمار لحياة هذا الإنسان على وجه الأرض، فحين يقول قائلهم:

«سنبلة سنبلة، لا تتركوها سنبلة، فإن هذا الحصاد فِردوسنا المستعاد، بلادنا المقبلة، ومزقوا القلوب قبل الصدور، واقتلوا الجذور، وغيروا هذا التراب الذي أقلهم، وامحوا زمانا روى تاريخهم، وامحوا سماء حنت عليهم، سنبلة سنبلة، كي ترجع الأرض إلى عهدها، سنبلة سنبلة»([3]).

ترتطم تلك الكلمات ببناء قائم، وجدران أمنية، لتفكك كل شيء، ولا تؤول عملية الهدم هذه إلى شيء عند شيخ عشيرة الهدامين هذا، إلا أن ينكشف غبار معركته الوهمية عن «شخصانية مريعة يريد هذا الحاقد أن يوظف الكلمات البائسة المقيتة من أجل جائزة، في طريق الوصول إليها تقدم القرابين من الثوابت والمتحولات وتباع الضمائر لبني صهيون، الذين يقعدون مستترين خلف تقرير من يستحق تلك الجوائز «النوبلية»!.

أمثلة البناء والهدم:

لقد قالوا: الشعر ديوان العرب، وهذا القول بيان لما يؤديه الشعر من خدمة: فهو مسجل تاريخ وباني حياة مستقيمة، ومعبر أمين عن أهداف وأخلاق واحلام أمة، يدخل معركة الإبداع من الأبواب الواسعة للعقيدة والمبادئ التي تحملها وتريد تنفيذها، لتحقق على الأرض صيغة الإعمار الإيمانية، التي تقود إنسانها للفوز بالعاجلة والآجلة، إذ إنه عندما أنشد النابغة الجعدي رسول الله r قوله:

بلغنا السما عند جدنا وجدودنا            وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

قال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إلى أين؟  قال: إلى الجنة يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: «لافض فوك»([4]).

وأغراض الشعر البناء هذا مفتوحة على مصاريعها، لا تحدها حدود، ولا تغلق أمامها الأبواب، فليس من ضابط لها إلا الضابط الفني والضابط الإيماني، وهي بعد ذلك شاسعة الأبعاد واسعة الحياة وما فيها من تنوعات في العواطف والعقول والتفكير والنظر، فالشاعر المسلم الباني عندما يقف أمام الطبيعة الجميلة الحالمة، وتهزه النسمة والزهرة وزقزقة العصفور، وصوت خرير الماء الرقراق، وحفيف الغصن المائس، وتزدحم نفسه ومخيلته الحساسة بشتى العواطف، ويلتجئ في الحال إلى إيمانه، فترتسم في عقله لوحة إيمانية فائقة لموحيات تلك المناظر الخلابة، فتخرج كلماته معبرة عن عظمة موجد وخالق تلك المخلوقات، مازجا ذلك مع عظم الأحاسيس والعواطف التي ركزها الخالق العظيم في تركيبه النفسي، وحينئذ تخرج من بين عقله وشفتيه وأنامله وقلمه لوحة ولا أجمل، ولا أوقع، ولا أكبر نفعا للإنسان!.     

ولا بأس أن نضرب مثلا عن تجربة إبداعية في هذا المجال:

يقول خليل مردم في إظهار الآيات الإيمانية من خلال إبداع الخالق في زينة هذا الكون:

من شأنك التصوير والإنشاء                     لك من سمائك صفحة زرقاء

والفجر حاشية بها حمراء                          والبدر فوق جبينها طفراء

والنيرات على الصحيفة أسطر

خرت لك الشمس المنيرة تسجد              ومن الخشوع جبينها متورد

والبحر مسجور الجوانب مزيد                  والموج مصطحب به يتنهد

أمسى يقيم لك الصلاة ويذكر([5])

إبداع الصورة المؤمنة

وهكذا فإن الشاعر المؤمن يبدع الصور المؤمنة، التي تصنع النفوس المؤمنة لتقيم الحياة المستقيمة الخادمة لمهمة المؤمن في الخلافة، وهذا المثال الذي أوردناه ينطبق توجهه الإبداعي الراقي على كل الأغراض الشعرية المفتوحة الأبواب، كي يلج إليها الشاعر المؤمن، فيرصف منها اللآلئ التي ترتقي الحياة، فتجعلها قابلة للعيش الرغيد المهتدي بربانية عملية، عاطلة عن أي معوق لتطور حقيقي في المعاني والأشكال، إذا كان هذا التطور موصولا غير منبت ولا خامل عن التطلع إلى مستقبل منسوجة حواشيه من قطر ندى الإيمان.

إن العجز الذي يحاصر أهل ادعاء التطوير من خلال برنامج الهدم الذي يتبنونه ليس إلا حيلة يهدهدون بها آمالهم المريضة الحاقدة، يريدون بواسطتها احتلال مكانة شهداء التطوير «الهدم» المأجور المأفون، فيستروا بذلك عورات شعرهم المتهالك فنيا وموضوعيا، وانظر واقرأ إذا شئت هذا الهراء:

-لو مرة عرفت يا إلهي الكسيح كيف الزنى صير([6]) (بلند الحيدري)

-غنيت للأفول رقصت فوق جثة الإله([7]) (أدونيس)

  • فنحن جميعا أموات

  • أنا ومحمد والله

  • هذا قبرنا أنقاض مئذنة معفرة([8]) (بدر شاكر السياب)

  • يتعرى الشرق من كل كرامة.. ونضال 

والملايين التي تركض من غير فعال

التي تسكن في الليل بيوتا من سعال

والتي تؤمن في أربع زوجات وفي يوم القيامة([9]) (نزار قباني)

  • نشارك الله جل الله قدرته

ولا نضيق بها خلقا وإتقانا

وأين إنسانه المصنوع من حمأ

ممن خلقنا أطيابا وألحانا([10]) (بدوي الجبل)

  • سلام على كفر يوحد بيننا

وأهلا وسهلا بعده بجهنم([11]) (الشاعر القروي)

ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نقول: كم هزلت الكلمة وتاهت على أفواه هؤلاء التائهين؟!.. فجاءت ركيكة ضعيفة، بصياغة متداعية واهنة تجأر بالاحتجاج لدى الأصالة والتقدم معا: أن أميطوا هذا الأذى عن أقدامنا وحواشينا، فالإنسان والإيمان والإبداع يصيحون جميعا: ليس هؤلاء منا ولا نحن منهم، إنهم ومن لفَّ لفَّهم ونهج نهجهم غرباء، يدفعون باتجاه الهدم ليس إلا، وذلك تكسبا لمال أو مكان أو مكانة، يبحثون عنها عند الآخر أو تعضيد قناعة صادرة من بواطن حاقدة مريضة، أو تجديد بصائر عمياء هائمة معتمة.. وفي كل الحالات هم كذابون، وقد سئل عوف بن أمية السكوتي عن نسج الشعر فقال: إن جددت كذبت، وإن هزلت أضحكت، فأنت بين كذب وإضحاك([12])، وهذا الكلام ينطبق طبعا على كل شعر ليس له هدف إلا الكذب والتكسب، مبتعدا عن نبيل الأهداف والغايات وعالي المرتقى من البيان السحر، والشعر الذي مرت قراءته آنفا من هذا النوع الهزيل، الذي ينضم إلى قافلة من ذمهم رب العالمين ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ  أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ (الشعراء:224، 225).

ومن المفيد في هذا السياق إيراد بعض ما قاله سيد قطب في ظلال القرآن حول تفسير آية الشعراء: ومنه: «فهم يتبعون المزاج والهوى ومن ثم يتبعهم الغاوون الهائمون مع الهوى، الذين لا منهج لهم ولا هدف، وهم يهيمون في كل واد من وديان الشعور والتصور والقول، وفق الانفعال الذي يسيطر عليهم في لحظة من اللحظات تحت وقع مؤثر من المؤثرات».

ويقول أيضا: «ومفرق الطريق أن للإسلام تصورا خاصا للحياة كلها، وللعلاقات والروابط فيها. فأيما شعر نشأ من هذا التصور فهو الشعر الذي يرضاه الإسلام» وهذا هو فعلا القول الفصل في أي شعر يطرح، مهما كانت قيمته من الناحية الفنية عالية، فهو شعر مقبول ومفيد، أو قول فاسد مهين، ولا يرقى إلى درجة أن يقرأ أو يسمع، أو أن يكون له مقام لدى المسلمين مهما ضجت الأوساط التائهة باسم قائله.

---------------------------------------------

الهوامش

([1]) كتاب النظام والكلام لأدونيس ص198 طبعة دار الأدب- بيروت 1993م.


([2]) المصدر السابق ص197.

([3]) المسرح والمرايا لأدونيس ص63 منشورات دار الآداب طبعة 1988م.

([4]) من كتاب محاضرات الآداب ومحاورات الشعراء والبلغاء ص79  للراغب الأصبهاني. 


([5]) من كتاب: أثر الإسلام في الشعر الحديث في سورية لـ د. محمد عادل الهاشمي ص233 طبعة دار المنار الأولى.


([6]) من كتاب مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي للدكتور عبدالباسط بدر- الطبعة الأولى- 1985م- دار المنارة- السعودية.


([7]) من كتاب مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي للدكتور عبدالباسط بدر- الطبعة الأولى- 1985م- دار المنارة- السعودية.


([8]) من كتاب مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي للدكتور عبدالباسط بدر- الطبعة الأولى- 1985م- دار المنارة- السعودية.


([9]) من كتاب مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي للدكتور عبدالباسط بدر- الطبعة الأولى- 1985م- دار المنارة- السعودية.


([10]) من كتاب مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي للدكتور عبدالباسط بدر- الطبعة الأولى- 1985م- دار المنارة- السعودية.


([11]) من كتاب مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي للدكتور عبدالباسط بدر- الطبعة الأولى- 1985م- دار المنارة- السعودية.


([12]) من كتاب محاضرات الأدباء ومحاورات البغاء ص80.

----------------------------------------

■ السياسات اللبنانية تجاه اللاجئين الفلسطينيين في لبنان

هذه الدراسة هي لمحاولة تحديد طبيعة العلاقة بين اللاجئين الفلسطينيين والدولة اللبنانية خلال خمسة عقود مضت لم يكن الانشغال اللبناني بتوازناته الطائفية في مصلحة اللاجئين، بل على العكس من ذلك، فقد كان هؤلاء اللاجئون هم ضحية هذه التوازنات، ما عدا الفترة والواقعة بين عام 48 إلى عام 1952م، وكما يقول الباحث، فإن الخمسة عقود الماضية بالنسبة لهؤلاء اللاجئين قد كانت كابوسا مزعجا، تمثل في إنكار الهوية الوطنية والتشريد والمهانة، إضافة إلى المعاناة الجسيمة من الغارات الإسرائيلية التي أسفرت عن آلاف القتلى والجرحى والمعوقين، ومع بداية التسعينات، كان عدد اللاجئين بدون مأوى في بيروت وحدها قد بلغ 10887 بسبب الغارات الإسرائيلية التي دمرت منازلهم، وفي جنوب صيدا بلغ العدد 19500 لاجئ بلا مأوى، وغادر لبنان أكثر من 75 ألف لاجئ إلى الدول الغربية المختلفة مثل الدنمارك والسويد وكندا وغيرها.

ويتعرض الباحث كذلك إلى المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه اللاجئين في لبنان، ويعتمد في ذلك على سجلات الأمم المتحدة والمقابلات الشخصية والدراسات الميدانية، ويتطرق في هذا المجال إلى العوائق الكثيرة التي تعترض الفلسطينيين في الحصول على وظيفة داخل الدولة اللبنانية، حيث إن أكثر من 75 وظيفة محرمة على الفلسطينيين، فضلا عن العضوية في نقابات العمال، إضافة إلى حرمانهم من الخدمات الصحية والاجتماعية التي تقدم إلى العمال اللبنانيين، وتحت هذه الظروف، فإن الفلسطينيين عادة هم آخر من يتم تشغيلهم وأول من يتم طردهم.

وفي فصل آخر يتطرق الباحث إلى ذكر الصعاب التي تواجه اللاجئين في التنقل والسفر إلى الخارج، ويقول: إذا كانت المخيمات الرسمية تخضع لحصار دائم من القوات اللبنانية، فإن بإمكان القارئ أن يتخيل حجم المعاناة للمخيمات المعترف بها أصلا.

وبسبب هذا الجحيم، فإن الكثير من اللاجئين حاول السفر إلى بلاد عربية أخرى بحثا عن لقمة العيش، ولكن بعد حرب الخليج، فإن الكثير من هؤلاء ممن نجح في السفر وإيجاد وظيفة في دول الخليج وقد تعرضوا للطرد.

وبالمجمل، فإن دراسة الدكتور شعبان تؤكد على أن طبيعة السياسة التي تنتهجها الحكومة اللبنانية تجاه الفلسطينيين، وهي بطبيعتها ذات نظرة أمنية سياسية، أما الجانب الإنساني والاجتماعي والاقتصادي، فدائما كانت يأتي في الدرجة الثانية.

المؤلف: الدكتور حسين شعبان

الناشر: مركز العودة الفلسطيني- لندن- أبريل 2000م

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

142

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

136

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد