; الشريعة المفترى عليها | مجلة المجتمع

العنوان الشريعة المفترى عليها

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الأحد 03-مايو-1992

مشاهدات 52

نشر في العدد 999

نشر في الصفحة 26

الأحد 03-مايو-1992

·       عندما انحرف رجال الدين في أوروبا برسالة السيد المسيح نزل القرآن الكريم ليرفع عن البشرية المظالم والأغلال.

لقد تحرك وزير الداخلية الفرنسية (بيبرجوكي) في ربيع 1989م، وزار القاهرة وتونس والكويت، فحذر من أن يكون القانون في المجتمع الإسلامي ذا مصدر إلهي؛ لأنه في هذه الحالة لن تتعايش القيم الإسلامية مع القيم الغربية.

وادعى الوزير الفرنسي في تصريحاته المنشورة في جريدة الأهرام يوم 2/5/1989م (ص7) أن الحكومات العربية ستحتمي في القانون الإلهي لتتحكم في الشعوب، وتهضم حقوقها.

وفي خلال الفترة من 29/9/1990م حتى 10/1/1990م عقدت جامعة القاهرة ندوة باسم التطور الديمقراطي في الوطن العربي.

وقد تضمنت كلمة السفير الفرنسي بالقاهرة (الان ديجاميت) أن العالم العربي كان في ظلام دامس حين كانت فرنسا ترسي قواعد الحرية والإخاء والمساواة، التي أرسى دعائمها روسو ومونتسكيو، واستنكر المستشرق الفرنسي (فرانسو يورجا) في كلمته أن يكون الله فوق القانون عند المسلمين؛ لأنهم في فرنسا يؤمنون بالله، ولكن لا يجعلونه فوق القانون.

إن هذا المفهوم الأوروبي الخاطئ للتشريع الإلهي ترجع جذوره إلى ممارسات رجال الدين في أوروبا خلال فترة حكمهم؛ حيث انحرف رجال الدين هناك بمبدأ الحاكمية لله، أو الحكم بتشريع الله، إلى مفهوم يناهض الدين، ولكنهم قدموه للشعب من خلال الدين وباسم الدين.

هذا المفهوم هو أن الله هو الذي يختار الحكام ليحكموا بين الناس بأمر الله، فما يحلونه للناس يحله الله، وما يحرمونه يحرمه الله، واستندوا في ذلك إلى نص في الإنجيل تضمن أن السيد المسيح قال لبطرس (كل ما تربطه في الأرض يكون مربوطًا في السموات، وكل ما تحل في الأرض يكون محلولًا في السموات) إنجيل متى 16: 18 - 20.

وبهذا الحق الإلهي المزعوم مارس البابوات خلال فترة حكمهم لأوروبا كل أنواع القهر والظلم، وحرموا على الناس ما أحل الله لهم، فشنقوا وحرقوا كل من بحث في الطب أو الهندسة أو الجغرافيا، ولم ينقذ أوروبا من هذه المظالم إلا قيام الثورة الفرنسية، وقد أصدرت الجمعية الوطنية الفرنسية قرارًا يوم 2/11/1789م بأن تؤول كل ممتلكات الكنيسة إلى الأمة، وقرارًا يوم 12/7/1990م بتحريم النشاط السياسي على رجال الدين.

وهكذا كان فصل الدين عن الدولة في أوربا هو بداية تحرير الشعوب من مظالم الحكم الديني الذي حرق وقتل وظلم باسم الدين، والدين منه براء.

 

الإسلام وتحرير الشعوب

إن الإسلام هو دين الله الذي أرسل به رسل الله إلى الناس، هو الذي حمل رسالة الحرية والعدالة إلى الناس، وفي هذا قال الله -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (سورة الحديد: 25).

وعندما انحرف رجال الدين في أوروبا برسالة السيد المسيح نزل القرآن الكريم ليرفع عن البشرية المظالم والأغلال التي ابتدعها رجال الدين باسم الدين، وبهذا وصف الله رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، قال الله -تعالى- عن هذا الرسول وعن رسالته: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (سورة الأعراف: 157).

لهذا فمزاعم هؤلاء الأوروبيين عن الإسلام ليس لها أساس من الصحة؛ إذ إن أحد جنود المسلمين قال لرستم قائد الفرس: إن الله ابتعثنا ليخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

 

ضمانات الحريات

لقد انتهت الجمعية الوطنية الفرنسية إلى إصدار دستور 1791م، تضمنت المادة الأولى منه (السيادة واحدة غير قابلة للتجزئة، وهي تخص الأمة)، ونصت المادة الثانية على أن (الأمة تنبع منها كل السلطات، ولا يمكن أن تمارسها إلا بواسطة مفوضين).

لقد اختارت فرنسا بهذا الدستور الديمقراطية غير المباشرة لتعذر قيام الشعب بالحكم والتشريع إلا عن طريق مفوضين عنه، هم النواب الذين يختارهم لذلك، ولكن لم يصدر قانون ينظم الرقابة على السلطة، بل إن هذا الدستور قد نص على منع القضاء من التدخل في أعمال السلطة التشريعية (مادة 127).

ثم صدر دستور 1946م لينظم نوعًا من الرقابة على شرعية القوانين ودستورية القوانين، فنصت المادة (91) على أن تفحص اللجنة دستورية القوانين إذا ما وافقت الجمعية العمومية على ذلك، كما نص الدستور على أنه إذا لم توافق الجمعية على قرار هذه اللجنة بعدم دستورية القانون يعاد التصويت من الجمعية الوطنية على القانون المعترض عليه، فإذا لم تقرر الأغلبية عدم دستوريته فلا يحل البرلمان، كما لا يلغى القانون، بل يعدل الدستور حسب نص المادة (93) منه.

ثم كان دستور الجمهورية الخامسة 1958م الذي أنشأ المجلس الدستوري للتأكد من مطابقة أي تشريع للدستور قبل إصداره من الجمعية الوطنية، ومن ثم كفل هذا الدستور حقوق المواطن وحرياته عن طريق المجلس الدستوري، وعن طريق القضاء الذي تخصص بالفصل في مدى دستورية القرارات واللوائح التي تصدرها الحكومة وجهاز الإدارة، وقد توسع مجلس الدولة الفرنسي في القرار الذي أنشأ المجلس الدستوري للتأكد من مطابقة أي تشريع للدستور قبل إصداره من الجمعية الوطنية.

 

الضمانات الإسلامية للحقوق والحريات

إن ضمانات الحقوق والحريات الفرد والمجموع قد تضمنتها الدساتير، فإذا كانت هذه الدساتير من وضع الشعوب، فإن الحكام يستطيعون وقف هذه الدساتير وتعديلها، أو بتفسير هذه الدساتير تفسيرًا يكرس حقوق الحاكم وسلطانه، فعلى سبيل المثال تنص المادة (174) من الدستور السوفييتي على أن تعديل الدستور يكون بقرار من ثلثي أعضاء مجلس السوفييت، كما توسعت الحكومات في الاستثناءات الواردة في الدستور لصالح الحاكم، وقد تمثل ذلك في قوانين الطوارئ، وفي أعمال السيادة.

أما الضمانات الإسلامية فقد تميزت بخصائص، أهمها:

أولًا- أن الحقوق المقررة للأفراد وللأكثرية والأقليات مصدرها القرآن الكريم والسنة النبوية، وبالتالي لا يستطيع الحكام ولا الشعوب إلغاءها أو المساس بها؛ لأن ذلك من شأنه إخراج من يفعل ذلك من دين الله والحكم عليه بالكفر البواح الذي يهدر دمه.

قال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: 36)، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44).

ولهذا عندما أراد بعض ولاة الأقاليم في خلافة عمر بن عبد العزيز أن ينتقص من حقوق النصارى، قال له الخليفة نحن متبعون، ولسنا مبتدعين؛ أي لا نستطيع المساس بحق ورد في القرآن والسنة.

ثانيًا- أن الحقوق المقررة في الدساتير الوضعية أكثرها لا يتم تنفيذه إلا بعد إصدار قانون، ثم لائحة لتنظمها، وهذا ما تتحكم فيه الحكومة، بينما الحقوق المقررة في القرآن والسنة لا يتوقف تنفيذها على صدور قانون ينظمها.

ثالثًا- أنشأ النظام الإسلامي رقابة شعبية قوية تحرسها جماعة من المسلمين، تشكل لهذا الغرض، مهمتها التصدي للتجاوزات التي تصدر من الحكام أو الأفراد، وفي هذا قال الله -تعالى-: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران: 104).

وقال -تعالى-: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة: 71)، كما روى مسلم في صحيحه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده).

رابعًا- رقابة مجلس الشورى الذي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتشكيله بالاختيار الحر، فهذا المجلس يتولى اختيار الحاكم ومحاسبته وعزله، فهو من الدعامات الرئيسية، في هذا الشأن قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للأنصار وكانوا سبعين شخصًا: (أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبًا، يكونون على قومهم بما فيهم) فتح الباري ص 17 ص 20.

إن هذا النوع من الرقابة من الضمانات الرئيسية لإلزام الحاكم باحترام الحقوق والحريات، حتى في آخر عهد الخلافة العثمانية الذي عرف بالمظالم، فالسلطان سليم الأول الذي اشتهر بالشدة قد أمر باعتقال مائة وخمسين من أمناء المخازن بتهمة الإهمال، فتوجه المفتي علاء الدين الجمالي إلى ديوان السلطان، وقال له في وجود وزرائه إن الإسلام لم يخولك حق تعذيب هؤلاء، فقال السلطان إن هذا تدخل منك في الحكم، وليس من اختصاص علماء الدين، قال المفتي كلا إنما نتعرض لأمر دينك ولحقوق الرعية، وهذا من عملي، وظل المفتي يفند أقوال السلطان حتى أعلن العفو عن المعتقلين. (1)

خامسًا- الفصل بين السلطات بين كل من السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية من الضمانات في النظام الإسلامي.

وهذا الفصل قد ورد في قول الله -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحديد: 25).

فالسلطة التشريعية هي الكتاب أو القرآن الكريم، والذي أحال على السنة النبوية في قول الله -تعالى- ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: 7).

والسلطة القضائية رمز إليها بالميزان، وفيها قال الله: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ*وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 8-9).

والسلطة التنفيذية رمز إليها بالحديد، قال ابن تيمية: الجمع بين الكتاب والحديد هو لتقويم من يخالف التشريع فيقوم بالحديد. (2)

سادسًا- الضمانات القضائية: القضاء في النظام الإسلامي دعامة رئيسية للحفاظ على المشروعية، ولأهميته استحدث العباسيون منصب قاضي القضاة، وأسند هارون الرشيد هذا المنصب إلى الفقيه أبي يوسف، ليرأس القضاة ويوجههم ويحاسبهم.

ويوجد نوع آخر من القضاء هو ولاية المظالم، وهذه كان يتولاها النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم تولاها الخلفاء بعده، وهذه لا تنتظر أن يرفع إليها أحد مظلمته، بل من سلطتها أن تنظر من تلقاء نفسها لسبب ذكره الفقهاء، وهو أنه قد يخشى المظلوم بأس الظالم فلا يتقدم بطلبه إلى جهة الاختصاص.

وولاية المظالم تختص باستبداد الحكام والمسؤولين، والحاكم أمامها وأمام سائر المحاكم يعامل كأحاد الناس، وذلك بخلاف الأنظمة الغربية.

1 - مبدأ المشروعية في النظام الإسلامي، د. عبد الجليل محمد علي، ص 263.

2 - السياسة الشرعية لابن تيمية، ص 3.

 


 


 

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :